أخبار عاجلة
الرئيسية / المقالات النقدية / المشاهد الوصفية لدى آل ياسين/ بقلم :الناقد عبدالباري المالكي
المشاهد الوصفية لدى آل ياسين/ بقلم :الناقد عبدالباري المالكي

المشاهد الوصفية لدى آل ياسين/ بقلم :الناقد عبدالباري المالكي

آفاق حُـــــــرة

دراسة نقدية حول الشاعر محمد حسين آل ياسين

 

اجمل ما في قصائد شاعرالعرب الاستاذ محمد حسين آل ياسين هي المشاهد الوصفية الشاعرية التي يصوغها باداء  سهل حيث يتسع المعنى وتتراحب الصور وترتسم الافكار بوسائل فنية خالية من الترهل والحشو .

ولعل ذلك جاء نتيجة طبيعية لما اوجدته سنوات عمره المليء بالاحداث والمفارقات من عبء ثقيل يرهق النفس , ويشل القدرة , ويبثّ اليأس فيه من جهة , وما اوجدته من لذة ابرقت فيه الامل , وانسابت بين طياتها عشق ألهمَه , وهيام اوحى له , وجمال استذوقه من جهة اخرى , وما ذلك الاستغراق في تلك السنين الا نقلة على جناح خياله من عالم الامس بكل همومه وتصوراته , وبكل احاسيسه المتوثبة للعشق والغرام والشباب المفعم بالنشاط والنشوة ,مزاوجاً ماضيه بحاضره  فيتغلب عنده الانفعال ويتجذر فيه الشعور والوجدان بمَهمّة عسيرة وشاقة  لأن الشاعر سوف لن يكتفي بسرد الاحداث ووصف حياة الكد والسعي فقط لان ذلك السرد سيكون جامداً ومفككاً وضيق النظرة بل لابد له ان يستعرض أثمن لحظات واغلاها , واعز منتوج وأجوده , مايجعل قصائده تحتشد بطبقة راقية من السرد الموضوعي الذي يضاف الى الموهبة الادبية ( حتى انه بات يلتقط من صميم الحياة لحظات متوهجة لينقلها الى مخيلته الشعرية فيحيلها الى قصيدة تنبض بروح الحدث المتقطع وكأنه الوسيط بين الحياة وعالم الشعر ) 1, يقول في قصيدته  (حنانيك ) من ديوانه (الأمل الظمان ) :-

امَا لزمان الهزل في الحب آخرُ             وللّهو في روحٍ معذبة حدُّ

ولعل اغلب قصائد شاعرنا الاستاذ هي تطبيق دقيق لما اسلفناه, حيث سهولة التحليل ومعرفة فك الرموز واتضاح الفكرة ورسوخ القضية فيها وكأنها مسرح زاخر بالمشاهد الوصفية لحياة الشاعر وهو معرض انساني حافل بالصور الوجدانية .

ان شاعرنا دائماً ما يطل علينا بشخصيته الحيوية المعهودة حتى وهو يعاني انهياراً نفسياً ( كما في قصيدته دنيا الشاعر) حين يغلب عليه  الحزن والقلق فيخاطب نفسه ليضع قرّاءه امام ارهاق حل به ووهن اضعفه واضطراب شديد تمثّل به , فما ان يتضح  لنا البعد الحياتي له حتى نعلم ان صوره العاطفية لم تكن غلوّاً , وانما كانت انسجاماً تاماً لكل احاسيسه , يرفدها بالعشق تارة , وبالندم عليه تارة اخرى, ويميزها بعبارات سوف نتيقّن ان ذلك  لم يكن تشاؤماً في مسيرته بقدر ماكان نعياً مسبقاً لنفسه , ومصطلحات دقيقة اثّرت تاثيرا محكما في قرّائه واعطته انطباعاً على ان شاعرنا اقل مايقال عنه  انه … فحل .

ان الصياغة واتمامها بالطريقة التي نراها في قصائده انما هو ناتج عن تاريخ حافل بالنشاط الادبي , وحافل بمعجم لغوي كبير جدا, وقدرة على التصوير الفني وكأنه يرسم لوحة فنية بفرشاة خاصة , فهو ما ان يشرع بالطيران بأجنحته ( كما  في قصيدته اجنحة العمر ) حتى يكتشف انها قصيرة وانها مجرد نثير هنا وهناك , وما هو الا هديل راعش بدمه وروض غريب الصمت منفرداً.

واذ يتجول شاعرنا بخواطره التي تثير الشجن لهذه المشاهد فانه يصهرها بقدرة فنان في بوتقة تتحول في اخر المطاف الى حقيقة مشاعر تعلو كفتها في ميزانه الخاص في لحظات تأمل وترقب تسجل اللقطات التي تفتح نوافذ الشعور وتستقر في اعماق ذاته

ان رغبة الشاعر في تجزئة حواريته بعدة ابيات وعدة صور رغم توحد الفكرة, انما جاء حرصاً منه على منح قارئه قدراً كبيراً من الملامح والافكار لابداعاته التي يتتبعها بكل روية , فقارئ شاعرنا ليس كأي قارئ , وذو البصيرة الذي يوجّه باصرته وبصيرته لشاعرنا ليس كغيره , وذلك الناقد الذي ينتظر من آل ياسين قصيدة اقل مايقال عنها انها ( ابداع ) ليس كغيره من النقاد , وذلك كله لاعتبارات مختلفة تتعلق بالمستوى الفني لشاعرنا ولطبيعة موضوعاته , وحياته الشخصية سياسيا ً ودينياً واجتماعياً , فما نرى من استخدامه لمفردات متقنة انما هو تعدد ناجح وناجع لدلالات عميقة منحت طاقة لاستيعاب مفرداته وكأنها انتماء للشاعر والقارئ بلا رجحان .

ان شعور اي شاعر بعوامل الفرح والسرور والحزن والبكاء والانهيار انما هو ابداع بحد ذاته لانه يجسّد معاني ذاته المتكسرة وصوته المتحطم ورغبته بالضرب على اوتار افئدة الجميع بلا استثناء, اذ يتقدم الى الامام ويلوّح بأدواته التي لايستغني عنها ابداً .

حتى انها لم تترك على شفاهه ولم تصدح له , ولم تترك له سوى سنوات مثقلة وهموم لا عدّ لها, وصبرٍ لا حدّ له لكفّه التي لم ترَ كأسها .

ان اغصانه الحادبة التي راحت تسائله كثيراً عن حلم مصاغ , وخفقة جناح , ونشوة روح , وخريف رفّ ريّانا , هي التي ترددت كثيراً عن سؤاله عن الصبر والسلوان , واي صبر واي سلوان ممكن ان يكون وقد تركت الخرس والعميان على شفتيه اللتين ترتعشان بحركة موزونة متناسقة مع شدو قصائده الرائعة .

ان شاعرنا قد صاغ كثيراً من قصائده  باسلوب تخطى الايجاب  الى الايجاب الفعال لأنها اما ان تكون صرخة مدوية لاتنتهي بتوالي السنين والأزمان أو انها تجعله يحلّق فوق الدنى كوكباً , وكل ذلك انما هو لوحات فنية شعرية تنبئ عن انها من صنع عبقرية فذّة لجيل كامل وبلد واسع غائص بكمّ كبير من الشعراء , فليس من الغريب على شاعرنا ان يدبّ فيه الهزال الجسدي ويستولي عليه الشعور بالحزن لمصير تعيس وعالم يرمز للفناء والموت في قصيدة ما , ويستولي عليه الأمل والحب والانسانية في قصيدة أخرى , ولذلك فاننا نرى شاعرنا قد أثّر تاثيراً ايجابياً على قرّائه , واستطاع من تحقيق النجاح الكبير حين اسهم في تجسيد صراع دائم بين الروح والفناء, فهو استطاع من توظيف رؤيته الواقعية امام اسئلة منطقية رسخها الواقع المرّ للانسان حتى يتسلح بسلاح روحي للوصول الى هدفه .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: