أخبار عاجلة
أطلس /بقلم : موافق  السواد

أطلس /بقلم : موافق السواد

ظللت لفترة طويلة، متردداً، بأية مادة سأغير شكل هذا الجدار؟ الجدار الذي لا مناص منه، جدار غرفتي، فقد سئمت ألوان الطلاء المكرورة، وأوراق الديكور التي عادة ما تأتي دون ذائقتي. لذلك قررت أن أمزق الأطلس الضخم الذي احتفظت به طويلا بين رفوف مكتبتي، فقد كان كبيرا ومبالغا في حجمه وطباعته، أضف إلى ذلك أنني كائن لا يعبأ بالجغرافية، وكسول جدا في الحبو على ظلال خطوطها، بلحظة خاطفة نمت في رأسي فكرة صنع عالم جديد، وجغرافية لا تحلم بمكتشفين، عالم آخر مغاير لعالمنا الملوث بالدماء والدسائس. مزقت الأطلس ووزعت خرائطه المتناثرة بعبثية أعنيها على الجدار، بالسيكوتين كنت ألصق فلاحا تبتيا يدخن تبغا مغشوشا من قرية مكسيكية على مقربة من بيته، ولصقت شلالات نياكرا العظيمة وهي تـُغرق حقولا شاسعة للزيتون في رام الله. سقطت إحدى الخرائط من يدي وكانت تشي بصورة موظفين سويديين في قلب ستوكهولم يتفرسون طبقا عملاقا للكوشري في عربة بائع مصري وسط البلد، هكذا وزعت العالم في ذلك اليوم وابتسمت بما يليق بخسائري وشاهدت فيلما عن تاريخ المصائر والأشياء، فرأيت ماموثا كهلا يركض في شوارع 5 ميل وعظامه في سيبريا، والأطفال يرشقونه بحجارة دهشتهم، كانت انتركتيكا قريبة من الخرطوم بل لصيقة بها، وابتسمت للحرب وهي تموت في مدننا. أدغال الكونغو صارت سماء زلقة في فضاءات الربع الخالي وحوضا تغمره الطيور، وشاهدت شيخا هنديا اصطاد سمكة ملونة في بحيرة الحبانية ومات بعبوة ناسفة، سهلت عبر قصاصة فهرس الخرائط طرقا واسعة لآلاف العمال العزل على مساطر يأس العالم للدخول إلى شركة لوكهيد، كي أمكنهم من صنع هواء نقي، وفتية يحلمون بشتلات ميرجوانا طازجة. ثبتّ مجموعة لا بأس بها من المعابد، والكنائس، والمساجد، التي تبدو وقد تعرضت لخراب فادح بسبب قملة الكتب، أسفل الجدار، وتركت لمرتاديها دبابيس برؤوس ملونة تقيهم رطوبة المكان. كنت أمسك بالمقص وأوغل بشق طرق للماء في قلب صحراء كالهاري متناسيا تناسل أمطارها الكاذبة، حتى ازدهرت باللوتس والأنهار وصارت كناية عن ربيع مفرط بالخصوبة. مزقت الأطلس كله، ودبت الحياة في الجدار، ومازلت أحفظ بعضا من خرائطه في قلب يدي، علني أمسك دربا توصلني اليّ . موفق السواد

عن محمد صوالحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*