أخبار عاجلة
قراءة في رواية (أنين الجبل) لجمعان الكرت/  بقلم :الشاعر والناقد السغودي / سعد عبدالله الغريبي

قراءة في رواية (أنين الجبل) لجمعان الكرت/ بقلم :الشاعر والناقد السغودي / سعد عبدالله الغريبي

 

(أنين الجبل) رواية اجتماعية للروائي القاص المعروف جمعان الكرت صدرت عن دار الانتشار العربي في عام 2017 في حوالي ثمانين صفحة..

تدور أحداث الرواية في قرية من قرى الجزء الجنوبي من بلادنا العزيزة، وفي فترة أواخر السبعينيات الهجرية، حينما كانت البلاد تعاني الفقر والجهل، وكانت في معزل عن الوسائل الحديثة من كهرباء ومواصلات ومعدات زراعية.

تقوم الأمهات بعملهن اليومي في الحقول والري والسقيا وفي الخياطة، والرجال في البيع والشراء والزراعة. ويوماً ما يحدث ما يعكر صفو القرية الآمنة، فقد أفاق الناس على جريمة قتل، إذ وُجد (فاضل) جثةً هامدة في سفح الجبل، لم يدل عليه سوى الغربان التي تحلَّقت حوله.. وأمام هذا الحادث الغامض الذي شغل القرية تعددت الروايات بشأن القتيل، فمن قائل إنه كان يعاني مرضاً نفسياً أدى به إلى الانتحار، ومنهم من يستبعد هذه الفرضية انطلاقاً من إيمانه بربه، ويستبعد أن يأتي ما يغضب ربه. ومن قائل إنه سقط – أو أُسقط – من أعلى الجبل، ومن قائل إنه قُتل ثم ألقي به..

أثبتت معاينة جثة فاضل من قبل طبيب القرية أن في مؤخرة رأسه ضربة، لكن لا يُدرى إن كان أحد ما ضربه على رأسه فمات، ثم ألقى به من شاهق، أم أن الضربة كانت من أثر سقوطه؟ ذلك ما ستكشف عنه التحقيقات لاحقا. لكن (ذهبة) زوجة القتيل كانت أكثر أهل القرية جزعا وحزنا، وقد حاولت أن تمنع رجال القرية من مواراة جثة زوجها الثرى حتى يتبين قاتله، غير أن عقلاء القرية أقنعوها أن إكرام الميت دفنه!..

دارت عجلة الحياة على ذهبة واكتوت بنار الفقر المدقع مع طفليها، إذ لم يترك لها زوجها ما تتقوت به سوى مصطبة زراعية تنتظر ثدي السماء فلا مناص من العمل. تذكرت أنها تعلمت الخياطة حين كانت تساعد خالتها قبل وفاتها، لكنها – حتى لو أرادت معاودة عمل الخياطة – تحتاج إلى آلة خياطة. بحثت عمن يعينها على شراء الآلة المطلوبة لكنها باءت بالخسران من اعتذارات أهل القرية عن تقديم يد العون لها وهي التي فقدت ما تبقى من أهلها وآخرهم زوجها.. لم يكن كل الذين اعتذروا عن مساعدتها غير قادرين على ذلك، لكنهم كانوا إمَّا مرابين طامعين في المال، أو حقيرين طامعين في جسدها.. وأخيرا استطاعت أن تجد من بقرضها، واشترت الآلة وبدأت ممارسة عملها، وتحسنت أحوالها قليلاً بعدما جادت السماء على أرض ذهبة الزراعية، وزرعت الحنطة وحصدت منها خيرا.

حل موسم الزيجات في القرية، وتبارى رجال القرية في العرضة والرقص على أنغام المزمار، وفي الناحية الأخرى تبارت النساء في الرقص والغناء، وانطلقت من بينهن ذهبة تلقي القصائد؛ مما جعلها مضغة في أفواه النساء مرة أخرى، فمن قائلة أين واتاها الشعر إن لم يكن من جِنِّي يصاحبها، أو أنها تردد قصائد المرحوم خالها!..

وكما تبتهج القرية بأفراحها يلم بها ما يحزنها، فقد سقط بيت (راضي) على أسرته المكونة من زوجته وأطفالهما، ولم ينج من الحادث سوى طفل صغير. سارع القوم إلى تعزيته ومواساته، وتعاونوا على بناء بيته من جديد، ولم يبق له من حاجة إلا زوجة تؤنس وحشته، وترعى طفله الصغير.. وسرعان ما تذكَّرَ ذهبة التي سبق أن خطبها قبل أن يتزوجا فلم تقبل به؛ لا هي ولا أبوها، وفضَّلا عليه فاضل المغدور به.. هذا الرفض خلق عداوة مستكنة بينه وبين أبيها وصلت إلى أن رفع راضي المسحاة يريد أن يهشم وجهه في واحد من مواقف الكراهية والشحناء..

ومع ذلك لم يدب اليأس إلى قلبه من معاودة الكرة وخطبتها من جديد، ولعله توقع أن الحاجة ستلجئها لقبوله.. لم يجد وسيطاً خيراً من إحدى العجائز التي أغراها بدراهم معدودة، لكنها عادت إليه تحمل فشل المهمة.. اجتاح القرية جفاف شديد مما اضطر القادرين على الرحيل عن القرية، لكن ذهبة غير قادرة، وحتى لو قدرت فأين ترحل؟ لقد تعطل مورد دخلها الوحيد وهو الخياطة، فمن يفكر في تفصيل ملابس جديدة وهو لا يجد ما يسد رمقه؟!

وأمام إلحاح الفقر وحاجة الأبناء الصغار للغذاء والدواء؛ فضلاً عن الرغبة في إلحاقهم بالمدارس التي فتحت مؤخرا لتعليم الصبية اضطرت ذهبة – بعد تردد – على قبول من رفضته زوجا لها من قبل.. قاتل الله الفقر والحاجة فقد اضطرا ذهبة للبحث بنفسها عن العجوز لتبلغها بموافقتها على الزواج من راضي في انكسار لا يوصف!..

تزوجت ذهبة مكرهة من هذا الذي لم تقبله من قبل ولم ترحب به من بعد، وسرعان ما أثبتت الأيام صدق حدسها وسبب كرهها إياه، فقد تبين من التحقيقات أن القاتل هو (سفر) وأن راضي كان شريكه في الجريمة النكراء، فهو من ألقاه من الجبل بعد أن قتله سفر.. قبض على سفر في حين تمكن راضي من الهرب، واختفى عن الأنظار بعد أن أصبح في بطنها جنينا يتقلب، والكل يترقب ماذا ستفعل بعد أن تلد ابنَ قاتل زوجها وأخا أولادها؟

هام راضي على وجهه ووصل إلى ميناء القنفذة يريد الركوب إلى السودان لولا أن صحا ضميره، وتذكر ابنه الذي في بطن زوجته، فتراجع وعاد للقرية ليودع السجن. ولدت ذهبة طفلها، وكأن ولادته كانت مفاجئة لها إذ لم تستعد له باسم. وجدت اسم (فاضل) زوجها القتيل هو أقرب الأسماء على لسانها، وعلم راضي باسم المولود، وأعلن لمن زاره في السجن رفضه له، وتعبيراً عن هذا الرفض أعطى ابن أخته مالا وطلب منه أن يشتري عجلا سمينا، يذبحه ويفرّقه على بيوت القرية بمناسبة المولود الذي أسماه بـ (ساعد). مضغت الأفواه لحم العجل وشربت مرقته إلا ذهبة التي رفضت أن تأكل من صدقة قاتل زوجها، وأقسمت أغلظ الأيمان أن راضيا لن يرى ابنه، ولن تغير اسمه.. القول الفصل للمحكمة التي حكمت على سفر بالقتل قصاصاً، وحكمت على راضي بالسجن ثلاث سنوات لأنه لم يشارك في القتل ولم يعاون القاتل إلا بعد أن نفذ جريمته..

رفع راضي للمحكمة قضية يطالب فيها بزوجته وابنه بعد أن رفضت تسليم نفسها له ومنعته من رؤية ابنه، وكسب القضية رغما عنها، فهامت على وجهها في القرية مع ابنيها – ولدي فاضل – وقد أضافت إلى الجوع والفقر التشردَ والجنون!..

في الرواية تصوير للقرية الجنوبية الجبلية، وأحوال الناس فيها وعاداتهم، كالمشاركة في الأفراح والأحزان وعند النوائب، وفيها تصوير لتعامل الناس مع المخترعات الحديثة كالإذاعة وعدم تصديق الأنباء التي تنقلها كرؤية الهلال. كما أنها حملت نظرة الناس للعائدين من العاملين في شركة أرامكو وما يبدونه من مظاهر الترف والبذخ والشعور بالتميز على أقاربهم وأهل قريتهم. كما سلطت الضوء على تمسك القروي بأرضه مهما عضه الفقر إلى درجة اعتقاده أن بيع أرضه ذنب يلحق صاحبه العار!

نتطلع للمزيد من أديبنا المبدع..

 

 

عن محمد صوالحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*