أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق المقالة / لسان عربي (مقالات ملفقة 29\2) بقلم الروائي محمد فتحي المقداد
لسان عربي (مقالات ملفقة 29\2) بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لسان عربي (مقالات ملفقة 29\2) بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة
ــــــــــــــــــــــــــــ

لسان عربي

مقالات ملفّقة (29/2)
بقلم – محمد فتحي المقداد

كتب العلّامة والمُؤرّخ عبدالرحمن بن خلدون كتابه، الذي لم نعرف منه غير المقدمة (مقدمة ابن خلدون)، بينما اسم الكتاب (ديوان المبتدأ والخبر من أيّام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السّلطان الأكبر)، أعتقد أنّ طول العنوان بكلماته الكثيرة ذات الدلالات التاريخيّة والجغرافيّة، منَعَ الكثيرين من حفظه، ومقدمة الكتاب (مقدمة ابن خلدون) هي التي اشتهرت فقط، رغم أنّها مُقدّمة للكتاب.
عرب وعجم وبربر. جرت العادة التعبيريّة منذ أيّام العرب الأوائل بإطلاق لفظ الأعجميّ.. العجم…الأعاجم على غير العرب خاصّة من الفُرس، ثمّ عُمّم أكثر ليشمل كلّ غير عربي مهما اختلفت الأصول والمنابت، والعُجمة ما أُعجِم على الفهم من كلامٍ، وهو نقيض البيان والفصاحة، ومن ثمّ أطلق عليه لسان أعجميّ، وجاء التعبير القرآني: (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ) سورة النحل(103).
﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ۝198فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ۝199﴾سورة الشعراء. وعَجُمَ: (فعل) عجُمَ يَعجُم ، عُجْمةً ، فهو أعْجَمُ، وهي عجماءُ والجمع : عُجْمٌ. وإذا عَجُم الشَّخصُ، كانت في لسانه لُكْنَةً، وعدم إفصاح في الكلام، ولَمْ يَكُنْ فَصِيحاً.
بعد عصر الفتوحات الإسلاميّة بداية في عهد الخلفاء الرّاشدين وما بعد ذلك بكثير؛ استتبع ذلك إسلام شعوب وقوميّات بأكملها؛ ولكي يكتمل إيمانها وإسلامها لا بُدّ من الصلاة يوميًّا خمس مرّات، ولا صلاة بغير أمّ الكتاب (الفاتحة)، لأنّها لا يمكن أن تُقرأ إلّا بالعربيّة.
والرّجل أعجم ، والمرأة عجماء، ويُقال للصبيّ ما دام لا يتكلّم ولا يفصح: صبيّ أعجم. كما أن ضرورات الحياة من اندماج، وتواصل، وتعاون ليتوافق ظرف سكّان البلاد المفتوحة مع العرب المسلمين؛ كان لا بُدّ لهم من تعلّم لغتهم؛ ليتعبّدوا الخالق، ويتعاملوا فيما معهم.
بعد هذه الفترة بدأت تظهر مشاكل هؤلاء الجُدُد مع اللّغة الجديدة، وتنبّه العرب لمَ يُصيب لغتهم من اللّسان الأعجميّ، الناطق لحروفهم بطريقة غير صحيحة، نتيجة للتمازج والاندماج الضروريّ، بدأت تدخل كلمات ومصطلحات جديدة وتحريف الأصيل منها عن نُطقه ومعناه المُراد منه.
هذا ما استدعى أمير المؤمنين (عليّ بن أبي طالب) كرّم الله وجهه، بالطلب إلى (أبي الأسود الدُّؤلي)، بتنقيط كلمات القرآن التي كانت قَبْلًا بلا نُقاط، وكان العرب يُفرّقون بين الباء والتاء، والدّال والذّال، الحاء والجيم والخاء، الرّاء والزّاي، السّين والشّين. العين والغين، وهي أربعة عشر حرفًا. وسُمّيتْ الحروف المُعجمة أيْ المشتملة على النُّقط، وعددها أربعة عشر حرفا: (ب، ت، ث، ج، خ، ذ، ز، ش، ض، ظ، غ، ف، ق، ن). وأعتقد أنّ إطلاق صفة المُعجمة التي كان سبب تنقيطها العجم، التي لم يستطيعوا فهمهما لمّا كانت على حالتها الأولى بلا نُقاط.
وفي اللّغة ظهر مصطلح الحروف المهملة، وهي غير المنقوطة المقابل للمُعجمة. أي بهذا المعنى يكون نصفُ الأبجدية العربية حروفًا لم يستطع غير العرب نطقها بطريقة سليمة، وبهذا أية مصيبة يتحلّ ونازلة كانت ستدمّر اللّغة العربية، لولا المُبادرة من أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه.
دكتاتوريّة الجغرافيا تفرض نفسها في أدقّ شؤون الحياة، قرية (العَجَمِيّ) الصغيرة الهادئة في الريف الغربية لمحافظة درعا على ضفاف نهر اليرموك جنوب سورية، من أغنى المناطق الزراعيّة الوفيرة بإنتاجها للخضار والفواكه؛ لكثرة مياهها المُتدفقّة من حولها عبر أقنية وجداول وعيون. وإمارة (عجمان) في دولة الإمارات العربيّة المُتّحدة، تُطلّ على مياه الخليج العربيّ.
وبالعودة للسياق العام المُصاحب لهذين الموقعين الجُغرافيّين؛ نرى اشتراكهما بكلمة عَجَمْ، تاريخيّا يُقال أن مدينة (عجمان) كانت تسكنها قبائل العُجمان غير العربية، ومثلها قرية (العجمي) أنّها كانت مملوكة لشخص غير عربيّ معروف بالعَجَميّ، واكتسبت اسمها من اسم مالكها الإقطاعي.
السّؤال المُلحّ: لماذا نرى هناك بعض العائلات في الشرق الأوسط والخليج تُكنّى بالعجمي؟.
قديمًا كان (العَجَمِيّ) أحد التُجّار الدمشقيّين في مدينتي بُصرى الشام جنوب سوريّة، ومازال اسمه تتداوله الألسنة للدلالة على محلّه التجاريّ الدُكّان رغم تبدل مالكه. وفي السنوات الأخيرة ظهر اسم لقارئ القرآن العجمي ذو الصوت النديّ الرّقيق المُؤثّر بمن يسمعه، إضافة لنوّاب بهذه الكُنية في مجلس الأمّة الكُويتيّ.
ومن عَجَّمَ نَصّاً يكون قد تَرْجَمَهُ مِنَ العَرَبِيَّةِ إِلَى لُغَةٍ أعْجَمِيَّةٍ، والعَجَمُ خلافُ العَرَبِ، الواحد عَجَمِيٌّ، نَطَقَ بالعربية أو لم ينطِق بها، العَجَمُ :عَلَمٌ على الفُرْس خاصَّة، وبلادُ العَجَمِ هي بلاد الفُرْسِ، إيران حاليًّا. وعُجْمةُ الشّخص إذا كانت في لسانه لُكنة، وعدم إفصاح في الكلام: ”لم يستطعْ التعبيرَ عن نفسه بسبب عُجْمته، ومن أقَام مدَّة طويلة في بلاد أجنبيّة فقد عَجُمَ لسانه”.
و(مقام عجم) من المقامات الموسيقيّة الشرقيّة الرئيسيّة، ويُعادل سُلّم (دو) الكبير في الموسيقى الغربيّة، وهو عبارة عن تتالي لعلامات موسيقيّة وفق أبعاد مُعيّنة وقواعد موضوعة لتصنيف اللّحن الموسيقيّ، يبدأ مقام عَجَم من علامة دو وينتهي عليها. مقام العجم مقام أساسي يرتكز على درجه العجم (دو)، وعند الشرقيّين يُسمّى بالعجم عشيران، لأنّه يرتكز على درجة العجم عشيران وهي درجة (سي بيمول القرار) نقلا عن ويكبيديا.
وفي الجزيرة العربيّة يُطلق لفظ الأعجمي على الفرس خصوصًا، في الأندلس، يطلق اسم العُجميّة (الخميادو) على نصوص اللّغات الرومانسيّة المكتوبة بالحرف العربيّ، في غرب أفريقيا يطلق اسم العُجميّة (أجمي) على نصوص اللّغات الأفريقيّة المكتوبة بالحرف العربي، والعجم في العراق المجاورة لإيران تطلق على من يتحدّث العربيّة بطلاقة لكنّ أصوله فارسيّة.
نهاية القول أنّ العُجمة نقيض فصاحة لسان العرب، وهذا القرآن الذي كان مُعجزة النبيّ ثبّت هذه الحقيقة، بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ سورة فُصّلت 44.
خلاصة القول فقد أعجمت ذهني اختبارًا، لتفتيق العُجمة نقيض الفصاحة ميّزة العرب، وقد جاء التحدّي الأبلغ فصاحة بأقوى منطقٍ وحُجّة من القرآن، الذي كان تحدّيًا مُباشرًا على أن يأتوا بشيء مثله ولو آية، وأخيرًا قال تقريرًا ولن يستطيعوا، بهذا تكون مُلفّقتي أماطت اللّثام عن العّجمة، وسطرًا في سجلّ اللّغة، بينما لن يكون صُدفة أيضًا أن تكون تسمية مَعاجم اللّغة (القواميس) بهذه الكلمة، وبالتدقيق البسيط، ولماذا اصطُلِح على تسميتها معاجم؟. لأنّها كُتبت لغير العرب حتّى يستطيعوا فهم اللغة العربية، وللحفاظ على اللّغة نقيّة بأصولها، ولتوثيق الدّخيل عليها، وعليها ما أطلق عليها كلمات أعجميّة؛ لأنّ أصولها غير عربيّة.
ولم يخْلُ بيت من بيوت الأثرياء وقٌصورهم من السّجّاد العجميّ بألوانه الزّاهية، وصناعته المُتقنة، وقيمته الماديّة والمعنويّة لمن يمتلك شيئًا منها، خاصّة من الجيل الثّاني والثّالث لأجدادهم.
وللدّخّان العجميّ نصيب في حياة فئة كبيرة من المُدخّنين الذين يُتقنون لفّ السجائر بأيديهم، ويمتلكون أدواته من العلبة الفضيّة والأنبوبة الخشبية المنقوشة بزخرفات على أطرافها، وتوضع السيجارة في مقدّمتها، وهي واسطة امتصاص الدخان وإيصاله لفم المُدخّن. وإطلاق اسم العجمي على التنباك والتّبغ إلّا للتفريق بينه وبين الدّخان العربيّ المعروف (الهيشي) برائحته التي لا أستسيغها أبدًا، وأهرب ممن يدخنّ هذا النّوع بعيدًا اتّقاء تلويث إيذاء حاسة الشمّ عندي.

عمّان – الأردن
11\ 11\ 2020

عن محمد فتحي

- كاتب وروائي وقاص سوري.. - تولد ١٩٦٤. بصرى الشام/ درعا. الأعمال المطبوعة: - رواية دوامة الأوغاد. - رواية الطريق الى الزعتري. - رواية فوق الأرض. - كتاب شاهد على العتمة. - كتاب مقالات ملفقة. مجموعة أقاصيص(بتوقيت بُصرى) الكتب المخطوطة: ١٨ كتاب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: