بطاقة تعريفية بكتاب (موت الكاتب وإحياء النص) بقلم محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

 

بطاقة تعريفية بكتاب

(موت الكاتب وإحياء النص)

للدكتور “سلطان المعاني” من الأردن.

 

المحرر الثقافي: محمد فتحي المقداد

 

صدر حديثًا كتاب “موت الكاتب وإحياء النص” للأستاذ الدكتور “سلطان المعاني“، وللتعريف أكثر بطبيعة العنوان، فكان فيما بين قوسين تحت العنوان على صفحة الغلاف الرئيسة. بأنه: (نقوش عربية شمالية من بادية المفرق الشمالية الشرقية).

والكتاب جهد بحثي استقصائي، تتبع فيه أثر النقوش في بادية الصفا القسم الجنوبي من بادية الحماد الممتدة من جنوب شرق سورية، وهي صحراء حجرية ذات بنية صخرية بركانية بصخورها السوداء، من بقايا بركان جبل حوران الخامد.

والكتاب بحث قيّم جدير بالقراءة والمتابعة، لجديّة الباحث الخبير في مجاله الأكاديميّ، وهو يؤسّس لرؤى ذات أبعاد آفاقيّة، أعادت قراءة النقوش المتناثرة على رقعة جغرافية ما بين شمال وجنوب الأردن، كل ذلك جاء ضمن رؤى قائمة على أساليب البحث العلمي الآثاري، بتزاوج مع الموهبة الأدبيّة للباحث. أ. د. سلطان.

فقام بتطبيق نظرية المنهج التفكيكيّ (النظرية التفكيكية في النقد)، على دراسته التوثيقية على النقوش القديمة، بمحاولة استقرائية لاستنطاق مدلولاتها الزمانية والمكانية، ومن خلال ذلك أشاد بناء معرفيًّا، بتشكيل النصّ الحديث المُوازي للنص القديم المنقوش على حجر في صحراء قاحلة مجهولة، وبذلك أعاد الحياة للمكان وأناسه الذين كانوا ذات يوم في هذا المكان.

النقش أثر باق ممن سبقنا في المكان، وأهمية النقش تأتي من خلال النص، الذي أحيا كاتبه ليعيش من جديد، وتُبنى له هيكلية لحياته ووسائلها وطريقة عيشه ونشاطاته العملية التي جعلته يتشبث بالمكان، وأسباب بقائه قائمًا، وضمانات أمنه الضرورية للبقاء في المكان.

وفي هذا الصدد، عرّف. د. سلطان المعاني النقش: “فالنقش أثر من مرّ بالمكان، وتخيّر له فيه جداراً أو حجرًا بازلتياً استحسنه، وفي المكان اختار أداة الكتابة، وفيه استحضر مشاعره، واستودعه مشاعرة وسرَّه” ص١٠.

وتأتي أهمية النقش للحاضر الذي نحن فيه، بقوله: “في هذه النقوش نقرأ ملامحنا الأولى، وندرك أن أديم هذه الأرض هي من أجساد أجدادنا، وهي سجلّ الطابو الدالّ على ملكيّة المكان” ص١٠.

وفي الاستزادة بتعزيز فكرة النقش لدى القارئ، نستوضح مما جاء في الكتاب:” كان النقش ملاذ صاحبه ولسان حاله، ولما كان عدد النقوش هائلاً فإنها لسان حال المجتمعات العربية القديمة من أصحاب هذه النقوش، فنقرأ فيها من الدلالات والانتقالات والإيحاءات الكثير مما قالته كتب الإخباريين وما لم تقل؛ فالنقوش في هذه الحالة دلائل مادية تثبت أو تنفي، تزيد ولا تنقص، وتصوب ما هوَّمَ الباحثون حوله وَهْمًا أو عوَزاً لإثبات” ص12.

كما أنه لا بدّ من الاستيثاق للمعلومة الواردة في الكتاب: “إن النقوش مادة أصحابها الثقافية المجتمعية غير المرتبطة بالسلطة، وبذلك تتحرر من نمطية الالتزام أمام أية سلطة خارجية، وإنما تلتزم بأعراف القبيلة، وأشراط الآلهة، ودرجة اعتراف صاحب النقش بهاتين السلطتين؛ فيتمايز أصحاب النقوش بين فاعل ومُنتمٍ، وبين متصعلك ومستلب، وهذه مراوحة بين الرفض للواقع والغربة عنه وبين المُتماهي مع القبيلة وأشراطها“. ص12.

وفي الدراسة هذه التي أشارت وأوضحت أهمية النقش، تتوقف الدراسة بتثبيت رؤاها بتشكيلة تحليلية استنتاجية ذات دلالات، وهي كالآتي:

  • فالنقش في هذه الحالة وثيقة.
  • وهو وسيلة تواصل يحاول صاحب النقش من خلالها حدثاً أو فكرة ما.
  • وهو مساحة تعبير عن الحالة النفسية والوجدانية، وعن علاقته بالبيئة الطبيعية من حيث التضاريس والحالة الجوية وانتظار المطر أو البيئة النباتية أو الحيوانية.
  • أو الإعلان عن ملكيته للمكان أو الآليات المرافقة للنقش.
  • إن مدونات النقوش الصخرية هي وسيلة إعلامية مجتمعية متاحة ومحفزة، وهي تنسجم مع فطرة الإنسان التي تتوق للخلود والتعريف بالأنساب، وتعداد المناقب، وخصوصاً تلك المتعلقة بالفروسية والملكية.
  • علاوة على ذلك.
  • هي وسيلة للهجاء والمطالبة بالثأر، واللعنات.
  • وهي في منحى آخر تغليب لظهور قبيلته عمن سواها من القبائل أو الشعوب المجاورة. ص١٤.

وأصحاب النقوش هم الصفاويّون نسبة إلى منطقة الصفا، وهي جزء من صحراء الحماد، ذات الطبيعة الصخرية الصحراوية الناشئة من مخلفات بركان جبل حوران (جبل العرب).

وفي مصادر المستعربين والمستشرقين تسمية الصفاويين، أو الصفويين على أصحاب هذه النصوص نسبة إلى منطقة الصفاء في جبل العرب، وقد بدأ كل من جراهام وهاليفي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر يطلقونها على مخربشات ونقوش الصخور والحجارة في البوادي التي تواجدت فيها هذه القبائل العربية” هامش ص4.

والصفاويون هم أقوام من العرب عاصروا الأنباط المجاورين لهم في بُصرى وغيرها. وقد عاش هؤلاء العرب في بواديهم تحيط بهم حضارات كبرى، فلا بد أن يتسرب إليهم بعض من نفحاتها، فإذا كتب الصفاويّ على الحجر لتوثيق حاجته وحالته، وكانوا يتحركون فيما جنوب سوريا مرورًا بالبادية الأردنيّة الشماليّة والوسطى والجنوبيّة، وصولا إلى تفرعات وادي السرحان في الحجاز، كانت هذه الأماكن فضاءات استوعبت عشرات الآلاف من النصوص الكتابية المنقوشة، التي شكلت ذاكرتهم على الواجهات الصخرية الملساء والرّجوم البازلتية.

إشكالية عنوان الكتاب “موت الكاتب وإحياء النص“. موت وإحياء، فهما فعلان إجباريان خارج الإرادة البشرية. وهما من صفات الله الخالق و المحيي والمميت.

وفي صيغة النقوش المنحوتة، فإنّها أحيت النصّ، فبحياة النصّ؛ أحيا كاتبه، أي أن النص المنقوش أحيا ذكرى ناقشه أو كاتبه، وهو كما يبدو أنه كان شخصًا متخصصًا في النفس، وليس باستطاعة أي شخص فعل ذلك.

الكتاب جهد ميداني، استغرق وقت وصحة ومال. د. الباحث والمفكر “سلطان المعاني“، وهو بحث توثيقيّ تفسيريّ تأويليّ، بترجماته لنصوص النقوش، والبحث فتح فضاءات للرؤى الجديدة، للنهوض بالمكان الجغرافيّ، وإعادة ترتيب الأوليّات الجغرافيّة والتاريخيّة.

عمّان – الأردن

٢٢/ ١١/ ٢٠٢١م

 

 

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: