أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار الثقافية والفنية / الكلمة التي القاها الشاعر اللبناني الكبير دكتور شربل داغر بحفل تكريمه ببيت الثقافة والفنون .

الكلمة التي القاها الشاعر اللبناني الكبير دكتور شربل داغر بحفل تكريمه ببيت الثقافة والفنون .

 تاليا  نص  الكلمة  التي القاها  الشاعر  اللبناني الكبير  شربل  داغر  في حفل   تكريمه  ببيت  الثقافة والفنون  بالعاصمة الأردنية عمان   يوم السبت الموافق 9/12/2017

لو أتاني الفتى الذي كنتُ…

ذلك الفتى الذي كنتُ، لو أتاني، ما أقول له، الليلة ؟
أأعتذرُ عما فعلتُ ؟ عما تماديتُ في غيِّه ؟ أأقول له إنني ألتقي وحسب مع أحبَّة، حول نور تدبرناه، لنباعد عتمة داهمة ؟
أأقول له بأن ما أوقدَه يخبو ناره في عيون كثيرين ؟
أأقول له إن في الشعر فتنة ما عدت أستبق شراراتها ؟
أأقول له بأن الزمن اختلف، وأن التكالم غلبَ الكتابة، وأن الصورة، خصوصًا صورة إظهار الذات وترويجِها، غلبت الشعر والمعنى وغيرهما.
أأقول له إن كتابة جملة بعربية سليمة باتت صعبة، فكيف بكتابة جملة شعرية ! إذ كيف لهذا أو لتلك أن يطالعا قصيدة حديثة، وهما فقدا الاعتياد على قراءة العربية، وباتا يسمعانها ويدردشان بها ليس إلا ! كيف له أن يكتب بها، وهو ينساق وراء كلام يناسب جلسة مقهى أو مكالمة هاتفية في أحسن الأحوال !
مع ذلك سأقول للفتى لو جاءَني : إن ما كنا نهجس باللقاء به، ولو في بصيص استعارة أو غمزة عين، اختفى وبتنا نلهو بأي شاشة صغيرة أو كبيرة، مثل نبتة إنكيدو في الخلود.
سأقول له – فيما يخصني – أنني أصبحت متمسكًا بالقصيدة تمسكًا يكاد أن يكون هوسًا مرضيًّا. فأنا إن بحثتُ عما يشد أعماقي إلى تطلع عيوني فلن أجد جذعًا لقوامي أفضل من الشعر – في نظري لنفسي على الأقل.
سأقول له إننا نبرد في الخلاء، إلا أن فيه من المتعة ما يجعلنا نرقص مع الثعالب التائهة ومع الغيوم الخفيفة. وإن في الشعر هواء بهشاشة النَّفَس وبقوته أيضًا؛ وإن في الشعر ما يحيينا ويبقينا متنصتين لما يشرد في ضيق لفظ أو لحظة أو ابتسامة.
سأقول له إنني اعتدتُ على أن في الكلام ما يعلو بي فوق سماء، وما يذيبني في آخر دمعة، وما يجعلني أترقرق فوق خدِّ صبية في ليل فشلها العاطفي الأول.
سأقول له إن في هذه القدرة التي للشعر ما يجمع الفنون – فنون التخيل وللتأليف – في غمزة جملة بما يجعل الكون يصير لهنيهة غير ما كان، غير ما يمكن أن يكون عليه.
سأقول له إنني سأقول بالشعر ما لا أقوى على قوله بأي لغة أو احتمال. فلماذا أَقبل بالشعر طنينًا مثل طبل رتيب أو مثل سطر في دفتر مدرسي !؟
لا، فما يشدني إلى الشعر هو أقرب إلى اتساع يدي حيث لا تصل يدي، وإلى حيث لا تبلغ عيني… فهو هذه المتعة التي تجعل الصدر بوسع قارة، والأصابع تستطيل بفعل امتداد رغبة. فأنا لم أجد في الشعر غير ما هو عليه البرق إذ ينير ما حوله ويمضي. لم أجد فيه غير فجائية حلم ينقضي إن لم ندونه بعد مروره العابر.
سأقول للفتى الذي كنتُ بأن ما تجمعه سينما في لقطة مع عشرات العاملين والمواد وغيرها تتكفل به استعارة واحدة. ما دام أن للشعر هذه القدرة التي أوجدها الإنسان لنفسه، قدرةَ أن يكون حيث لا هو، وأن يقول غير ما يقول عادة، وأن يقول غير ما يفعل، وأن يتلصَّص في عيون حبيبة صامتة في خلائها، وأن يكفكف دموع فلسطينية أمام قُدسها…
هذه وغيرها تتكفل بها القصيدة وترفعها مثل نخب فريد في محبة الإنسان لما يمكن أن يكون عليه الإنسان.
هي قدرة الإنسان في امتداده الشاسع، وفي ضيقه الأضيق من بيتِ نملة، وفي حبه الجم لنسمة رقيقة في قيظ صحرائه…
هو هذا اللاتناهي في نهايتنا المحتومة. وقدرتنا على التكلم في خرسنا الختامي. وهو قُبلتنا إذ تنطبق على شفاه رغبتنا…
كيف لا، والشعر يراكض ظلَنا في عتمة الوجود. وهو اللسعة التي لا تميت. والقُبلة التي لا تَعِد بجنين. والطفلة التي تعدو من دون أن تتوقف بعد وقوع نقطة في سطر. والعدُوُّ إذ يموت من دون أن يقوى على الرد. والشهية التي تصير حبيبة حكمًا في منتهى انفعال.
أأقول له إن انطباق شفتين يرسم فعل استقبال، له ماضٍ لكنه يضارع الوجود باللغة ذاتها ؟ فالقصيدة قد تكون أبعد ما سعى إليه لسان أمام كفاءة الوجود وصعوبة الكائن. وهي تلعثُمُنا في أن يكون لنا ما يبقى منا وعنا : في أحلى ما نرغب في أن نكون عليه. في عالي الشهوة التي في الحب.
سأقول للفتى الذي كنتُ : لا عليكَ، هذا ما يمكن لي أن أتذكَّره عن سمو الشعر إلى شكله. هذا ما يمكن للقصيدة أن تَعِد به وتفي به. سأقول له إن ما يروق لي في الشعر هو أنني أتجه صوب قصيدة لا تشبهني، لكنني أَصِيرُ بها وفيها، فأجد فيها خريطتي وعالمي وأخباري وملامحي في أحوال افتراضية، احتمالية، مما هو قابل لأن يكون من دون أن يكون بالضرورة.
هذه الحياة الأخرى التي في الشعر تجعل لي القصيدة بيتًا لا يلبث بمجرد أن أغادره أن يصبح لغيري، بما فيهم لي أنا الغريب الجديد فيه.
سأقول للفتى الذي كنتُ إن هذا الذهاب صوب قصيدة يحفز طاقاتي، يغريني بحلاوة التجوال الحر والتخيل الانفعالي الباذخ. ذلك أن القصيدة ليست تسجيل حالة، ولا مكالمة مشتهاة مع حبيبة مرجوة. القصيدة هي حبُّ الشاعر للغة، على أن لها حياةً ترفل بأثواب الحياة التي تعلو في سماءِ كلام. فهناك ما تقوله اللغة عبر القصيدة من دون أن يكون قد سمعَه أحد. وهناك ما يقع في الحروف وصورها وأطيافها وخيالاتها : ما لم تره عين.

ذلك الفتى الذي كنتُ، لو أتاني، ما أقول له، الليلة ؟
سأقول له : في تكريمي تكريمٌ لغيري؛ تكريم للشعر نفسه.
ها نحن نتبادل الأنخاب عن قرب وعن بعد، ونعبُّ بعيوننا من الينبوع نفسه.
شكرًا كبيرًا للجهتَين المنظمتين، وللشعراء الأحبة والمثقفين والإعلاميين الذين شاركوني هذا الاحتفال. ففي مثل هذه اللحظات نعيش أجمل ما في إنسانيتنا من فضول وانفعال وبهجة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: