أخبار عاجلة
الإيمان بالغيب ….بقلم الباحثة صفاء الزفتاوي

الإيمان بالغيب ….بقلم الباحثة صفاء الزفتاوي

يقول المولى عز وجل في محكم كتابه العزيز، وبعد الفاتحة والحمد والإقرار بأن الله رب العالمين أجمعين وليس رب المسلمين أو اليهود أو المسيحيين، وليس رب طائفة بعينها دون أخرى.. بل رب العالمين. يبدأ الله عز وجل بداية مستهل التعريف بكتابه الكريم في سورة البقرة بقوله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(( الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) )) – [ سورة البقرة].
فيؤكد بأن ذَلك الكتاب لا ريب فيه ولا شك فيه أبدًا من جميع الحيثيات، وأن هذَا الكتاب فيه هدىً للمتقين. فمن هم المتقون؟؟ وما صفاتهم؟؟
أول تلك الصفات هي (الذَين يؤمنون بالغيب) ؟؟؟
الإيمان بالغيب هو بداية الإيمان والتقوى وطريق الفلاح .. ثم بعد إيمانهم بالغيب فإنهم يقيمون الصلاة وينفقون مما رزقهم الله ويؤمنون بكل الكتب والرسالات السابقة لأن مصدرها واحد، ويوقنون بالآخرة.. وهذَا اليقين ليس سهلًا أبدًا بل محفوفًا بالمخاطروالمكاره والشكوك والمعاناة حتى يتمكن الإنسان من الوصول إلى مرحلة اليقين.
ثم يقرر الله سبحانه أن من يتصفون بتلك الصفات (التي أولها الإيمان بالغيب، ثم العمل في الدنيا بمقتضى هذَا الإيمان، وآخرها الإيمان بالآخرة التي هي أيضًا غيب ) أولائك فقط هم الذَين على هدىً، وأولائك فقط هم المفلحون. قالهدى والفلاح مرتبطان بالغيب. والغيب هو كل شيء لا يمكنك إدراكه بالحواس الطبيعية ولا بالعقل المنطقي ولا بأدوات العلم والتجارب المعملية، ولا قوانين الرياضيات والفيزياء والكيمياء.. فكيف يطالب الله الإنسان بالإيمان بشئ لا يمكنه إدراكه أبدًأ؟ ؟؟؟
في الماضي كانت المعجزات الحسية أدلة ظاهرة يمكن إدراكها بالحواس على أن الرسول أو النبي مُرسل من قبل قوة خارقة للقوانين المادية المعروفة آنذَاك… وبعد تطور الإنسان وتحضره ولم تعد تقنعه تلك المعجزات التي قد يصفها بالسحر والشعوذَة أرسل له الله رسالته الخاتمة أن (اقرأ) … اقرأ أيها الإنسان وتعلم واكتشف بنفسك أن هناك قوىً وراء المادة ووراء العالم المحسوس ووراء منطق العقل أيضًا، قوىً يُطلق عليها الفلاسفة والعلماء ( ما وراء الطبيعة، أو ما وراء الميتافيزيقا) ، أي أن تلك القوى لا يمكن إدراكها بالقوانين العلمية الطبيعية ولا القوانين الفيزيائية التي تصف المادة وطبيعتها وحركتها في الكون.
الله سبحانه يُطالبنا بالإيمان بالغيب ، وهذَا الغيب لا يمكننا إدراكه أبدًا في عالم المادة وعالم الشهادة الذَي نعيش فيه… فهل فطرتنا التي خلقنا الله عليها والنفس الإنسانية (الغير مادية) يمكنها لمس عالم الغيب والإحساس به بطريقة ما، أو الإيمان به بشكل فطري عفوي بدون جهد؟؟ أم أن الأمر يحتاج لجهد جهيد لإقناع العقل بأن هناك عالمًا بعيدًا جدًا اسمه عالم الغيب، وربما يكون قريبًا جدًا وملتصقًا بنا لدرجة أننا من شدة التصاقنا به وذوباننا فيه أصبحنا لا نشعر بسريانه فينا… فالله سبحانه وتعالى وهو غيب الغيوب يقول لنا : (( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) )) – [ ق]. ؟؟؟
وما زال الإنسان يقرأ ويتعلم فيهتدي تارةً ويضل تارةً أخرى.. تجذبه الروح والنفس إلى عالم أسمى ، إلى عالم الإيمان والغيب ليبحث عن ملاذَه فيه هروبًا من قسوة عالمه المادي ، ثم يجذَبه جسده المادي وعقله المنطقي إلى عالم الشهادة فينكر الغيب، وينكر الله ويلحد ويكفر بوجوده وبوجود كل ما لا يمكن إدراكه بالحواس والعقل والعلم الطبيعي. وما زال الإنسان يقرأ ويتعلم حتى يقوده العلم إلى الإيمان بالغيب … وكيف ذَلك؟؟
تشير الدراسات الحديثة في علم الفيزياء إلى أشياء تقود الإنسان إلى الإيمان بالغيب، وإلى الإيمان بأن حقيقة هذَا العالم وحقيقية قوانينه الفيزيائية -التي تصور العلماء أنها ستكشف لهم كل الحقائق- أنها لا تكشف الكثير وأن وراء القوانين الفيزيائية عالمًا خفيًا من القوانين الغير مادية والغير فيزيائية، أو ما وراء الفيزياء ( عالم الغيب المحجوب)… فهل سيقودنا العلم إلى اكتشاف عالم الغيب المحجوب عنا… أم أن العلم سيقودنا إلى الإيمان بالغيب وبوجوده وبتأثيره فينا دون أن نتمكن من التواصل معه ماديًا أو معرفة حقيقته وكنهه وأسراره…
أعتقد أن الجسد المادي وعالم المادة يحجب عنا أشياء لن نعرفها ولن نكتشفها ولن نراها إلا بعد كشف المستور، وكشف الحجاب، وكشف الغشاء أو الغطاء من على أعيننا، وأن السبيل الوحيد إلى ذَلك هو الانتقال من عالم الشهادة إلى عالم الغيب بالموت..نعم الموت هو الثقب الكوني الذَي نمر منه من عالم الشهادة المادي الفيزيائي إلى عالم الغيب المحجوب عنا.. إذَن فالموت هو رحلة انتقالية … وعندما يُكشف عنا الغطاء في عالم الغيب يمكننا مكاشفة كل الحقائق التي كانت غائبةً عنا … فيقول المولى في سورة (ق) أيضًا : (( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22) )).
ثم أقرأ اليوم ما نشره أحد الأخوة الدارسين في مجال الفيزياء ما يلي:
” أحد القامات العالمية في فيزياء الكم و فلسفة العلم و الذي ما زال على قيد الحياة يعلنها صراحة في كتابه:( الحق المحجوب Le réel voilé ) و يلخص الفكرة في ثلاث محاور كبرى :
– مفهوم وجود حقيقة مستقلة ضروري .
– أن الحقيقة أبعد مما كنا نتصور و أنها ( ليست فيزيائية ).
– و أنه و برغم كل ذلك ، يجب أن نهتم بها
ويصف كلمات العالم (Bérnard d’Espagnat) بأنها كلمات يزنها الراسخون في العلم بميزان من ذهب وخاصة عندما يعلن برنارد في كتابه أيضًا ما يلي:
في النهاية ، أقدم لكم خلاصتي حول كل ما ذكرت ، و هو أن الأمل الذي تكلمت عنه منذ عدة دقائق لا يبدو عليه أنه سوف يتحقق . لا يبدو أن الفيزياء في طريقها لإعطائنا وصفا حول ماهية الحقيقة حتى في إطار من الواقعية على المدى البعيد ، و قد أشك أيضا حتى في قدرتها على ذلك . و هو ما أعبر عنه بالقول أن :
ماهية الحقيقة غير فيزيائية Le réel n’est pas physique أو أنه عليه حجاب .” انتهى.
حيث يقرر عالم الفيزياء أن الحقيقة المطلقة غير فيزيائية ولا تتحكم فيها أحكام الفيزياء المادية، وأن تلك الحقائق الغير فيزيائية محجوبة عنَا عن عمد وقصد.. ويقرر الله في سورة (ق) أن كشف الغطاء لن يكون إلا في يوم القيامة بعد المرور بالموت ثم إعادة البعث والإحياء فنظهر في عالم الغيب والذَي هو العالم الحقيقي الواقعي خارج المصفوقة المادية الافتراضية التي نعيش فيها. ويقودنا علم الفيزياء الكمية الحديثة إلى الاعتراف بأن هناك عالمًا مخفيًا يتحكم في عالمنا الظاهر، وهو عالم الغيب الذَي يجب أن نؤمن بوجوده وبأنه عالم الحق، لنصبح من المهتدين والمتقين والموقنين والمفلحين.

عن نوار الشاطر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*