أخبار عاجلة
فسيفساء الكتابة الشعرية عند الشاعر محمد الجيدي من خلال كتاب “كما تغيب في القمرالسماء”

فسيفساء الكتابة الشعرية عند الشاعر محمد الجيدي من خلال كتاب “كما تغيب في القمرالسماء”

 

بقلم : عبد الهدي موادي – المغرب

يقدم لنا النص الأدبي لوحات فسيفسائية، تتشكل لا بواسطة الرسم، والنحت، والزخرفة، إنما تبدع بواسطة الكتابة، لذلك إني وإن استعملت مصطلح فسيفساء فلا أقصد به المجالات الأصلية التي انبثق عنها، بل أقصد مجموع الخصائص والمكونات النصية التي ينبني على أساسها النص الأدبي، وبالأخص النص الشعري، والتي تجعله لوحة فنية متعددة الألوان والأشكال، لذلك أطرح السؤال: كيف تتشكل هاته الفسيفساء عند الشاعر محمد الجيدي من خلال كتابه الشعري “كما تغيب في القمر السماء”؟

في هذا الكتاب الذي نحن بصدده، تتشكل فسيفساء الكتابة انطلاقا من مكونات متعددة، وهو ما يستدعي دراسة بل دراسات معمقة، وبما أن ذلك متعذر، لأن المجال لا يسمح، حسبنا في هذا التقديم أن نضع اليد على أهمها كالتالي:

  1. فسـيفساء العنـاويـن:

“كما تغيب في القمر السماء” هو العنوان الذي وضعه الشاعر المغربي محمد الجيدي لكتابه الشعريالذي صدر حديثا عن مطبعة سليكي أخوين طنجة، منشورات الراصد الوطني للنشر والقراءة، بلغ عدد صفحاته (134) صفحة، ويتضمن (35) نصا شعريا، وبالنظر إلى عناوين تلك النصوص، نجدها عناوين تشكل بؤرة معرفية، يضعها الشاعر كجسر من أجل الانفتاح على عالم المكتوب، وإغراء المتلقي، ثم من أجل الإيحاء بنوعية النص…بل من أجل وضع المتلقي أمام أول مفتاح لصبر أغوار النص :”فالعنوان حامل معنى وحمال وجوه، مواز دلالي للنص، وعتبة قرائية مقابلة له، توجه المتلقي بل وتغريه للاطلاع على فحوى الرسالة المراد إيصالها من قبل المؤلف”[1]. لذلك فهو يقدم لنا معونة كبرى لضبط انسجام النص، وفهم ما غمض منه، ويحدد لنا هويته، وهو أيضا مكون يتوالد ويتنامى ويعيد نفسه، لذلك فإن صحت المشابهة فهو بمثابة الرأس للجسد والأساس الذي ينبني عليه أيضا[2]. من هنا أعيدالسؤال كيف يمكن بناءدلالة العنوان عند محمد الجيدي؟

إن عناوين الشاعر موضوع الدراسة: هي جزء من النص، فأغلبها مأخوذ من جمل وكلمات ومقاطع نصية، لذلك يمكن أن نميز عنده بين ثلاثة أنواع، كالتالي:

  • عناوين عبارة عن كلمات مثل: (وقفة، عبث، غربة، نائمون…).
  • عناوين عبارة عن جمل قصيرة غير تامة المعنى مثل: (ارتعاش الماء، صبر الماء، يمام السحاب، صمت الظلام، صلاة ودعاء…).
  • عناوين عبارة عن جمل شبيهة بالمقطع لكنها غير تامة مثل: (عبد الله الزهر الذي يسقي ولا يسقى، وازدانت حروفك بماء الظل، أغنية المصباح الضئيل، رحلة إليك نجمي الصغير..).

إذ تبرز هاته العناوين تنوعا في الصياغة، تنوعا في الرؤيا التي يبلورها كل عنوان على حدى، وتنوعا آخر على مستوى عدد الكلمات التي يتشكل منها كل عنوان. ومن خلالها تحاول الذات الشاعرة أن تضعنا أمام لحظات الاندهاش، والتفكير، والتأمل الطويل، والفضول الذي يلاحقنا وينتابنا حتى نشتري الكتاب ونتصفحه دون سابق إنذار، ليشدنا إليه عبر إثارة السؤال والأسئلة التي تطرحها تلك العناوين، ومدى ارتباطها الوثيق بالنص.

وكيف السبيلإذن إلى السؤال الذي يطرحه العنوان الكبير: “كما تغيب في القمر السماء”؟

يتضح من الوهلة الأولى أن العنوان متعلق بجملة محذوفة، كما يتضح تأخير الفاعل (السماء) وتقديم الجار والمجرور (في القمر)، بالتالي أطرح السؤال لماذا هذا التأخير والتقديم والحذف؟

يمثل هذا العنوان “عتبة قرائية، وعنصرا من العناصر الموازية التي تسهم في تلقي النصوص، وفهمها، وتأويلها داخل فعل قرائي شمولي، بفعل العلاقات الكائنة والممكنة بينهما”[3]. وإذ نحن بصدده نجد أنفسنا أمام فلسفة الحياة، خاصة في بحث الإنسان الدائم عن كل شيء أجمل وأحسن. وإن أول ما يسترعي انتباهنا غداة النظر إلى السماء هي الجمالية المنبعثة من القمر، تلك النقطة المنيرة التي تشد نظرنا على الأشياء الأخرى، لنفتحه في ضوء القمر، فما يستغرقنا إذن في ذلك الكوكب الذي يستوطن السماء وينيرها إنه ذاك النور الذي قال عنه عز وجل في سورة الفرقان: “تبارك الذي جعل من السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا” (الآية 61)، وقال أيضا في سورة نوح: “وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا” (الآية 16). فهذا النور يشدنا بابتهاجه، بتوهجه، وبسعادته الدائمة، بل بإشراقته وقدرته على إضاءة العالم،من تم يستعظم ويستوطن كل ما حوله.

وبذلك تتأسس فسيفساء العنوان عند الشاعر في هذا الكتاب انطلاقا من مفهوم التنوع، ومن التعالقات الجمالية، والإغرائية، والدلالية، والتأويلية التي لا يستطيع القارئ الإجابة عنها وإدراكها بشكل واضح حتى يقرأ النصوص.

  1. فسـيفساء الحـزن والألـم:

في تنظيرات الشكلانيون الروس لمفهوم الأدب تحدثوا عن الأدبية، فقيل: “هي الخاصيةالتي تجعل العمل الأدبي يوسم بالأدبية”، فتتبعوا تلك الخصائص التي تميز كل جنس أدبي عن الآخر، وبموجب ذلك أفرزوا مجموعة من المفاهيم أهمها: مفهوم التغريب ومفهوم القيمةالمهيمنة، إذن فانطلاقا من مفهوم المهيمنة سأعرض لتيمتاالحزن والألمكقيمتان مهيمنتان داخل نصوص الكتاب موضوع الدراسة،لإبراز ذلك التنوع الفسيفسائي الذي أضافتاه إلى النصوص.

يرتبط الحزن والألم في الشعر العربي بالفواجع، أي الأحداث التي تحل بالقوم، وفي الغالب نجد الإشارة إلى ذلك في المقدمة الطللية وفي موضوعةالرثاء،ولعل أبرز حضور لهما نجده عند شعراء الرومانسية، إذ هما نتاج من نتائج إحساسهم بالاغتراب الروحي، نتيجة ما آل إليه حال المجتمع العربي، الذي أضحى مترديا بسبب الهزائم، والمحن، والانتكاسات المتتالية، وفي الشعر المعاصر “استفاضت نغمة الحزن حتى صارت ظاهرة تلفت النظر، بل يمكن أن يقال إن الحزن قد صار محورا أساسيا في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد”[4]. لأنهماتسامياعن كونهما شعورا بالنقص إلى مرحلة أصبحا فيها ذوا أثر إيجابي، بحيث يجعلَاننا نحس باللذة، بل يعطياننا القوة من أجل المواجهة، فنكون قد تجاوزنا بذلك القولة الشائعة عند ديكارط “الألم هو الشعور بالنقص واللذة هي الشعور بالكمال”. الشعر كما نعلم هو كتابة الواقع بواسطة الخيال، وعندما أقول الواقع، فالمراد به الواقع المرئي الذي نعيشه في وجودنا الفردي والجماعي، الواقع الذي نحياه بشكل فردي لكن يتشكل نتيجة الواقع الذي نعيشه مع الجماعة. فإذا كان الألم والحزن عند الشخص العادي هما الشعور الذي يلي الإحساس بالنقص أو الضعف المادي أو المعنوي، فإنهما عند المبدع محركان أساسيان وداعيان من دواعي الكتابة، لذلك ففي كل شعور عميق بالألم والحزن يلتجأ المبدع إلى تفجير ذلك فيم يبدع؛ زيادة على ذلك فالإنسان العادي يعيش ألمه وحزنه بمنأى عن الآخرين،أي يعيشهما بطريقة شخصية متفردة، والمبدع قد لا يعيشهما، في حين يحزن ويتألم لما يمر به الآخر الفردي، والجماعي، والإنساني.

تنبني فسيفساء الألم والحزن عند محمد الجيدي انطلاقا من المعاني، والدلالات المتعددة التي يحملانها في النص، وانطلاقا من تعالق المعاني وتعددها بتجدد السياق. فالحزن والألم عند الذات المبدعة هما: مكان غامض وقاص، وداعٌ أخير، نظرة أخيرة استوطنت الفؤاد، الغربة في ضجيج الحياة، سفر إلى مجهول أرض، نيازك تضرب القلب، هما ألم تحتضنه دقات الساعة عندما تكرر الثواني وتكرر الدوران عن نفسها، بل موت يهز ويسير بموكبه نحو حتفه، الألم فصل والحزن استوطن كل الفصول، سمر، ضجر، كدر، واندثار، هما لحظةُ تحول من مكان إلى مكان، ومن لحظة إلى أخرى: من الصباح إلى المساء، من الطفولة إلى الشباب، بل من الطفولة إلى الشيخوخة، هما الضمأ، واشتياق لضمة صدر قوية، لحظة فرار إلى البحر، وانطفاء النجوم، هما حلم وجب الاستيقاظ منه، وجدول حنين، أفق وعطش للدفء، بحر كآبة، وعويل وبكاء لا ينتهي. وهاته المعاني كلها ضمنها الشاعر في نصوصه، يقول:

حدثني أيا نجمي الصغير

عن الألم في دقات الساعة

وتكرار الثواني

عن الغربة في الضجيج

وغفوة الأماني

عن الموتِ البطيء

عن الجنون..

فالألم كبير، ومصادره متعددة، وقديمة عبر التاريخ، لذلك لم يقف الشاعر عن هذا الحد، فتابع حديثه منعطفا في كل لحظة عن السؤال: حدثني؟ لتبدو الذات في أوج حزنها وتألمها وقلقها، وهي كلها مشاعر تضخمها وتكثرها المسافة،لأن الحزن إحساس يتعدد ويتواتر بل لا يكاد ينقضي، ويلتبس مع معاني الغربة، والجنون، والموت..، بل مع معاني كثيرة كما سبق الذكر، مما يبرز شعوره بالانفصال، والابتعاد عن أي شعور آخر، ليقيم في مسالك الحزن والألم.فبهذا المعنى يؤسس لما يمكن أن نسميه إيديولوجية الذات الحزينة، لأن نصوص الكتاب تنبني موضوعيا، ودلاليا، وفق تصور يضع الحزن والألم في خاصية الأساسيات النصية،ليشكلان”سحر الموضوع” كما يسميه الناقد حميد الحميداني.

  1. فسـيفساء التـحولات:

إن الخوض في غمار تجربة الكتابة الشعرية عند محمد الجيدي هو انصهار في عالم التحولات الذاتية، والقيمية، والاجتماعية، والنفسية، ثم الزمنية…التي تنتاب الذات المبدعة، وفي الحقيقة هي تحولات تنتاب الإنسان بصفة عامة، من الجانب الظاهر لتنعكس في باطنه، لذلك فالقارئ والموضوع عنصران لا ينفصلان، فكلاهما ذات مُفكر فيها من طرف المبدع من جهة، ومن جهة أخرى لأن الموضوع هو واقعة من الوقائع الحياتية التي عاشها الكاتب فيالحقيقة أو في الخيال، ثم أعاد إبداعها، ليتقاسم وجهة نظره مع القارئ.

إن الحياة في الحقيقة هي سيرورة من التحولات التي لا بد منها حسب الشاعر: التحول من الصغر إلى الكبر، من الفرح إلى الحزن، من الحياة إلى الموت، من الفراغ إلى الامتلاء، من القيم إلى اللاقيم، ومن الأخلاق إلى فقدان الأخلاق، من الربيع إلى الخريف، من المد إلى الجزر، نكون واحدا فنصير اثنين، من النهار إلى الليل، من اليمين إلى اليسار، من السرعة إلى البطء، من الظهور إلى الاختفاء…كلها معان متخترة، مختمرة في نصوص الشاعر، لامتلاكه الحس المرهف، والقدرة على التدقيق في أبسط الأشياء، بل بقدرته على إدراك قيمة الموجودات في هذا الكوكب يستطيع منذ الوهلة الأولى أن يدرك حجم التغير والاختلاف الذي تؤول إليه الحياة يوما بعد يوم. فالتحول رغم حتميته إلا أنه يشكل عائقا بالنسبة لنا، فنشعر إزاء ذلك بالاغتراب الروحي والتشظي والانقسام والحنين …مما يولد لدينا الرغبة والحاجةللتحول إلى زمن ومكان آخرين حقيقة أو خيالا.

والقارئ لنصوص الشاعر يدرك منذ الوهلة الأولى: أن هناك مطالبة للذات المبدعة بأن تخرج من حيزها الضيق إلى حيز أكثر رحابة، وهي تحولات شعورية نفسية تجعل الشعر يؤدي رسالة السمو بالنفس البشرية عن كل المضايق؛ فعلى طول الكتاب نجد التحول عبر الأزمنة والأمكنة وعبر الشعور أيضا يتشكل عبر ثنائيات متصارعة ومتضادة، توسوس لنفسية المبدع وتقوض تجربته وتحكم أفعاله، لذلك فالتحول والتحولات بصيغة الجمع في الكتاب موضوع الدراسة تبدأ من نقطة إلى نقطة، ومن حال إلى مآله، بل من مآل نبخسه إلى مآل نوده والعكس صحيح.

في نص “رحلة إليك نجمي الصغير” مثلا، وهو رحلة تبدأ من مطار شارل دوكول، يصبح التحول سفرا غامضا وقاسيا يملأه العذاب، ويسيطر عليه الحزن، والاشتياق، والرغبة في الوصول السريع، وكلها مشاعر انبنت على أساس ذلك الفقد، والاحتياج إلى الآخر، إنه الابن، ذلك الشبل الوديع كما وصفه، فلم يكتفي الشاعر بالتعبير عن ذلك بمفردات تعود على ذاته وترسم حالته النفسية، بل جعل الأشياء مثيلات له، فالطريق يتلوى، والعشب غطاه الشيب، والخريف يسيطر على الفصول…من تم فبدل أن يكون المكان نقطة عبور لملاقات الابن، أصبح نقطة سوداء تمتد في الزمان على طول الرحلة، فكان النص سفرا عبر الشوق، تملأه أسئلةُ حقيقةُ العلاقة التي كانت سائدة بينهما، ألازالت على حالها أم غيرها الزمن؟ فجاء النص رحلة بالأرجل إلى مكان بعيد نكاية عن طول الطريق الذي استوطن نفسية المبدع وجعلها تغوص في صراعات داخلية.

يُشيع الشاعر في نصوصه تلك النظرة التي تحاول الانفتاح على المستقبل، والانفتاح هو من قبيل التحول والتغير،فالمستقبل همٌّ يشغل فكره، وشَغل قبله الإنسان منذ بدأت الخليقة، لذلك أجد الشاعر في نص “نائمون” يخاطب الإرهابين بأسلوب النداء (أيها)، مستعملا أفعال الأمر من قبيل: (أفيقوا، اغسلوا، انطلقوا، اشرعوا) محاولا إيقاظهم من تلك الأوهام التي ينامون عليها، بل تلك المعتقدات التي غيبت عقولهم، فاعتقدوا أن أفعالهم الإجرامية التي يقومون بها هي للدفاع عن الدين وهي السبيل لنيل رضى الله، يقول:

أفيقوا

واغسلوا جلابيبكم من فقر الحلم

وانطلقوا،

انطلقوا في الحياة صورا

لا بقايا صور. (الكتاب ص98)

فالتحول حسب محمد الجيدي هو استشراف، وهو طموحه إلى شيء يريد أن يحققه، خاصة عندما يكتسي طابع التحدي، والصمود، وبدل الجهد، ويتعلق بالمصير. يقول:

وستشرق ضحكتك الصغيرة

في الأرجاء

فأجمع أشيائي القليلة

واصلا المراد

وأختفي

في نور الله المضيء القلب،

نقطة ماء / ذكرى لقاء. (الكتاب ص96)

إن التغيير في هذا المقطع مرتبط بضحكة، وهي ما تحتاج إليه الذات المبدعة، وفي الحقيقة هي دليل على الانفراج، والانفتاح، والخروج من حال إلى آخر، من الحزن إلى الفرح، بل الضحكة هي ذلك الضوء الذي يحتاجه الفرد حتى يحس بالأمان، كما أنها طاقة جبارة تعطينا القدرة على المواصلة؛ وليس ذلك فحسب فالشاعر في نصوص أخرى يحث على ضرورة الخروج عبر الزمن، والانتقال إلى زمن آخر، ونسيان الماضي، لأنه بالنسبة له أضغاث أوهام يجب نسيانها والانفتاح على النهار، بل على يوم جديد بروح مغايرة.

وفي مقطع آخر يشير إلى ذلك الجدل الضروري الذي يطبع الحياة، وهو جدل لابد منه، يقول:

خذ يومك بين يديك

وانشره أمامك

إنه الحياة

بين مدها وجزرها

واحترابها (الكتاب ص48)

والحقيقة أن الإنسان في يومه يتحول مرات متعددة، خاصة على مستوى ما يعيشه نفسيا، كذلك الحياة لا تستقر على طبيعتها، فهي في مد وجزر من الشتاء إلى الربيع، ومن الصيف إلى الخريف تغير ألوانها ولن تستقر، بالتالي وجب السيطرة على الحاضر من أجل بناء المستقبل.

  1. فسـيفساء الأحـداث:

إن الشعر عند محمد الجيدي هو لحظة مكاشفة من الواقع، لحظة عزلة واغتراب، يجلس فيها على كرسيه ليكتب أحداث يومه، تلك الأحداث التي تبدأ بتفاصيل صغيرة لتشكل رؤيا عن طريق أسئلة تمتد وتمتد لتشمل الحياة، والموت، والمصير. فهو يرتدي عباءته السوداء نهارا،ثم يتجول في محاكم طنجة، بين حلقات الدفاع، بين ظالم ومظلوم، بين صادق وكاذب، بين قتيل وقاتل…وفي المساء، يعود إلى بيته ضائعا متأثرا بكل تلك المكابداتاليومية، لتبدأ طقوس الكتابة، إنها لحظة إفراغ، وإخماد، وإطفاء الحرائق، فيظهر كل ذلك في لغته في ألفاظه في عباراته، وفي المواضيع التي يكتب، مما يجعل نصوصه شبيهة لما يسميه النقاد بـ”قصيدة التفاصيل اليومية“، لذلك لا غرابة إذا وجدنا ألفاظا مثل: السياسة، المقاصد، الأحزاب، الأشرار، الأبرار، الزنازين، الصراع، النزاع، القاتل، القتيل…وجملا مثل: بائعي الكلام المغشوش، أقسام الشرطة، لعلعة الرصاص، العفو الجريء، لون الحكم ولون القضاء، القرار الوقح، القرار المخاتل، القرار المناسب، القضية وصدقها، نكهة السياسة، تلميع الكلام، الفذلكات السياسية…وأحداث مثل: حلوى البرلمان، لحظات الاغتراب التي يمر بها، المرض الغريب الذي حل به، والقضايا اليومية التي يتولى الدفاع عنها…ليس ذلك فحسب فالشاعر يتكئ على الأحداث التاريخية، مثل: تفاحة آدم، الجريمة الأولى على الأرض، سنوات الرصاص…وبعض الأساطير مثل: أسطورة سيزيف، أسطورة الانبعاث. وهو بهذه المعطيات يزاوج بين اليومي والتاريخي بأحداثه الممتدة عبر الزمان لمحاورة الحاضر والمستقبل.

  1. بـراعة الخـتام:

قبل الحديث عن براعة الختام لا بد أن أنبه إلى مرحلة أساسية وهي: المرحلة الأولى التي نبدأ بها النص الأدبي بجميع أنواعه،إنها مرحلة الاستهلال (المقدمة)، فالشاعر العربي اهتم بهذا الجزء لما له من أهمية في بناء القصيدة،وهذا ماأجد الشاعر محمد الجيدي يحرص عليه غداة بناء مطالع نصوصه، وحتى يتأتى له ذلك كان يبدأ نصه بالعبارات والكلمات التي وضعها في العنوان، والهدف من ذلك هو شد انتباه القارئ، لأن العناوين عنده كما سبق الذكر تشكل بؤرة للموضوع، بالتالي فخطاب المقدمة هو أرضية وحلقة التواصل بين الشاعر وقرائه.

وقديما كان الشاعر يبدأ قصيدته بذكر الأطلال متْبعا ذلك بالنسيب لينتقل إلى الغرض الرئيسي، وهو متنوع حسب المناسبة إما مدح أو رثاء أو غزل…لذلك كانت القصيدة تنتظم أجزاءها في ثلاثة مواضيع هي: المطلع، وحسن التخلص، ثم الخاتمة، فكان النقد مصاحبا لذلك، ولعل أبرز الآراء النقدية في هذا الشأنما جاء في كتاب الإيضاح على لسانالقزويني، قائلا: “ينبغي للمتكلم أن يتأنقفي ثلاثة مواضع من كلامه حتى تكون أعذب لفظا وأحسن سبكا وأصح معنى، الأول الابتداء…والثاني التخلص…والثالث الانتهاء، لأنه آخر ما يعيه السمع ويرتسم في النفس”[5]. فالقزويني يعلنهاواجبا، لأن الخاتمة هي الجزء الذي يبقى صداه يتردد في ذاكرة القارئ، وبالتالي الامتداد عبر ذاكرة النص، بمعنى أن الاختتام بنهاية جيدة من ناحية المعنى واللفظ والبناء ضمان الخلود للنص.

يسميه ابن رشيق الانتهاء، يقول: “وأما الانتهاء فهو قاعدة القصيدة وآخر ما يبقى منها في الأسماع. وسبيله أن يكون محكما لا تَمْكُن الزيادة عليه ولا يأتي بعده أحسن منه، وإذا كان أول الشعر مفتاحا له وجب أن يكون الآخِر قفلا عليه”[6]، لذلك يقول القاضي الجرجاني: “والشاعر الحاذق يجتهد في تحسين الاستهلال والتخلص وبعدها الخاتمة، فإنها المَواقف التي تستعطف أسماع الحضور وتستميلهم إلى الإصغاء”[7] لذلك أجده يحرص على جعل النهاية متماسكة تشد النص في كليته، لما لا والنهاية بالنسبة له هي رسالته نحو القارئ، وهي أيضا حكمةٌ وحث على الالتزام بشيء، ومن بين الأمثلة الشاهدة على ذلكقوله:

فالموت ليس صعبا

إنما الحياة

“الحياة بتخليق المقاصد” (الكتاب ص26)

فالموت حسب المبدع ليس صعبا بقدر صعوبة الحياة، لأنها هي النقطة الموصلة إلى الجزاء الذي ينتظرنا بعد الموت، إذ يمكن تحقيق ذلك المبتغى حسب الشاعر بتخليق المقاصد؛ والمقاصد مصطلح ينتمي لعلم الشريعة، ومعناه: المقصود والمراد، وهو العلم الذي أولاه العرب أهمية كبيرة منذ عصر التدوين إلى يومنا هذا، ففي مقال له بعنوان “مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة”[8] يُبنى علم المقاصد حسب الفيلسوف طه عبد الرحمن على ثلاثة أركان وهي: نظرية الأفعال، نظرية النيات ثم نظرية القيم.من تم وجب حسب الشاعر ابتغاء الصلاح في كل فعل أو قصد، أو غاية، بل لا بد للإنسان أن يبني مقصديته من الحياة على أساس القيم الإسلامية حتى يحقق من خلالها المعنى الذي على أساسه استخلفنا الله  عز وجل على الأرض. ويقول الشاعر أيضا:

وطن كالبحر، إما تركبه

وإما أنت الغريق. (الكتاب ص21)

فالوطن لم يعد كما كان، وأصبح يتغير باستمرار كالبحر يغير ماءه مع كل موجة، لذلك من الضروري للإنسان أن يساير كل تلك التغيرات ويندمج معها، بل يقوضها لخدمة مصالحه من أجل عبور سلس، فيه الكثير من الحيطة والحذر حتى لا نكون في عداد الغرقى. ويقول أيضا:

ستذهب

مهما طال البقاء (الكتاب ص10)

فهذا المقطع هو إبراز لحتمية الموت، وفي المقابل إبراز لوهم البقاء، فالحياة الأبدية هي حياة ما بعد الموت، لذلك وجب استشعار زوال الدنيا حتى لا نسير في ملذاتها ويستغرقنا كل شيء جميلٍ منبعثٍ منها فتأخذنا غريزة البقاء بصراعاتها، ومتاعِبها، ونسقط في سوء المآل.

من هاته المنطلقات إذن، فهدف الخاتمة عند محمد الجيدي أن تبقى عالقة، تحرك النفس، وتعبر عن الغاية من النص بكامله، وهي عبرة يوجهها للمتلقي، لذلك يراهن أن يبقى أترها عالقا في النفوس.

خاتـمة:

أصل في الأخير إلى نهاية هذا التقديم البسيط، وأنا على يقين بعدم كماله، وأصرح بعجزي عن الإلمام والإحاطة بجميع ما يتعلق بكتاب “كما تغيب في القمر السماء”، فما كتبته لا يعدو كونَه إضاءة لدراسة قد تخصص في المستقبل، ومن النتائج التي توصلت إليها:

إن العنوان عند محمد الجيدي يطرح إشكالية من أهم الإشكاليات التي نعيشها اليوم، والتي تكاد تطبع عصرنا، وهي تلك التي يمكن اختصارها في مفهومين هما: التغييب والتغليف، فأمام الحقيقة التي نراها بادية أمامنا، هناك واقع آخر لا نراه، إما لأن ذلك غير ممكن، وإما لأن الحقيقة مغلفة بأشياء تجعلنا نرى العكس. وبذلك تنفتح تجربة الكتابة الشعرية عنده على خصائص متعددة، تلامس الجانب الموضوعي التيماتي، كما تلامس الجانب الفني الشكلي. وكما تقدم الذكر، فقد ركزت على الجانب الموضوعي بعضه، لأني لاحظت أن هناك اهتمام كبير بالموضوع على حساب الشكل.

الشاعر محمد الجيدي من الشعراء الذين تنطبق عليهم مقولة “الإنسان بن بيئته”،لأنه يتميز بانصهاره المفرط في المجتمع الذي ينتمي إليه، هذا الانصهار جعله يتنبه لأبسط الأشياء، لذلك فهو يشكل نصوصه من البسيط، لينتقل إلى المعقد، بل لينتقل لما هو كوني، فسيطر على نصوصه شعور التحول، ذلك الذي ساد الحياة بكل مكوناتها، إذ في كل لحظة تحول كان يُظهر ألمه وحزنه جراء ذلك، مما جعله يشك في كل ما حوله: في الزمن، في الوطن، في القيم، بل أكثر من ذلك الشك في علاقة الآباء مع أبنائهم؛ من هنا فكتاب “كما تغيب في القمر السماء” هو قضية كبرى، تتفرع وتنبثق عنها قضايا متعددة، وقضية المبدع هنا هي: قضية الحياة، كيف نحياها؟ والتي تنبثق عنها قضايا العيش الكريم، الأخلاق، الإيمان، الحرية، الصدق، والمقصد…

 

 

[1]– محمد بازي، العنوان في الثقافة العربية – التشكيل ومسالك التأويل، منشورات الاختلاف، الرباط، 2012، ص16.

[2]– محمد مفتاح، دينامية النص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – بيروت، 1987، ص72. (بتصرف)

[3]– محمد بازي، نفس المرجع السابق، ص15.

[4]– عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية، دار الفكر العربي، ط/3، 1991، ص352.

[5]– أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، مكتبة لبنان ناشرون، ج1/1983، ص192.

[6]– ابن رشيق، العمدة، تح محمد محي الدين عبد الحميد، دار الجبل، بيروت- لبنان ج/1، 1981، ص239.

[7]– القاضي الجرجاني، الوساطة بين المتنبي وخصومه، تح أبو الفضل إبراهيم، وعلي محمد البجاوي، مصر، 1966، ص48.

[8]– طه عبد الرحمن، مشروع تجديد علمي لمبحث مقاصد الشريعة، محلة المسلم العربي، ع/103، مارس 2002.

عن محمد صوالحة

تعليق واحد

  1. أحمد الجيدي
    25 يونيو,2019 الساعة 11:03 مساءً
    فرصة القرن
    وعد بلفور جديد
    إذا أقصيـــــــــت الأقصى من القرار…. فانتظروا هزيمة حتمـــــــــا بعــــــد البيان
    فلسطين من البحر إلى النهر حدودها …. تتحدث آثارها بلغة جــــــدران كاللسان .
    إليها الإسراءومنها المعراج إلى العلى ….قبلة الأولى تشد الرحال تبركا جــــــدران
    إليها ترجل العيون أفئدة وهي حزينـــة ….تسأل عن حالها فالجواب يحزن إنســـان
    تقول:ولسان حالها محاصرة في وسط العدوان …. تغيب البسمة عن محياها خـــذلان.
    اجتمعوا في الحرم فغيبوا اسمها عن البيان …. وهل يعيش الجسد بلا رٍأس روحه نفيان .
    لا عودة ولا تضامن فأهلها جياع في المكان …. فقالوا:كرامتنا في جوعنا ودمنا لها ضمان
    معروضة للبيع في البحرين بصفقة شيطان …. فالأرض للمحتل وأهلها توطين مخطط عنوان
    حضرالمطبعون بمالهم لمحو تاريخ كنعان …. وعبورة كان الصفقة لها أعمدة المال احتضان .
    فسدت عقولهم وضمائرهم بلا حس إنسان ….حسبوا أ ن التودد يحميهم مخاطر الزمان .
    الغرباء سرقوا كل شيء وهدموا البنيان …. واهلها تهدم بيوتهم بجرافــــة العــــــــدوان .
    الجبارين يحمون الأقصى فالله معهم تثبيتا قرار…. يعشقون الشهادة في سبيلها حبا ورضوان
    خمسون مليارا لتصفية قضية التاريخ شهادة …. فهي قروضا بفوائد لطمس الهوية وشراء انسا ن .
    مخطط التهويد وللصهيونية لها من يدعمها مال …. فاشتروا التاريخ وسلموه هدية للمحتل اخوان
    شعوب وقفت في وجه مشروع ففلسطين لم تفوض ناطقا …. فهي الأرض والشعب بحرا ونهرا سكان ..
    13.06.2019
    أحمد الجيدي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*