أخبار عاجلة
حقائق من أرض الشواهق/ قراءة في نص “صعاليك كتامة”/ للشاعر أحمد الطريبق

حقائق من أرض الشواهق/ قراءة في نص “صعاليك كتامة”/ للشاعر أحمد الطريبق

بقلم : عبد الهادي موادي من المغرب                            

 

تجارة”القنب الهندي” تحيي أراضي كتامة، أراض كانت عاقر، ضربها الطوفان فانزوت عن نفسها لمدة طويلة، ثم عادت تخلط الحلال بالحرام.

تجارة المسكوت عنه هكذا حال المنطقة، الريف عتت عن قانون الوطن، فزاغت إلى التجارة المربحة.الثراء والفقر متجاوران، الدخول والخروج للسجن والصراح المؤقت حال ألفه الريفيون، شروط العيش الكريم تحمل نعشها وتغادر، الصرف الصحي، الكهرباء، التمدرس، الجمعيات، كل تلك أشياء لا وجود لها هناك.

النبتة مذ حلت بالمكان نشرت الذل فضربت بعرض الأرض مثل ما تفعل العرم.عشب النشوة[3] يغادر الحقول مستظلا بظل حشد جنود أمازيغية لا تعرف للخوف حقيقة.

النص مجهول ومتختر بأزمان مضت وذاكرة حية لا تزال تسائل الحقيقة، لكن الحقيقة هناك مخفية حتى عن نفسها.

أحمد الطريبق انصهر بالمكان، فركب حصانه مثل صعلوك نحو أرض الشواهق، ذهب يكتب نصه “صعاليك كتامة” الذي تضمنه كتاب “هكذا كلمني البحر”،والذي صدر عن مطبعة النجاح الجديدة سنة 1996، محاكيا فيه موضوعات القصيدة التقليدية،ومقسما إياه إلى أربع أجزاء كالتالي: المقدمة الطللية، أهوال الرحيل، حسن التخلص، بيت القصيد.

الجزء الأول:المقدمة الطللية:هنا يقف الشاعر مذهولا، المكان جاثم، الأرض كشطت وخسف نباتها، اليقطين والأبُّ والفاكهة والتين والزيتون، كل تلك مزروعات لا تنموا هناك.

المكانمثبطكطفلعاجز عن الكلام، المنازل بقايا أطلال متناثرة هنا وهناك، الثلج يجمد الحياة، والسحب لا تبتسم إلا لورق الشجرة الملعونة، وحتى دموع السماء سامة، تغدي فقط شجر النشوة.

الجزء الثاني:أهوال الرحيل: حين يشتد الصريم يستيقظ أولوا العزم من القوم، رجال النبتة، شعب المبحوث عنهم كما لقبوا، هنا بداية الرحلة، النبتة تطارد ظلها ولا تدري متى نهاية الرحلة، شهود النهار ليسوا كشهود الليل، الحقيقة معتمة، القمر، الأرض، الجبال، المنعرجات…مخلوقات صماء لا تعلم للقرار من جواب.

النبتة تسير في موكب ملكي إلى مأواها حيث تعيش حياة ما بعد التحول، تخترق الزمان ولا تستقر في مكان واحد، في فاس، في مكة، في فارس…تسير دون أن تنحني، خبب الخيل يؤنس قائد الموكب، وأصوات الذئاب دليل قاطع يؤمن الطريق.

في وسط الموكب، ترتفع قراءة القرآن خلف القائد، والتعوذ بالله من شر الإنس. الخوف، موت الليل، والأعين مفتوحة تتذكر راحة النوم.وفي الأخير تتردد أحلام الصعاليك، أبيات شعرية لأشهر صعلوك إنه: “عروة بن الورد”، أسطر شعرية تنم عن قسوة أصحابها، وتبرز شدة حراس الموكب.

الجزء الثالث:حسن التخلص: الوطن تقزم والمكان تآكل، الزمن الذي يعيشه القوم مليء بالمكائد، الهروب أوالهجرة حلان للخلاص، كتامة الكلومبية تصنع لنفسها تاريخا حافلا بالمنعرجات، بل تاريخا سيأفل لا محالة، يقول الشاعر:

(شمس الوطن الغالي، لم تزهر، أو تثمر

                                    عبر الزمن الساري)

ذهابا بلا جيئة، وهروبا دون رجوع، وخروج عبر الزمن الساري، ليس لمعبود، ولا لنصرة رسول، ولا لغد أو وطن، بل:

هاربة، تبحث عن زمن آخر

عن شمس آفلة، ينحت في غيبها

قرش أسود أو أصفر.

الجزء الرابع:بيت القصيد: كتامة تصر على الكفر والتصدع، وبكل فخر تلملم اللعنة، فتغار على الأخضر واليابس، تقلب الزمان والمكان، فتزرع الخراب وتحول الأرض العامرة إلى تلال خالية، يقول الشاعر:

اللعنة حلت في هذا الربع الخالي،

تسقى الأرض، فنزرعها حبا أو يقطين

تينا أو زيتون

أباَّ أو فاكهة: يحيى فينا رمق الكسرة والوحشة،

لكن البرد الساقط، كالموت،

يجتاح يغير على العشب الطالع والنبتة.

حيث الأمل، هناك قنوط كبير، وهو السبب الكافي الذي جعل الشاعر يخرج من بيته حاملا معاوله للبحث عن الحقيقة، حقيقة مكان كان روضة فأصبح خرابا، بسبب طمع أناس روضوا الفلاح على زرع السم، فتركوه عبدا، وذهبوا إلى عوالم أخرى.

النبتة تتراء في كل مكان، ولا تترك الفرصة لشيء ينمو غيرها، هكذا بدأت ذاكرة المكان ولن تنتهي إلا كذلك.

الشاعر يسعى لتسليط الضوء على الحقيقة التي تعيشها كتامة ماديا ومعنويا، ويريد إعادة الاعتبار للزمن الأول. الظاهر يضمر الداخل، وكتامة رغم ما يسمع عنها من ثراء وترف من عائدات النبتة إلا أنها أفقرت المنطقة، خصوصا المستقرين بها من فئة الفلاحين والمياومين، لأنهم يعيشوا الخوف والاستعباد الدائم لرجال السلطة.

لست أدري ما مصير الأطفال والأشياء، أي ذنب اقترفوه، هل سيتعاقب الزمن عليهم ويعيشوا على لعنة الأسلاف، أم للزمن حدود تطفو عندما يتنامى الوعي بمخاطر الوقت؟

 

 

[1]  كتامة، منطقة الريف تقع في شمال المغرب، حيث الجبال عالية، لهذا لقبت أرض الشواهق.

[2] أحمد الطريبق “هكذا كلمني” مطبعة النجاح الجديدة – الدار البيضاء، 1996.

[3] نبتة (الكيف).

عن محمد صوالحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*