أخبار عاجلة
رحلة في كتاب مذكرات مجنون /  بقلم : الأديبة الروائية هديل الرحامنة

رحلة في كتاب مذكرات مجنون / بقلم : الأديبة الروائية هديل الرحامنة

المارقُ على أيامنا في عين ترصد لنا الصورةَ كما توثق المكان …الواثقُ بالكلمة كزهو الوردة في حضرة الجمال …الساكنُ في أسماعنا …..محمد صوالحة فعل الشيء نفسه في مذكراتِه المجنونة …..تسلل عَبر الجنونِ الى مدنِه …ربط الجنونَ بنزعةِ الشيطان….

إن لم تشبه ملابسك فهي مستعارةٌ …وصوالحه تماما كما مشروعِه الادبي …مفصلٌ على قياسه تماما …الورِعُ الجريْ الخجولُ المهذبُ الذي نعرِفه …ينسابُ بكل هدوءٍ و يتجلى في كلِ حالاته ….

حام الجنونَ في  حكمةٍ بالغةٍ يافعة، عندما دخل البلادَ من أشهى أبوابِها …من نسائها …وهذا تعليل الهي …حتى الجنةَ كما البلاد …لكنها ابوابٌ وليست للاقامة كما يعتقدون ….مذكرات مجنون في مدنٍ مجنونة …تشبه تعاليلَ القرى  واهازيجَ الخيمات … وأحلامَ المدينة …رحلاتٌ مؤدبة نقلت في ضمنها التاريخَ و أجزلت في فحوى الحضارات …. سارت مع شيطانها الذي سماه صوالحة جنوناً …حواراتها بلغةٍ عربيةٍ محكيه …دون كتابتِها بلهجةٍ معينةٍ … ومع أنها حافظت على قواعِدها ونحوهِا وصرفِها لكنها كانت أقرب إلى تسجيل الحديث وتضمين الكلام … وثق الكاتبُ المكان بحيازةِ معنى وتفاصيل مجتمعية … حيث لا يكون فيها دور رئيسي  للخيال الذي يصنعُ عادة الروايةَ و القصة ..ويُعتمد عليه في البناء الادبي …لكنَ اسقاط الاحساس في مذاكرت مجنون  برؤية الاماكن وتجسيد مشاعر الابطال يمنحها هذا المفهوم فباعتقادي أن الشعورَ دائما متخيل كما قد يكونوا الابطالُ أو الاماكن  …ومن هنا كان الخيال روحَ العمل الادبي …

وثق حتى الافراد  ومن خلالِ الاهداء كان تعبيره عن الغايةِ من الوفاء …وهو الشكرُ والامتنان ….فأقرنَ أثرَ والديه  ب فضلِ الاديبة عنان محروس لما بذلته معه ومع العمل من مجهودٍ جميل و دعم مستمر …

مذكرات مجنون عملٌ ادبي بتجنيس مفتوح على عدةِ ابواب .لغةٌ حارة بعض الشيء و اسقاطات فلسفية متمكنة …..فتارةً لامس أدب الرحلات وتارة  طوع الذاكرةَ  لتسبر أغوار السيرة الذاتية ومن ثم حف العمل بتهذيب الرواية في بعديها الزمان والمكان وشفافية السرد وأينع في اختلافِ الشخوص على امتدادِ العمل  …اقترب من الهم الانساني عبر الخوض في الوجع السياسي ..والقضية العربية الفلسطينة …ومدى ارتبطاها الاردني في النسبِ والدم …

في مذكرات مجنون لم ينقصني إلا أن أركب الطائرة ….

دخل صوالحة في مذكراته مصر آمناً كيوسف عليه السلام …فكتب عن الحب والسفر و لم يفسر الاحلام كي لا يتوانى الشيطانُ عن التجول بخاطره  …فقدَّ كلَ القمصان.

كما استرق السمعَ في البتراء ليجهشَ بالحجارة فكان ازميلهُ محسوبا عليه ..تحرش في جنباتِ الحسناء ولم يبقِ على الوردِ الا الرائحة …فعلى ما بدا أن الشيطانَالذي يجاور قلبههو المقصودُ بجنونِه ولكنه ليس المقصود في جنون المدينة …المدن نزورها حيثما نريد و نتنقل بها كما نريد هي لا تفرضُ علينا عقلَنا إن كان مجنونا …

في السلط استقر في الشمسِ عندما التمس للقمر كلَ العذرِ على حضوره في كلِ سماء.

اجتال بالشاعر الاردني فكانت قصيدته محليةَ القلب …محكيةَ اللسان…صال في دير علا والاغوار …فنقع تجاعيدَ الارضِ في جوفِ كرومِ العنب على استحياء…الحياء الذي يستشعر الفقراء على حرارة الحياة …ومكابدةِ الوقت.

هبت النار والبارود غنىاطلب شباب يا وطن وأتمنى ….الوجع النازف على حدِ السواء …جرحنا الواحدُ الاحد المأجور بالدم الواحد …

وعلى يدِ كلمات المرأة التي هزت شيطانه وأربكته حيث قالت يا بني  تعرف على من أحبك دون أن يحتاجك بل دوما أنت من يحتاجه …فهز جذوع النخل هناك في المدينة المنورة  …ليطلع البدرُ عليه من ثنيات أُمه …وقد اغتابه الشيطان طيلة فترة غيابِه …

وكل المدنِ كانت قريبةً الا عمان …عمان ليست لأمثالي ، عمان وطن للجميع إلاعشاقِها وأبنائِها …. فعاتب هذا البدوي مدينتَه بمجردِ أنه شعرَ في الغربة عنها …هل لأننا دائما نطالب الامهات في أن يلدننا حتى وإن عجزنَ عن ذلك فلا نؤمن بالأمِ إلا من عنقِ الرحم …بينما نكون على أكبرِ امتنان من الغريبات لو قدمن لنا كأس ماء بارد ….

تناول الشامَ من ياسمينِها حتى ليلى …فعبق بكلِ تفاصيلِها التي مهما تكررت تبقى جديدةً علينا …فالشامُ المدينة التي تلبسُ في كل نهارٍ فستان وجسدها واحد….

وفي الشارقةِ شربَ عيونَ المياه فاستروى …ونزع جنونُه فتيلَه ….

ودموع الحنين لحبيبته التي يود الرحيل عنها دائما تعيده إليها …إلى عمان …

وبغداد العلاقة الأولى بين السماء والأرض، فعرف الخيلَ والبيداءَ و القرطاسَ والقلم …ومن أين يترجل البدوي في بيروت عليها السلام إن كان لبنان يرافقك من الروح إلى الروح وما الجسدُ الا وسيلة للتنقلِ …وبيروت عبور من الحياة الى الحياة .

 

عن محمد صوالحة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*