أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / مشهدية تعددية الأصوات في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين\ بقلم الروائي محمد فتحي المقداد
مشهدية تعددية الأصوات  في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين\ بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

مشهدية تعددية الأصوات في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين\ بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة
ــــــــــــــــــــــــــــ

مشهدية تعددية الأصوات
في رواية (ذاكرة ميت) للروائية السوريّة ريم بدر الدين بزال


بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

المقدمة:
تقنيّة الأصوات المُتعدّدة ظاهرة في الكثير من الأعمال السرديّة الروائيّة، وهي مجال رحب واسع للكاتب أن يتولّى طريقة إدارتها بشكل يضمن له خدمة مشروعه اشتغالًا واعيًا مُدركًا لطبيعة لتوظيف حواسّ أبطاله تفاعليًّا عميقًا، من خلال رسم مشاهد توريطيّة للقارئ المُستهدَف بالقراءة، وبالتالي جرّه بقوّة ليجعله جزءًا من العمل مُدافعا مُنافحًا عنه، مُتبنّيًا لفكرة العمل الروائي بحماس.
الروائيّة (ريم بدر الدين) أوقفتني بقوّة مُتأمّلًا لافتة العنوان (ذاكرة ميّت)، المثيرة بإشكاليّة التساؤلات المُتولّدة في ذهني كقارئ، تسمّرت أمام مفارقة غير عاديّة أبدًا. أمر كلمة (ذاكرة) عادي جدًّا؛ كونها مُتاحة للبشر جميعًا على حدّ سواء بدرجات مُتفاوتة، وهي ميّزة إنسانيّة تتعالق مع طبيعة الإنسان النّاسية، لاستعادة ما حدث معه سابقًا، وما أصبح بعيدًا عن لحظته، هنا تتجلّى الذاكرة بدورها لجلب الأمنيات والأفراح والأحزان والتفاؤل واليأس.

العنوان:
ومؤخّرًا مع شُيوع التقنيّات المُتقدّمة ذات الذكاء الصناعيّ، فقد تشاركت مع بني البشر موضوع الذاكرة المُستدعاة بطلب من المُستخدم، و(ذاكرة ميت) تتماثل تشابُهًا مع وظيفة الذاكرة المُناطة بها مع رواية (ذاكرة الجسد) للروائية الجزائريّة (أحلام مُستغانمي)، ورواية (ذاكرة العشق) للروائيّة (بشرى الصّافي)، ورواية (ذاكرة القلب) للروائية (نيسان الفرات) وهي مكتوبة باللهجة العامية، ومع كتاب (ذاكرة للنسيان) ل (محمود درويش). هذه الوقفة مع عنوانات ابتدأت جميعها بكلمة (ذاكرة)، مُبرّر منطقيّا أن تأتي للتعبير عن الجسد وصاحب العشق في عشقه لمحبوبته، ومع القلب بكافّة أحواله وتقلّباته فرحًا وحُزنًا.. لوعة واشتياقًا. وأن تكون ذاكرة للنسيان فهذه تكون قد انمحن لطبيعة موقعها مع النسيان.
أمّا أن تكون ذاكرة ميت، هنا الإشكالية؛ مجرد الموت السريري والأنفاس مازالت تصعد وتهبط بذبول، فإن الشخص يكون مشلول الحركة تمامًا حتّى حركة جفنيْه بصعوبة بالغة، فما بالك بالأعصاب، ونشاط الدماغ ذهنيًّا جاعلًا في ساحات التفكير والذكريات. هذا هو غير الممكن أبدًا، ولكن الرّاوي العليم (ريم بدر الدين) فرضت دكتاتوريّتها على بطلها المُوازي، للهروب من استحقاقات الاصطدام بالجدار الصلب، واجتناب أوحال ومستنقعات الواقع بطريقة التفافيّة ذكيّة، ولا يظهر ذلك المنحى إلّا من خلال قراءة ما وراء الحروف والكلمات، ووعي الأهداف البعيدة والقريبة لرسالة الكاتبة التي تُريد إيصالها.

البطل:
على الرغم من أنّ بطل رواية (ذاكرة ميّت) هو لسان البطل العليم أي (الكاتبة ريم بدر الدين)، ومن خلاله اشتغلت على بثّ أفكار برسالة أدبية واضحة المعالم برسالتها السردية ذات الصبغة الاجتماعيّة المُوشّاة بخيوط النقد، والإشارة إلى مواطن الخلل من وجهة نظر الكاتبة، بعين ثاقبة للفت الانتباه الزوايا السوداء المُعتمة، لتسليط الضوء عليها لمعالجتها، والخروج من حالة المُراوحة العاجزة عن بلوغ مستوى السموّ الأخلاقي للارتقاء، ومغادرة المنطقة الرماديّة إلى المنطقة الواضحة، والتي لا تحتمل التأويل فيما البين.. بيْن.
كما أنّها ككاتبة لم تحتلّ دورة بطل روايتها، بل استطاعت تحريكه بانتقالات رشيقة أشعرتنا أنّه لم يكن ميّتًا، أخذني معه.. جعلني أنبطح إلى جانبه مُتمثّلًا حالته بتطابق تامّ؛ للنظر من فُتحة منظاره الخاصّ، لأرى ما أراد هو لي بمشاهدته طوعًا قَسريًّا.
حركة البطل داخل النصّ إيجابيّة، استنطق الصّامتين المتجمهرين حول مكان الحادث، ونقل لي مشاعرهم بصدق دون مُواربة، وأرادني التصديق بكلّ ما نقله من كلام وأفعال المُتكلّمين؛ ليُنفّرني من مفارقات السُّلوكيّات المُتذبذبة المتستّرة تحت رداء الصدق والفضيلة.

الحدث السردي:
اللّعبة السّرديّة التي اتبّعتها الكاتبة ريم بدر الدين ذكيّة من خلال تكرار فصول الرواية تحت عنوان (ورقة) متلازمًا مع عنوان يتبعه وكأنه فرع له (الخروج من الذّاكرة)، لا أدري أنّ هذه اللّافتات السّرديّة التي فصّلتها بيدٍ خبيرة عالمة بما هي ذاهبة إليه، أذتني إلى عوالم لافتات أحمد مطر الشّعريّة.
أشعرتني كلّ ورقة بأنّها أثبتت حالة مأزق، ولا ينفكّ المأزق إلّا بالخروج من الذّاكرة لإتمام المشهد، باستقصاء مُبسّط للأوراق الإثني عشر، وكأنّه استشراف دلاليّ على فضاء الرواية الممتدّ على سنة كاملة. بعد هذه السياحة التي لابد منها للولوج منها، إلى موضوع عنوان هذه القراءة, مشهديّة تعدّد الأصوات في رواية (ذاكرة ميّت).
بداية الرّواية صادمة بعنف مشهديّة سقوط رجل خمسينيّ على أرضيّة حديقة الطابق الأرضي للعمارة، وبقوله يتّضح الموقف: (لفظتُ أنفاسًا كأنّها الأخيرة في رحلة السّقوط.. كنتُ مُتيقّنًا أنّه السّقوط الأخير الذي أتعرّض له) ص15. ويتابع وصف حالته: (الناس حولي متسائلون مضطربون عمّن أكون؟ لم يلحظوا بركة الدمّ التي بدأت بالتجمّع تحتي، ولم يسمعوا صوت عظامي التي طقطقت بعنف) ص15. انتقل بنا من وصف حالته وما آلت إليه إلى وصف محيطه، وهو يُراقب الجموع ن النساء والرّجال والأولاد، وينقل لنا ما يدور على ألسنتهم بما مسموع، ومما زاد المشهد في اتّساع مساحته الأبعد، هو كشف المونولوجات الداخليّة المخفيّة في صدورهم، وهي الأشدّ إيلامًا بتفاعلاتها في نفس القارئ.
الرواية اتّخذت افتتاحيّتها من العُقدة، وبدأت بتفكيك الحدث على مساحة صفحات الرواية تتابعًا بإدهاش جميل مٌقنع بترابطه وتسلسله الآخر مع المُتقدّم.
*مشهديّة تعدّد الأصوات، بوصف الرّجل الضّخم بكرسه الكبير، وقامته القصيرة؛ باستقراء نظراته: (لِمَ اخترتُ أن أسقط في هذا المكان بالذّات؟. ولِمَ تكون ملابسي بهذه الهيئة من الاتّساخ، وقلّة الترتيب؟.)ص16.
*جمع من النسوة بملابسهنّ البيتيّة: (إحداهنّ قرأت لي الفاتحة في سِرّها)، (بينما ظنّت جاراتها أنّني لا أستحقّ هذا ، فربّما كنتُ سكرانًا أو لصًّا). أكّدت أخرى في سرّها: (لا بُدّ أنّه كان في شُقّة الفنّانة التي تسكن في الطابق الأخير؛ فهي كثيرًا ما تستضيف رجالًا من كلّ المستويات..!!). ص16وفيما يليه من أحاديث النساء الفضائحيّة تلك هي حياة العمارات والبيوت المُتقاربة، حتّى الهمس مسموع لدى الجيران.
*رجلٌ عليه سمة الهدوء والوقار بقامة مُنتصبة رغم تقدّم العمر: (قلّبتُ صفحة من دماغه قرأتُ فيها: لا بدّ أنّ وراء هذا السّقوط سرقة ما؛ فجارنا ف الطّابق الرّابع قد ربح منذ أيّام ورقة يانصيب بمبلغ كبير جدًّا، إذا حانت لي فرصة أن أختلي بالجثّة وأُفتّش جيوبه) ص17. ويتابع الرجل العجوز ينظر إلى الطابق الرابع ليرى أنّه لا نافذة مفتوحة، وليس ثمّة بللور مكسور، فتح قوسين في رأسه، وقال: (رغم ذلك لن يخيب ظنّي في تفتيش جيوبه). ص17.
* وأنت أيّها المتثاقف الواقف بين المتجمهرين تتخيّلُ أنّها فُرصة مناسبة لتستعرض نفسك أمام الحاضرين، أسمعكَ تقول: (إيّاكم ولمس هذه الجُثّة، ستجري الشّرطة رفع البصمات. ألم يقُم أحدكم بطلب الإسعاف؟ ربّما هاذ الرّجل لم يمُت تمامًا). ص18.
* على لسان البطل الجريح: (ذات التّنورة القصيرة والنّظّارات الرقيقة تقفين هنا حيرى متسائلة، تُحاولين البحث عن سبب منطقيٍّ لوجودي هنا، سأدخلُ من أذُنك، مخطئة أنتِ، عندما فكّرتِ أنّني ربّما أكونُ ناشطًا سياسيًّا هاربًا، ومُتواريًا في إحدى الشّقق العُلويّة، لا تُحاولي أن تُؤكّدي نظريّتك التي عزّزتها مُلاحظتكِ البارحة لعدد غير طبيعيّ ممن يظنّون أنفسهم أتقنوا التّواري في ثياب المُخبرين السريّين، كونك تسكنين في الشّقّة المُقابلة للمدخل) ص18+19.
*الطبيب الأخرق كعادة أطبّاء الإسعاف مُبلّدي الحسّ: (أيّا الأبله، لا تقبض على معصمي بهذه القوّة تعُدّ النّبضات.. تتأسّف .. تلعن.. تهزّ رأسك فيَّ لتُعلنَ أنّني فارقتُ الحياة، دون أن تُكلّف نفسك عناء فحص بؤبؤي أو نبضات القلب أو معاينة الكسور. تقولُ في سرّكَ مُقتنعًا بأنّ تشخيصكَ صحيح تمامًا) ص19. أسمعُكَ بوضوح: (أشكرُ الله أنّه أراحنا من عبء إجراء الإسعافات، وما يستدعيه من عمليّات، هذه الجُثّة فعلت خيرًا بمُفارقتها الحياة، لت الجميع هكذا)، ويتردّد الصوت ثانيّة ليجب على مونولوج الطبيب: (أعرفُ أنّ صديقتكَ تنتظرك في مكتبكَ على أحرّ من الجمر) ص20.
* ضابط شرطة يتبختر كطاووس، نافخًا صدره، ورافعًا رأسه نحو الأعلى، بصوته الأجشّ المُدوّي في المكان: (تراجعوا.. لا تدع أحدًا يُغادرُ المكان ريثما ننتهي) ص20. قامَ بتقليبي، كما يُقلّبُ كيسًا من البطاطا، ثمّ جعل رأسي باتّجاه الأرض، حدّث نفسه قائلًا: (لا بدّ أن أجد دليلًا على شُبهة جُرميّة، وإلّا فقدتُ احترامي في هذا الحيّ الملعون، أعرف ألسنتهم طويلة حادّة) ص20. ثمّ أعلن بصوتٍ عالٍ: (أحضروا خبير البصمات؛ ليقوم برفعها، واختموا المكان بالشّمع الأحمر، وسيجري استجواب كلّ من كان هنا) ص21.
*دلف إلى المكان رجلان يحملان النّقالة، لم يكترثا بحملي بعناية. سيّارة الإسعاف التي وُضعت فيها الحمّالة؛ أعرفها عندما رافقتُ زوجتي لتضع مولودنا؛ ثمّ لتموت هي وهو في ذات المستشفى الذي يأخذونني إليه. ص21.
* السّائقان يُثرثران، ويتبادلان النّكات كما لو أنّ الذي يُقلّانه في سيّارتهما ليس جُثّة, أدارا المذياع؛ لتنطلق أغنية صاخبة مثيرة تُناسبُ النُّكات التي تبادلاها.
تتراءى لي الأشياء والأشخاص، وكأنّني أقفُ خلف زجاج مُتّسخ، أو في البرزخ الفاصل بين فضاءيْن مملوءيْن بسائل هُلاميّ لزج. ص22.
في الحقيقة بين هذا التّجوال في هذه المشهديّة المحكيّة على لسان البطل الميّت، وما خلفها من المشاهد المخفيّة لم تظهر، إلّا بدلالة كلمات وجُمل لم تُشر إليه صراحة، وإنّما السّياق العام للحدث يُفصح عنها بجلاء، وهو ما المجال الخصب لتأويل القارئ بما يروق له، وتفسيرها بما يراه يصلح لهذه المشهديّة.
مهما قيل، فإن رواية ذاكرة ميّت عمل أدبيّ ناضج بإتقانه المُترابط، ودليل على ذهنيّة الكاتبة المُتوقّدة بذكاء عندما ابتكرت هذه اللّعبة السّرديّة، ورسمت لوحاتها التي تقدّم ذكرها بكلمات وجُمل قليلة كلمات محدودة، لا يمكن الاستغناء عن أيّ منها؛ للفت انتباه القارئ لما يعتملُ في نفوس النّاس، أمام مشهد الموت الرّهيب، ولا يتّعظون..!!، بل أضاءت الزوايا المُظلمة في دواخلهم.

عمّان – الأردن
ــــــــــا 8\ 11\ 2020

عن محمد فتحي

- كاتب وروائي وقاص سوري.. - تولد ١٩٦٤. بصرى الشام/ درعا. الأعمال المطبوعة: - رواية دوامة الأوغاد. - رواية الطريق الى الزعتري. - رواية فوق الأرض. - كتاب شاهد على العتمة. - كتاب مقالات ملفقة. مجموعة أقاصيص(بتوقيت بُصرى) الكتب المخطوطة: ١٨ كتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: