أخبار عاجلة
قراءة في قصيدة ( أبي )  للشاعرة التونسية سليمى السرايري

قراءة في قصيدة ( أبي ) للشاعرة التونسية سليمى السرايري

هاشم خليل عبدالغني – الأردن

 تعتبر رئيسة صالون السرايا للأدب والفنون والتراث المبدعة  “سليمى السرايري ” من الأسماء اللامعة في عالم كتابة قصيدة النثر في الأدب التونسي المعاصر، وقدمت للقارئ مجموعة من الدواوين ( ” أصابعُ في كفّ الشمس ” وديوان مشترك عنوانه ” حديث الياسمين” وديوان “صمتٌ… كصلوات مفقودة” مترجم إلى الفرنسية والانجليزية ) التي تحيل لتجربة تحمل هويتها وملامحها في الحقل الثقافي وفي سياق الكتابة النسوية .

وقبل أن نعالج قصيدة الشاعرة السرايري ( أبي ) لا بد من الإشارة إلى أن الشعر المعاصر انتبه إلى قيم اجتماعية جديدة

منها رثاء الزوجة ” البارودي ” والابنة ” المازني ” والأم ” شوقي “ و”الأب ” سميح القاسم .

سنقف على قصيدة أبي ل ” سليمى السرايري ” التي ترثي بها والدها ، بطريقة مختلفة عن قصائد الرثاء المعروفة  ، وبرغم  أن قصيدة  ( السرايري ) معبرة فـإن القصائد التي قيلت في رثاء الأب  قليلة أو مغمورة ، ومن الجدير بالذكر أن الشعر الذي قيل في رثاء الأب في معظمه من نظم النساء . فالمرأة تفوقت في هذا النّوع من الشّعر على وجه الخصوص .

 في الزمن الممتد ما بين نقطتين متباعدتين اليقظة والحلم ، رأت الشاعرة الفرس البيضاء التي أهداها لها والدها  ، قبل أن يصيبه الوهن والضعف والفتور في الحواس ومقاربة النوم الأبدي .. تستذكر الشاعرة بعض نصائح والدها  التي تحتاجها في حياتها من وجه نظره كأب ، فيطلب منها التيقظ والتأهب  والاحتراز عند السفر ، السفر عبر البعد الزمني نظرياً أو السفر عبر المستقبل.      

كما يحذرها من الانسياق وراء الأوهام المزعومة ، ويطلب منها تحرير عقلها ، من وهم الانسياق نفسه . سراق الأحلام والحياة ، الذين يصدرون لنا الأوهام السوداء ،ويتلاعبون بخيوط المشهد فنري سحابة سوداء قد خيمت علي سماء حياتنا ، ..وماذا ننتظر من سحابة سوداء سوي غيوم ومشهد عابس..؟!

 كما يتابع الوالد نصائحه .. فيطلب من صغيرته  أن لا تنكسر شوكتها وأن لا تتقهر أمام صعوبات الحياة وأن تبحث عن طريقة لتخطي هذه الصعوبات، وتربط سعادتها بقدرتها على النضال في الحياة ومواجهه كل ما يمر بها ، وعليها أن تنظر للجانب الإيجابي من وجود المشاكل، حيث إنها تمثل دروس الحياة التي تجعلها أقوى ، لذا من الضروري النضال في الحياة ضد الصعوبات لتكون سعيدة وُمحبة لها فلذَّةُ الْحَيَاةِ… الشُّعُورُ بِالارْتِيَاحِ وَالاِطْمِئْنَانِ . فتقول الشاعرة على لسان والدها :

 رأيت في المسافة فرسي البيضاء

أهداها لي أبي

قبل أن يغطّ في النعاس

حذّرني من خرائط السفر

من لصوص الأزهار والجمال

لا تدعي الهزيمة يا صغيرتي

تختلس من قلبك مدينة الأضواء

الخفقة المطلّة

تشاغب العبارة

أمامك المدى…..

ولذّة العبور إلى النجاح

أخبرني أبي و أغمض الجفون

وتواصل ” سليمى السرايري ” سفرها عبر يقظة الحلم ، فتبهر بقصيدتها الإنسانية القارئ بلغتها ونحت كلماتها ، التي تشع طاقة إنسانية  من شعور الشاعرة بدور الأب في حياتها ، هناك في مكان عال ٍ مشرف على ما حوله ، تحفة الطهارة والنقاء لمحت الشاعرة والدها يشع منه النور متحرراً من كل القيود ،لمحته يصلي مادا يدية للسماء بالدعاء والاستغفار مرتديا ملابس أنيقة وفاخرة .. في إشارة للنعيم الذي يعيشه والدها في عالم ما بعد الحياة .

 هناك على كفّ النخيل

لمحته يمدّ يديه إلى السماء

يُصلّي

في الشرفة المفتوحة

على المطر

في دروب مضيئة … .طليقة

يقاسم الندى

 تعبرُ قميصه حقول الياسمين

مواكبُ الحمام

 تعود السرايري لتذكرنا بما سمعته من والدها  من نصائح ، فيقول لها إذا عاودتك الذكريات وخاصة المؤلمة  ، لا تستدعي الدموع ، بل عليك التخلص منها  بتغير طريقة تفكيرك مما يُساعد على تقليل الاستجابة العاطفية للذكريات والابتعاد عن لأشياء والأماكن التي تثير الذكريات ،وتجنّب الاندماج مع الذكريات حين حضورها إلى الذهن .

ولن يتحقق ذلك إلا إذا كنت قوية صلبة ، وبدا ترحل الهموم والأحزان ، ليحل مكانها الفرح والسعادة والنجاح

 سمعته يقول قبل أن ينام

ستعود من الغياب ذاكرة الماء

فلا تستعجلي الدموع

خناجر الدخان ،

اتركيها للريح والأنواء….. للأطلال….

كوني عالية لترحل الغربان

 وموجة الضباب

 لتنمو شتائل

النعناع “الزعتر” “والإكليل”

 والنرجس البرّيّ

تقول ” السرايري ” إنها سمعت المرحوم  والدها يوصيها ، من مكان حياته الجديدة ، بعدم المساومة على المبدأ والموقف ، للحصول على مغانم زائلة ، وفي طرفة عين  ابتسم وقبل جبيني .. وانصرف .

 سمعته يقول

من قصره الجديد

 من جنّة السماء

لا تدعي ألأوراق تسقط في

 الفراغ

لتكتبي قصيدة كزهرة التوليب

معطرة بالبرّ والعفاف والضياء

لمحته يبتسم

 يقبّل جبيني…

يغيب في السحاب…..

 وأخيرًا إن في هذه الوقفة عند قصيدة  ( أبي ) للشاعرة سليمى السرايري دليل على طاقة شعرية  أهلت الشاعرة للدخول لمحراب الشعر ، لأنها نجحت في تخير ألفاظها ووضعها في مواضعها الصحيحة .

القصيدة تدل على براعة الشاعرة في تصوير اللامعقول في صورة المعقول ، بألفاظ  موحية ومعاني جزلة ، لـذا نلاحــظ الصـدق فـي التعبیر والأفكار والمعاني التي أوردتها في قصیدتها .

إن القصيدة نمط جديد في باب الرثاء في الشعر العربي الحديث فقد جاءت على شكل نصائــح مــن المرثي ” الـوالد ” لـلراثي

” الإينة “.

من  المــعلوم  أن الرثاء يعتبر فنا مــن فنون الشعر الغنائي

يعبر فيه الشاعر عن آلامه وأحزانه لفقدان القريب والحبيب

إن القصيدة نمط جديد في باب الرثاء في الشعر العربي الحديث فقد جاءت على شكل نصائــح مــن الميت ” الـوالد ” لـلراثي

” الإينة “.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: