أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق القصة القصيرة / صاحبة اليد الطولى / بقلم : نريمان نزار محمود 
صاحبة اليد الطولى / بقلم : نريمان نزار محمود 

صاحبة اليد الطولى / بقلم : نريمان نزار محمود 

 

هي الآن حاصلة على شهادة دكتوراه في تخصص الهندسة المعماريّة ، مما خوّلها للعمل كمعيدة في إحدى الجامعات التابعة للقطاع العام ، صنّفت من أكثر الأساتذة براعة وتميّزا ، فهي تمتلك موهبة فذّة في التخطيط والتنفيذ ، أحبّها طلبتها لطيبتها ولطفها، فلم تملّ من مد يد العون بل كانت ذلك العمود الذي يسند ظهر كل من أنهكه طول الطريق ، وأتعبته الحياة ، هي صاحبة اليد الطولى ، والساعد المتين ، تتصرّف على سجيتها السليمة ، متحررة من قيود النرجسية والغطرسة ، باب مكتبها مفتوح أمام كل سائل لحاجة أو معرفة ، لم ولن تنسى مثلها الأعلى وسندها حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من مكانة ومقام .

كانت متزوجة وأم لطفلين شاب وفتاة ، بذلت قصارى جهدها كي تحدث توازنا بين وظيفتها المهنية ووظيفتها المنزلية وأمومتها ، لم تنكر بأن الأمر صعب ويمكن أن تقول صعب للغاية، لكن من وضع هدفا نبيلا نصب عينيه لن يتراجع أو يستسلم قبل أن يصل إلى حلمه الذي يصبو إليه ، فإذا كانت النفوس كبارا     تعبت في مرادها الأجسام

وإذا ما شعرت بالتعب يتسلل إلى داخلها فيثبّط من عزيمتها ، تلجأ إلى والدها الحبيب ، عمود البيت ، وركنه الصلب ، تقبّل يده التي زهت بخطوط التجارب والخبرة والحكمة ، تضع رأسها على رجله ، وتبدأ بسلسلة البوح ، ترمي مشاكلها في بحر فطنته ، تنزل العبء من على كاهلها وتضعه بين يديه ، وكعادته يكون نعم المصغي والمهتمّ ، لا ينبس ببنت شفة حتى تنتهي من الادلاء بما في دلوها من حكايا وآراء ، وكأنها شاهد يقف على منصة في المحكمة يسرد أحداث القصة بتفاصيلها الدقيقة :

–        أبي ، قلبي لم يعد قادرا على التحمّل ، لم أعد أطيق صبرا ، مسؤوليات متكدّسة كالوسائد فوق رأسي المسكين ، طلبات الأولاد تتزايد هي تريد حاسوب حديث ، وهو يريد دراجة نارية ، هي ترغب في المشاركة في رحلة إلى مصر مع زميلاتها ، وهو يرغب في تأسيس مشروع صغير ويحتاج إلى رأس مال ، وغير ذلك الكثير الكثير  ، عدا أعمال المنزل المتراكمة بعد عودتي مكدودة من يوم عمل طويل ومشاريع ملتوية ، جنون يحدق بي من كل النواحي ، وأنا أقف وحدي في مهبّ الريح ، أشعر بأني وسط إعصار عنيف ، وبدأت أفقد السيطرة .

–        عزيزتي ، لقد كنت وما زلت في نظري تلك الطفلة القوية التي استطاعت الفوز في سباق الدراجات الهوائية رغم تعثرها في بداية الطريق ، وتلك الفتاة التي صمّمت على الاشتراك في مسابقة تحدّي القراءة وحصدت أعلى المراكز ..

صغيرتي ما الحياة الدنيا إلا محطات متتابعة ، كل محطة تنقلنا إلى الأخرى ، ولنستطع النجاح لا بد وأن نتحلّى بالعزيمة والأمل فنحن قادرون على تذليل الصعاب مهما عظُمتْ ، فأنت لها يا بنيتي .. فضاقت ولما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج.

كان لتلك الحروف التي ألقاها الوالد فعل السحر، أعادت لبطلتنا رباطة جأشها ، وتبددت سحب المرارة من سمائها ، لتحل محلها نسور محلّقة تسدّ الأفق بجناحيها ، وزاد يقينها بقدرتها على تكملة مشوار حياتها بعزم وإرادة من حديد ..

عادت إلى دائرة حياتها مفعمة بالحيوية والأمل ، قرمت لتلاميذها خير مثال للمرأة المكافحة القادرة ، ولأولادها قدوة حسنة طموحة نحو القمة ، وكانت خير تطبيق لمثل هذا الشبل من ذاك الأسد ، فكانت منبع فخر واعتزاز لوالد أحبّ الحياة .

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: