أخبار عاجلة
قراءة في قصيدة “سعاد” للشّاعر والنّاقد الدّكتور علي غبن.

قراءة في قصيدة “سعاد” للشّاعر والنّاقد الدّكتور علي غبن.

بقلم الكاتبة: أماني المُبارك

يطالعنا الشاعر الدكتور علي غبن في قصيدته الجديدة التي حملت اسم (سعاد) بمفاجأة سارة أدبيا، فالقصيدة التي يشي عنونها بموضوع غزلي، هي أبعد ما تكون عن الغزل، بل إن البناء الموضوعي للقصيدة والذي ينزع إلى الجانب القومي احتفاء بالأعياد الوطنية الأردنية تكوّن من مجموعة من اللوحات التي انسلكت في ترتيب دقيق مشكلة بناء هرميا تراتبيا يبدأ بمقدمة خمرية غير مألوفة تعيدنا بملامحها ولغتها وصورها الفنية إلى خمريّات العصر العبّاسي التي كانت تطوّرا وخروجا عن مألوف الشّعر العربي في حينه، هذه المقدمة حملت في طياتها إشارات إيحائية ودلالات رمزية تتعمق كلما أوغلنا في فضاءات القصيدة، فمشهد الحانة ومشهد الساقية يقود إلى مشهد الورّاد والذي يدوره يسلم النص إلى مشهد البطولة وهكذا…

يبدأ الشاعر قصيدته بذكر الحانة ووحدته فيها يقول:

 

في حانتي كأس الحياة تهادى

فعلام أخلف للصّفا ميعادا

وعلام اعتكر اللّيالي مفردا

أستمطر الأجواء كلّ جمادى

 

وربما كانت الحانة التي يتحدّث عنها الشّاعر هي ملجأه وموطن صفاه ومهربه من الوحدة والخيبة والضّيق، وهو لذلك يبادر بدعوه المحبطين مثله، ويشرع باب حانته لهم ولكل الرّاغبين بالانضمام إليه، جاعلا من سعاد وهي القيْنة التي تعمل في الحانة وسيلة جذب وإغراء للزّوار:

 

يا خلّ عندي قيْنة مهضومة

فادع الندامى كي أحثّ سعادا

 

وهو يوصي زائري حانته بالرّفق في معاملة سعاد وبعدم تقديم الوعود الكاذبة لها:

 

وارفق بساقية المدام فإنها

بالكأس تزرع روحنا أعيادا

وانس الظّنون فإنّني في حانتي

لا أشتري بالمعجزات بلادا

 

ويستمرّ الشّاعر في تحشيد وتجميع المريدين حوله في الحانة مستعينا بسعاد، والتي يسبغ عليها صفات الجمال والأصالة:

 

صبّي نبيذ القلب قد عتّقته

في مقلتيك ورتّلي الأورادا

صبّي مع الكاسات كحلك إنّني

أدمنت شربك يا كحيلة سادا

 

وهنا تتماهى صورة سعاد التي تصبّ النّبيذ وترتّل الأوراد في آن واحد مع صورة القهوة والكحل في إشارة واضحة للمنطلقات الدينيّة والقوميّة الأصيلة التي تمثّلها سعاد والتي تتحلّى بصفات الأصالة المتمثّلة هنا بالكحل إضافة إلى الصّفاء والنّقاء المتمثّل بكلمة (سادا) والتي تعني القهوة التي لا يضاف لها السّكر والتي يتم تقديمها عادة في مناسبات الحزن والفقد أو عند محاولات إعادة الشخص الثّمل لوعيه، فربّما كانت سعاد في رأيي الشّاعر تمثّل وسيلة لإعادة إنتاج الوعي الجمعي ومنطلقا لإحياء البعد الدّيني والقومي وعودة النّقاء والصّفاء، والتّخلص من الأحزان والآلام النّاتجة عن توالي الخيبات والإحباطات، وبالتالي تصبح سعاد هي المحفّز على الحركة الديناميكية لجموع الورّاد.

 

وكما أوصى الشّاعر روّاد حانته بالتّلطف في معاملة سعاد، يوصي سعاد أيضا يتقبّل هؤلاء الورّاد وعدم ازدرائهم وإحسان استقبالهم فهم فارّون من واقع أليم يبحثون عن حضن يحتويهم وملجأ يؤويهم:

 

واستقبلي بالورد كلّ مغامر

مثلي وكوني يا سعاد سعادا

ضاقت عليهم يا كحيلة دارهم

فأتوك من وجع الحياة فرادى

وادني سعاد فإن لمس أكفّهم

سبعا يعادل حجة وجهادا

واسقي الذين أتوك ريح ثيابهم

عرق الجياد إذا سبقن جيادا

 

ويسبغ الشّاعر على روّاد حانته الكثير من الصّفات التي تدلّ على أصالة معدنهم رغم سوء حالتهم الظّاهرة للعيان، وهم في ذلك يمثّلون جموع الكادحين المحبطين الذين يأملون بالغد الأفضل ويبحثون عن الأمان وعن الانتصار وتحقيق الذّات والإنجاز يقول عنهم:

 

ما همّهم طول المسير على الجوى

قد أقبلوا من غورهم أنجادا

عافوا الرقاد وكلهم شوق إلى

كأس تعتّق بالنّدى وتهادى

كلماتهم بالطّيب يرشح لينها

لينا تغلّف قسوة وعنادا

أوجاعهم شرف يشعّ بريقه

كرما وينشى جودهم أجوادا

 

ولا يكتفي الشّاعر بهذه الصّفات بل يعود ليؤكّد على مزيد من الصّفات التي ترتبط بالفروسيّة والبطولة والشّجاعة يقول:

 

للحرب قد خلقوا فهم من صلبها

مذ كان مرتعم بها اولادا

صفّي الكؤوس سعاد هذي حانتي

روّادها قطعوا الحدود حدادا

ودعي النّدامى يثملون برشفة

في قدس عينك يبتغون جهادا

واسقي الذين أتوك ريح ثيابهم

عرق الجياد إذا سبقن جيادا.

 

عند هذا الحد يجد الشّاعر نفسه مضطرّا للكشف عن شخصيّة هؤلاء الروّاد وطبيعتهم، فمن هؤلاء الذين يدعوهم لحانته ويغريهم بسعاد وما تمثّله من قيم الأصالة والتّفرد، من هم هؤلاء الذين يتّصفون بصفات الإباء والأنفة والقوّة على الرّغم ممّا يظهر عليهم من سمات الكادحين المتعبين المثقلين بهموم الحياة، إنّهم الأردنيون كما يقول الشّاعر الشّامخون فوق ظهور الجياد الصّافنات، المتأهّبون كالزّناد، المتحلّون بالشّجاعة والفتوّة والكرم والجود:

 

الأردنيون النّشامى ما ارتضوا

إلا ظهور الصّافنات وسادا

الصّابرون على المكاره في الوغى

الأصلبون من الرّدى أعوادا

 

ويداعب الشّاعر الوترين القومي والدّيني اللّذين يشكّلان العصب الرّئيسي لحركة المجتمع الأردني من خلال الإشارة إلى دورهم في الثّورة العربيّة الكبرى والتزامهم بالتّعاليم الإسلاميّة التي تسبغ عليهم صفات الصّلاح والعبادة والورع، يقول:

 

الحاملون رسالة نبويّة

عاشوا بها في ظلّها عبادا

المنتشون بثورة عربيّة

شعّوا بها نجما سرى وقّادا

 

لينهي الشاعر قصيدته بقوله:

 

وجع الحياة أطلّ يخطب ودّهم

ردوه… وابتدروا الحياة جهادا

 

وكأنّ الشّاعر هنا يعلّل ما يظهر على أبطاله من سمات الكادحين المتعبين وهيئتهم برفضهم لمغريات الحياة التي أطلّت تخطب ودّهم وتدعوهم للتّنعم بملذّاتها لكنّهم ردوا هذا الطّلب وآثروا مكابدة الحياة وجهادها على التّخلي عن مبادئهم وقيمهم الأصيلة.

 

تفاصيل كثيرة يطلعنا عليها الشّاعر الذي برع في دقّة الوصف ابتداء من وصف الحانة والشّعور بالوحدة والضّعف والعجز، انتقالا لوصف الشّخصية المحوريّة سعاد ساقية الحانة ابتداءً من وصف ملامحها كالمقل والكحل الذي تتزيّن به، واستقبالها للزّائرين الذين أنهكهم التّعب بالورود والبسمات، وانتقالا لوصف الحانة التي تطوّرت لتصبح لديه الملجأ والمركز الذي يقصده الكادحون المتعبون والذي يجدون فيه سعاد التي تروّح عنهم وتذكّرهم بماهيتهم وتشحذ هممهم في سلسلة من المشاهد الحيّة، التي تشعرنا أنّنا أمام فيلم يعرض في إحدى دور السينما.

 

يستحقّ تطوّر التّوظيف الدّلالي لمفردات بعينها الوقوف عنده والنّظر بتمعّن فيه فالحانة التي ورد ذكرها أكثر من مرّة قد تغيّرت دلالتها حسب تطوّر النّص فتحوّلت من كونها ملجأ فرديّا للشّاعر إلى مكان للحشد والرّباط متوسّعة في المساحة لتشمل الوطن كلّه، ويوحي تكرار عبارة صفّي الكؤوس بالدّعوة للتّجمع والتّأهب والتّنظيم وذلك استنادا لما يحمله فعل الأمر صفّي من دلالة على الانتظام والظّهور بشكل مرتّب، وتحمل عبارة (قدس عينك) إشارة إلى فلسطين كقضيّة مركزيّة للعرب والمسلمين، ويتكرّر هذا الأمر في كثير من العبارات والمفردات التي تحمل أبعادا إيحائية برع الشّاعر في توظيفها خدمة للنّص كما في توظيفه لكلمة كحيلة والرّقاد فكأن كلّ مفردة كانت تجلس على عرشها.

 

أمّا استخدام الاسم سعاد واختياره بالذّات كاسم للشّخصية المحوريّة في القصيدة وكعنوان لها فهو اختيار غاية في الذّكاء والتّوفيق، فسعاد اسم عربي أصيل كان يتغنّى به الشّعراء في قصائد المدح ولا سيّما المدح النّبوي وفيه إشارة إلى قصيدة كعب بن زهير في مدح الرّسول الأعظم، وهو اسم يدلّ على السّعد والسّعادة المناقض لحالة الشّقاء والتّعب التي يعاني منها أفراد المجتمع، وسعاد أيضا نبتة ذات رائحة طيّبة، جميلة تسرّ أعين النّاظرين إليها، وفي هذا إشارة إلى تفاؤل الشّاعر بتغيّر أحوال مجتمعه.

 

ويطول الحديث في تحليل تفاصيل بناء الصّور الكثيرة التي حفلت بها القصيدة من أوّل شطر إلى آخر شطر فيها، فالقصيدة عبارة عن لوحة وارفة متناسقة تحتاج إلى الكثير من التأمّل لاستخراج مكامن السّحر المتخفّية وراء ألوانها.

 

بقلم أماني المُبارك

إربد. الأردن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: