قراءة في أعمال الفنان التشكيلي العراقي سمير البياتي

ن٨آفاق حرة _من مراسلتنا في تونس الشاعرة سليمى السرايري
-=-=-=-
هامة نكرة أم في تاريخ وطن تتربص به المحن ؟
للكاتبة التونسية حبيبة المحرزي
-=-=-=-

العادة أن تتعلق أبصار زوار المعارض التشكيلية بالجدران والتنقل بين اللوحات والتمعن فيها واحدة واحدة لكن في معرض الرسام سمير البياتي يفاجأ الزائر بجدران بيضاء صامتة خرساء صماء ليرتد البصر بعد ياس من مألوف متواتر فيما سبق.ليفاجأ بهيكل يتمدد يطول ويطول حتى يصدمك الطول والعظمة المتحدية جبروت المكان وكان هذا الغريب الذي دون عنوان يريد ان يكسر الأصفاد ويهدم الجدران المتربصة بحرية قد تفتك عنوة. هيكل يغطي أرضية الرواق ويجبر المار على الحذر والبحث عن موطئ قدم في الفراغات القليلة المتهالكة تحت جدران ظلت نكرة عزلاء ، فراغات ،لا دور لها إلا تمكين المتلقي من الوقوف والتأمل دون حرية قصوى في الحركة . هو اجتياح واحتلال وتوزع وتفرع وكأننا بالفنان سمير البياتي حشر الإنسانية كلها في هذه الماهية النكرة المغيبة ملامحها وسماتها .
هيكل أو هو ماهية انسان قد يكون آدم أو حواء أو نوح أو انت او انا بالوان صارخة متخبطة بغلب عليها السواد يغلفها خط كالح قُد من جلباب ام أرملة أو ثكلى تؤشر على الحزن ونبذ كل جميل .
على الرجلين واليدين والجذع تتوزع أشكال وألوان مختلفة متنافرة حينا متناسقة حينا آخر لكنها ضاجة مستفزة .تصرخ الصفرة الفاقعة تولول تلجم المتلقي تربكه كي يرتد إلى الحمرة القانية ، حمرة الدماء حمرة الجريمة في حق من؟ في حق الأنا والانت في حق كل من تعقد واقعه وتشظت حياته وتهدمت آماله على ناصية الطغاة المجرمين لكن هذا الهيكل الغريب وان بدا منبطحا مستسلما الا أنه جمع المتناقضات كلها أشكالا وأحجاما وألوانا واجناسا.
عليه توزعت أشكال هندسية ولطخات وشطحات فنية مختلفة متنافرة متناسقة واحيانا متوازية تسير متعامدة متعاندة في اتجاهات واحدة لكنها لا تلتقي ولا تتفق ابدا الا في الاصطدام بالحاجز القاتم الخارجي .حاجز القمع والضغط على الأنفاس .حاجز يلف الأوردة التي صورها في أشكال هندسية لتتذابح فيها الاشياء وكل ما ما حصله الإنسان من صنائع وإنجازات وناطحات وعلوم اشقته ودمرته وكرست العبودية في الوريد.
ويظل التقييم افتراضيا وجوديا فلسفيا في تداخل بين الماضي الأليم والحاضر المتصدع الضاج الصاخب بين السواد الحالك والبياض الحيادي بين الحياة والموت بين الخير والشر لكن وجوها بشرية بخدين موردين وشفاه محمرة توحي بالحياة والاستمرار والتحدي ليرتد البصر إلى أشباه وجوه هي أقرب الى جماجم مشوشة بالاسود وشبه ابيض باهت مغبر تحيل على من قبروا ظلما وطغيانا ،
الرسام وبحركة تعبيرية تلقائية صارخة التف بكساء بقاعدة بيضاء موشاة بالوان الهيكل الممدد ليكون مثالا مختلفا في مرحلة سابقة لمن هم حوله ضمن شواهد من الذاكرة الإنسانية المضرجة دما. وقد تكون توثيقا وتوبيخا وتقريعا وتهديدا للمجرمين ستلاحقهم نظرات الضحايا ابد الدهر رؤوس بجامع واحد الكآبة والحزن ونظرة التأمل العميقة في الفراغ . وجوه فئتين مختلفتين انقضاء واستمرارا، نظرات تخزن مواجع تستحث الذهن كي يشرد إلى ماض ليس أسوأ من الحاضر ليس أكثر انسا من الشتات لكن الملفت إلى الإنتباه أكثر وضعية اليدين .اليمنى مسدلة ممدودة بكف مفتوحة في وضعية للتسليم والسلام بابيض ناصع بداخله لون الزهور الباهت واليد الأخرى مرفرعة تبغي طلبا. املا في تجديد وإنجازات تثبت الوجود والاستمرارية ..
من ؟ هو التيمة الأساس ..هذه “المن” التي صفع بها الفنان سمير البياتي الطغاة الذين يفرقون البشر طوائف ومذاهب وانتماءات سياسية واجتماعية طبقية .
من؟ نقطة استفهام هي الرأس هي عبثية الوجود وأن الإنسان واحد والبداية والنهاية واحدة فلم التناحر والتقاتل ؟
هي انا وانت وهو وهي . سمير البياتي الذي مازالت ذاكرته تشوش حاضره وتغرقه في فترات المحن والحروب والهروب بل كل من ظلم كل من ضرجته الغربة والاغتراب وترك أحبة في وطن مشتت مشوش مرعوب .هو المصير الأوحد النهاية هي نفسها .الغد يكون الإنسان فيه رقما يتلاشى هيكلا دون عنوان مع الايام ليركن في ذاكرة منسية .
هذا العملاق الضخم ممدد على الأرض يذكر بالنهاية خاصة باللون الترابي بين الرجلين هو البعد العدمي هو العود إلى الأديم والثرى هو النهاية الحتمية لمن ؟
لي ولك وله ولهم والطغاة ايضا..كل هذه القوة وهذه الالوان التي تذكر بالحياة والأضواء والجمال والابداع تنتهي إلى الاكثر تعبيرا عن الطبيعة الأزلية لون الأرض لون اللحد لون الطين الثابت المحايد الذي يوحد بين الظالم والمظلوم القاتل والمقتول الحاكم والمحكوم .لون التراب هو العنصر الأكثر تعميقا وتجذيرا للنهاية العدمية الواحدة هي العبرة والموعظة يبرزها الفنان بتراكمات مأساوية اليمة …
هي تذكير لمن لا يعقل بأنه سيكون بعد وقت ما مجرد هو مجردا من الهوية وكل انتماء .وكأنه لم يوجد ولم يتبق منه إلا أفعاله وشناعاته في حق الإنسانية التي لا مآل لها كلها التراب .
هيكل يلخص مأساة الفنان سمير البياتي ومعاناة وطنه وأهله خاصة والانسان عامة في كل الأزمنة والأماكن ..هي حوصلة لمواجع ومآسي كانت ومازالت تخرب الشعوب وتشتتها ظلما وطغيانا ممن سيكون له نفس المصير العدمي طال الزمان أو قصر .

حبيبة المحرزي
تونس

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: