ولكنّ الغنى ربٌّ غفورٌ ! / سيد مسعود (إيران )

نعرف أن الأشعار في مدح الغنى وذمّ الفقر، وتفضيل الغنيّ على الفقير، كثيرة، وأن الموضوع من الموضوعات التي أبدع فيها الشعراء وتفتّقت فيها قرائحهم وتنقّحت، فكلٌّ جاء وعبّر بأسلوبه عن ميزات الغنى ومكانة الغنيّ، وكشف عن عيوب الفقر وذُلّ الفقير. وسيكون لنا في مقال اليوم مرور بجيّد بعض ما قُرِض وطريف ما قيل في هذا الباب.

هناك شعر يُنسب إلى أبي العيناء الهاشمي (العصر العباسي) يقول فيه:

إنّ الدراهم في المواطن كلِّها

تكسو الرجالَ مهابةً وجلالا

فهي اللسانُ لمن أراد فصاحة

وهي السلاحُ لمن أراد قتالا

إن الغنيَّ إذا تكلم كاذبًا

قالوا صدقتَ وما نطقتَ مُحالا

وإذا الفقيرُ أصاب قالوا لم يُصبْ

وكذبتَ يا هذا وقلتَ ضلالا

كذلك عباس بن الأحنف اليمامي له أبيات، يصف فيها الفقير مصوّرا بؤسه وشقاءه، ولا يفوته التعريج على الغني والتغني بسعادته وعلوّ شأنه، وهي:

يغدو الفقيرُ وكلّ شيءٍ ضدُّه

والأرضُ تُغلِق دونه أبوابَها

حتى الكلابُ إذا رأت ذا بِزّةٍ

أصغتْ إليه وحرّكت أذنابها

وإذا رأتْ يومًا فقيرًا جائزًا

نبحت عليه وكشّرت أنيابَها

الأشعار كما قلتُ أعلاه جمّة كثيرة في هذا الباب، وما قد ذُكر ليس إلا نماذج منها وغيضا من فيض ولسنا بصدد الإحصاء والاستقراء، على أنني قد أعجبني من بين الأشعار التي صادفتُها شعرٌ واحد، ووجدته أطرف وأبدع، ومنه اقتبستُ عنواني، وهو شعر عروة بن الورد (عروة الصعاليك) يقول:

ذَريني للغنى أسعى فإنّي

رأيتُ الناس شرُّهم الفقيرُ

وأبعدُهم وأهونُهم عليهم

وإن أمسى له حسَب وخيرُ

ويُقصيه النديُّ وتزدريه

حليلتُه وينهره الصغيرُ

وتلقى ذا الغنى وله جلال

يكادُ فؤاد صاحبِه يطيرُ

قليلٌ ذنبُه والذنبُ جمٌّ

ولكنّ الغنى ربٌّ غفورٌ

واللافت أن هذه الأشعار قد مضت عليها قرون ودهور لكننا عندما نقرؤها نجدها جديدة ويخيّل إلينا أنها ما قيلت في إلا زماننا هذا، حيث ترسم واقعنا، وتلقى صدى في أعماقنا، وهذه ميزة من ميزاتها، ودليل على عبقرية أصحابها، وسبب من أسباب خلودها.

 

 

..

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!