ديالكتيك الواقع والأفكار البناءة في أدب الروائية عنان محروس

بقلم : الأديب الناقد
محمد الحراكي ( ابن العابدين )
لحظة نقاء وصفاء ، تبحث تائهة عن النجاة هاربة من ثقل أُكُلٍها تبادلها بنات أفكارها، الحسنٓ و الجمال و الطيبة .
تصحبها علوا ورفعة وحنينا و أجج من تناهيد و شجون ، تلقي للغرقى حبال النجاة حين يضيق بهم الموج يحرسها البدر و تعتصر الغيم نداها ليصلها عذب المداد ، فتكتب في هدير من الصمت وتبحث في ضجيج الهدوء العاصف عن غياب الجمال الذي يشبه حروفها المزهرة المورقة في أرض تتقلب فيها القلوب و الأبصار فترق حروفها، وتدمع عند كل فقرةٍ وصف لما تراه من مشاهد على مسرح الحياة .
إنها الكاتبة الروائية( عنان محروس) وثقتها بالخالق الذي يتبع العسر بيسر و يسبقه بيسر .
و هذا التأكيد الإلهي الذي عزز لديها وشكل اليقين الذي استمدت منه ابتسامتها و فرح حروفها اللينة الطيعة لأناملها دون شطط ودون تكلف ، لتخط حكاياتها شموعا مضاءة في دروب السالكين ومن بين أناملها ينابيع للظمأى والباحثين عن الإرتواء .
فقد رسمت الروائية عنان محروس مسيرة الشخصيات التي يهملها المجتمع و يزدريها الناس ويستخف بها الجبناء و كيف أخرجت قوتها و ذكائها واستطاعت الوصول للقمة . العُقد التي سببها الإهمال لم تنتهي لتظهر الأمراض التي يسببه الألم من مساوئ الذل و الحاجة والظلم و الجبروت .
من هنا تظهر أهمية الرواية ونفحات الأدب وعطره …
بعد أن لوثته الأنواع التي تكتب عن الرفاهية والكمالية كمن يقتني التماثيل الثمينة التي لا حياة بها ولا روح .
إلا أن عنان محروس تلك التي تراها تشع جمالا في محياها وفي قلبها الطاهر و منهلها الصادق العذب لتخط لنا بأعذب الكلمات أدبها وتهبنا عطره و تشعل بنا الأحاسيس و تمضي بمهجتها المليئة بالحزن و الأسى لتقدم لنا مفاصل من الحياة العامة في قصصها المتنوعة ، في أحجامها و أساليبها و رموزها و كأنما الفرات يجري بين سهول القلوب و صحراء الصدور ، و في روايتها الأخيرة خلق انسانا تولد من كتاباتها الكثير من العواطف السلبية و التعاسة مصورة بذلك الكثير من المشاهد التي يمر عليها الكثير فلا يلقي لها بالا .
لتبدأ المواجهة وبعث الوعي الذي هو أعظم عامل من عوامل التغيير.
فالوعي القائم على اليقظة يصبح أكثر تجذّرا في نفوس الإنسانية ويحملنا على التفكير الأعمق في حياتنا .
نتجاوز فيه البعد الشخصي إلى البعد الإنساني والعدالة الاجتماعية التي ترافق أحلام الأجيال التي لازلنا نحلم أن نصلها بعد دولة الإسلام حيث قال رسولنا الرؤوف بنا ، حين نزل عليه جبريل عليه وعلى رسولنا أفضل الصلاة وأتم التسليم ، يوم بعثوا إليه بالطائف صبيانهم يرمونه بالحجارة ، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين. قال : لا عسى أن يخرج من أصلابهم من يؤمن بالله ويأتي بالخير .
لقد أدركت كاتبتنا الروائية عنان محروس أن الواقع الروائي هو تلك البيئة التي يوجدها الكاتب بكل مافيها من أحداث و شخصيات تساعد على نسج الحدث بأبعاده الاجتماعية النافعة في إظهار السلبية ، والرمز لما يكون فيه من سوء يكتشفه القارئ ويتأثر بالدلالات التي تعود بها الكاتبة الى إيجاد الحلول والإشارة إليها .
وقد تداخل نسق كاتبتنا مع المتخيل الواقعي من الأراء و المعتقدات و تجانس التخييل مع الواقع الحياتي والموقف من الصراع الطبقي الذي تمر به المجتمعات .
ومانراه كثير الوفرة من الفائدة التي تبعثها الروائية عنان محروس في نصها الروائي ( خلق انسانا ) ، فقد استدعت إيديلوجيتها لديالكتيك الواقع والأفكار البناءة في لغة فنية أظهرت فيها الجدارة والمعرفة بالبنى المجتمعية المادية منها وكذلك الروحية ، و اتخذت من رؤاها البعيدة ومواقفها الإنسانية النبيلة سبيل للكتابة الروائية
وقد توفرت فيها الكفاءة لاحتواء مسيرة النص وهي على دراية بالواقع الاجتماعي كما أسلفت مما ساعدها على التخييل الذي نبت من نشاطاتها الاجتماعية و فتح لها آفاقا فنية ثرية حيث وصلت بالمعنى المراد الى القلوب دون ضبابية و دون مباشرة ولم يكن اللعب بالكلمات من أسلوبها .
تجلى خطاب عنان محروس الروائي بتنوعه و وحدت كينونته و استطاعت الربط بين المتباين .
أوجدت الصلة بين مالا يظن وجود الصلة فيه .
و لعل مقياس الجمال لديها ليس التعقيد بل إن أنسامه تمر سهلة عابقة بالإنسانية و الروح الطيبة بما فيها من القيم والفضائل .
لقد أحاطت عنان محروس بجوانب عديدة لموضوعها بالإفصاح و أظهرت المعنى جليا و منحتنا البصيرة .
استطاعت الوصول الى الأعماق وطبيعة الأشياء .
أظهرت لنا الجمال فيما نقرأه و نشاهده في فنية التصوير وتناسق التكوين و التلوين التي أبرزت من خلاله الأثر الجميل في نفس المتلقي .
وأنا أرى أن الروائية عنان محروس بغناها الإنساني ماضية للقمة ، بفاعليتها وجدارتها في تحريك نفوس المتلقين بما تؤمن به من قيم وفضائل لابد ان تسود المجتمعات الفاضلة التي تبعث الحياة الكريمة دون عقد تربوية و أخلاقية .
فكل الاحترام لهذه الروح الإنسانية العظيمة عنان محروس وكل التقدير .

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!