أخبار عاجلة
الرئيسية / أقلام واعدة / المنبوذ / بقلم : أمل خالد أمين
المنبوذ / بقلم : أمل خالد أمين

المنبوذ / بقلم : أمل خالد أمين

عاد (كينيث) من الغابة حاملا معه حزمة الحطب على ظهره، وصل إلى كوخه الصغير في القرية التي كبر وترعرع فيها- قرية هيلتون اوف كادبول- كانت حياته ليست من مستوى زوجته الثرية (كاثلين)، التي كانت تعلم بوضعه المادي ولكنها قبلت بأن تعيش معه حياة الفقر والشقاء، بعد مرور عام من زواجهما انجبت ابنهما الأول، لقد كان ذو شعر بني ناعم وعينان سماويتان، ابتسم (كينيث) بخبث عندما رأه وقال:

ـ يبدو بانه سيكون مثل إبليس!

قالت (كاثلين) بحنان:

ـ كم هو جميل! فلنسمه كالوم.

مرت السنوات، بلغ (كالوم) السابعة من عمره، لقد كان والده معروفاً في هيلتون ولقد انتشر اسمه في القرى المجاورة بانه محتال كبير، لم يتزوج (كاثلين) لأنه يحبها، انما كان يريد أن ينهب ثروتها، لكن أسرتها تركتها دون أن تعطيها جنيهاً واحدا، لم يكن والدها ساذجاً ليتركه يـأخذ ورث ابنته، لم تعلم بحقيقته إلا بعد فوات الأوان، كان يضربها ويشتمها باستمرار، بينما (كالوم) يجلس منطويا يبكي بصمت، يراقب خلسةً أفعال والده الذي كان يقسو على أمه.

في كل ليلة كان يسمع صوت أنين أمه وبكاءها، مما جعله لا ينام جيداً، كان في المدرسة طالبا مخيفا، غريب الاطوار، نحيل البنية، عينيه تكادان تغوصان في محجريهما، دائماً ما كان يجلس في نهاية الفصل، يرسم لوحات غريبة، تجسد معاناة نساء بائسات، والغريب في الأمر أنه لم تكن تمتلك أي من تلك السيدات فماً!

قرر والده إخراجه من المدرسة بسبب ملاحظات المعلمين حول مستواه التحصيلي المتدني، قال له يومها:

ـ بني.. أنت لن تصبح مثل الآخرين، ستصبح مثل أبيك.. فاشلا.. ومفلسا.. ومحتالا خبيثا.

نظر (كالوم) إلى عيني أبيه بنظرات مليئة بالحقد.

بعد ثلاث سنوات، دخل (كينيث) إلى السجن، تنفست (كاثلين) الصعداء لأنها ستتمكن أخيرا من رعاية ابنها بشكل أفضل، عملت في مزرعة جارهم لكي تستطيع اعالة نفسها وابنها، مرت ثمان سنوات أصيبت بعدها بمرض غريب، حيث كان الدود يخرج من جسدها، وصل الحال بأن يأكل عينيها، فأصبحت عمياء!

علم سكان القرية بذلك فأنتابهم القلق من أن يكون هذا المرض معد، أرسلوا لها طبيباً ليشخص حالتها، خرج الطبيب وأخبر الأهالي بأن مرضها خطير ومعد وأنه عاجز عن القيام باي شيء حيالها لأنه لم يسبق له بان تعامل مع اي حالة كهذه مسبقا، اتفق بعدها سكان القرية على أن يقوموا بقتلها كي لا ينتشر المرض ويفتك بهم جميعاً.

اقتحم مجموعة من الرجال منزلها ليلاً، سمع (كالوم) الضوضاء ثم خرج من غرفته ليراها في قبضتهم، حاول منعهم بكل ما أوتي من قوة، وقد تحول في لحظة إلى حيوان مفترس، دفعه أحدهم بشراسة وهو يقول له بنبرة قاسية:

ـ ستودع أمك الآن.

انصرف من أمامه وأخر ما رأه حينها وجه أمه التعيس، مسحت على رأسه وهي تقول:

ـ لا بأس يا صغيري.. سواء قتلوني أم لا.. لا أظن بأنني سأعيش لمدة طويلة.

انهمرت الدموع من عينيه وهو يقول:

ـ إذا.. هذه هي لحظة الوداع.

هزت رأسها نفياً وهي تقول:

ـ سأكون معك دائماً.

ثم اخذوها بعيداً، ولم يرها بعد ذلك اليوم.

مسح دموعه وهو ينهض من سريره ببطء، سيكمل الثالثة والستين من عمره خلال شهر تموز الحالي، كم يسير الوقت بسرعة!

جلس أمام لوحته وتأملها بصمت ثم قام بمسح الفم بأصابعه كما يفعل في كل لوحة، سمع ضحكات وهمسات، التفت خلفه فرأى أطفال ينظرون اليه من النافذة، خافوا من هيئته وبسرعة لاذوا بالفرار، نهض من مكانه، ثم ذهب إلى الخباز ليبتاع بعضا من الارغفة.

قال له الخباز:

ـ لقد قمت بتخفيض أسعار لوحاتك كثيراً.. لماذا؟!”

هز (كالوم) كتفيه:

ـ لا أحد يشتريها.

ثم حمل كيس الخبز وهو يسعل بقوة.

قال له الخباز بتردد:

ـ اسمع.. كالوم.. يجب عليك أن تخرج بين فترة وأخرى لأخذ بعض الهواء النقي.. اعتقد بأن رائحة الأصباغ قد أثرت على رئتيك.

ابتسم (كالوم) ابتسامة شاحبة:

ـ شكراً لاهتمامك.. سأفعل.

خيم الظلام، حمل (كالوم) فانوساً ثم خرج من بيته وجلس على جذع شجرة بأطراف الغابة، سمع أصوات خراف، تلفت ليبحث عن مصدر الصوت فرأى منزلاً خلفه سياج بداخله مجموعة منها، كان راعيها يدخلها وهو يضربها بعصى، ثم دخل إلى منزله، ذهب إلى ذلك السياج خلسةً وفتح لهم الباب.

قال بهمس:

ـ اذهبوا.. أنتم احرار الآن!

فجأة! سمع صوت رجل يصيح خلفه:

ـ أنت هناك.. ما الذي تفعله؟!

نظر إليه نظرة خاطفة ثم حمل فانوسه وهرب، سمع الرجل ينادي أصحابه الفلاحين، حملوا مشاعلهم وركضوا وراءه، تعثر (كالوم) ووقع منه الفانوس وانكسر، اشتعلت النيران.

صرخ أحدهم:

ـ يا رفاق.. لقد أشعل النيران بسحره! أخبرتكم مسبقا بأنه ساحر!

واصل (كالوم) الجري حتى استطاع الخروج من الغابة والعودة إلى منزله، أغلق الباب خلفه بالمفتاح، دفع خزانة ملابسه ثم جلس في الزاوية وهو يلهث بقوة.

رأى قطة سوداء تدخل من النافذة لتجلس بالقرب منها، كانت تنظر إليه بثبات وعينيها تبرقان، لابد أنها الموت، هذا ما اسماها إياه سكان القرية، لأنه عند اقتراب موعد رحيل أحدهم تأتي لتجلس بالقرب منه.

نظر (كالوم) إليها ثم ابتسم قائلاً:

ـ أعلم بأن هذا غريب.. لكنني سعيد حقاً برؤيتكِ.

( مدرسة القيروان الإعدادية للبنات )

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: