قراءة في نص ( ذات حلم )بقلم : احمد وليد الروح المغرب

ذات حلم
كنت وابا جهل …
نصطلي على جمر الشوف
لهيب الهوى يلفحنا
وزمهرير الغياب يمزقنا
وسهام عينيك تقتنص
القلب
وحرارة الروح
تسوقنا نحو من
كان بالعشق غارقا اكثر
تسكعنا في دروب الجحيم
اشتقنا لمن اهدى
ما احتوت الكعبة
اشتقنا لابي لهب
علنا نخفف بعض نارنا …
ولعله يقص حكايه هواه
اقتربنا
صرخ وقال ربي يارب
وحقك نورك …
ابدا مثلهم ما ارتكبت ذنب
محمد  صوالحة
**********************
“كنت و أبا جهل ” هو هنا لا يقصد عمر بن هشام المخزومي القرشي الكناني بل نسب صفة الجهل التي كان يتصف بها عمرو بن هشام ـ لأنه سريع الغضب ، و الجهل عند العرب ضد الحِلم وهو العفو بعد المقدرة ـ فهل الشاعر هنا يساوي بينه و بين مرافقه “أبا جهل ” في أخطائه و زلاته و ذنوبه ؟ أم فقط يُخبر عنه بطريقة المشاهدة و المرافقة كما لو كان قد رصد له عدسة كاميرا لمراقبته .. المشهد هنا له عدة تأويلات ، فكأنا بالشاعر ليس راضيا عن نفسه إذ يساوي بينه و بين المتحدث عنه ، فهو و إن كانت زلاته ربما صغيرة إلا أنها كبيرة بنظره …
النص هنا يمثل قيمة شعورية قائمة بين الشاعر و نفسه ، و بين الشاعر و المُقارنِ به أو الآخر و ربما من يُماثله ، و كأنه ـ أي النص ـ حوار ذاتي يحمل جواز سفر الى الخارجي ، فالشاعر هنا هو المُتحدِّث ، مع العلم أن ما تضمنه النص يؤكد ان الشاعر ملتحم تماما بالكلمة ، فالعنوان هنا يمثل القوة التعبيرية التي تمنطق الرؤية القائمة لدى الشاعر، و على الرغم من كونه يعمل على تأطير النص الا انه مؤثر و ملفت للنظر ” ذات حلم “، فهو يبعث على التأمل و التأمل بحد ذاته عملية ذهنية تضيف جمالية خصوصا بهذا النص فقد اتخدت من الوهج الدلالي التأملي ممراً للولوج في عوالم الإبداع التخيُّلي الذهني و الوجداني على حد سواء .
فالقصيدة محملة بالكثير من الوجيعة ، الألم و التعب و متعطشة لشيء ما ” قد يكون حلماً بذهن الشاعر ” بل هي تنشده ، و مع كل هذا فإنها اصطليت من جحيم ، تكاد كلماتها تكون نارا تلفحُ الوجوه ، فلما كل هذه النيران و لما هذه النار المتأججة ؟ سؤال للإجابة عنه لابد من خوض التجربة مع الشاعر و الغوص بين حروفه لعلنا نصل لما أراد قوله فعلا ..
استمرار الخبر الشعري كامن هنا في الرؤية التي تبنتها القصيدة في التعبير عن نفسها من خلال الحديث عن الظلم بطريقة تكاد تكون غامضة ، حيث ارادت القصيدة ان تكون مرافقة للأحداث الخارجية ( الشارع العربي ) كي تؤثر في المتلقي ، فقد بدأها الشاعر بالحديث عن الشوق و الغياب و لهيب الهوى … و كأنها قصيدة غزلية ملتهبة بنار الشوق ، ليتحدث عن غائبة أقتنصت قلبه (الشاعر) بسهام عينيها ، لتسوقه لمن هو أكثر منه عشقا و هياما ..
و الثنائية هنا في حديث الشاعر عن نفسه و عن الآخر اثمرت جمالية فائقة ، حيث اتت تمنطق الرؤية الكاملة للقصيدة ، و الأجواء السائدة في العالم العربي خاصة ، حيث أكثر الناس يعيشون حياة الفوضى ، غارقين بالحب و المجون متناسين الظلم و ما يحدث حولهم من تطورات تهضم حقوقهم كشعوب ينبغي لها أن تطالب بكل حقوقها .. هي أوزار و ذنوب تجعل للفرد نصيبا من الإبتلاء ، فقد قال تعالى : (و نبلوكم بالشر و الخير فتنة) الأنبياء(35) و قال أيضا : (أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا و هم لا يفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ) العنكبوت ( 2 ـ 3 ) هي دار ابتلاء و العبرة لمن يعتبر ، يقول الله عز و جل : ( و إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) الإسراء ( 16 )
من هنا نفهم أنه لو كنا ملتزمين بأحكام و مبادىء الشريعة الإسلامية لولينا على أمورنا من هو أحسن منا و لما ابتلينا في هذه الدنيا و لما أصابنا الظلم ، و لو كنا يدا واحدة و رجلا واحدا ما تركنا الطغيان يعم بلادنا ، لكن كله منا ، فمن يظلم لا يهمه الظلم و من هو فاجر فاسق لن يعتني بالآخرين و لن يرعاهم أو يهتم لهم …
لكن كل هذا لا يمنع ان القصيدة انجرفت عما قصده الشاعر أو أراد قصده ، فهو يريد أن يتحدث عن الظلم بطريقة مرموزة لا تظهر للعيان بل تحس و تفهم .. و على العموم القصيدة حافظت على استمرارية ترابطها ، و تجلت قيمتها الفعلية من خلال التوظيف الدلالي القائم على الثنائية حيث المُتحدِّث ( الشاعر ) و المُتحدَّث عنه يشكلان معاً الصورة الشعرية في النص ، و لا ننسى الوصف الدقيق للحالة ( اللهو و العبث و المجون و الاَّ إكثرات …) من خلال استغلال معجم واضح ( نصطلي على جمر الشوق .. لهيب الهوى يلفحنا .. و زمهرير الغياب يمزقنا .. ).
الختمة كانت غير واضحة و مستعصية على القارىء ، و هي حجر الزاوية بالنسبة للقصيدة فعليها تأسس كل البناء ، كان يمكنها أن تكون متألقة لو اعتنى الشاعر بها أكثر ، و هذا يعني أن الشاعر في طور التعلم و يفتقر لأدوات شعرية قوية و متمكنة ، كنت أتمنى أن يأتي الرسم التصويري موفقا أكثر في رسم المشاهد ، و قد لا يظهر هذا جليا لكن الشاعر استطاع التنقل بسهولة من ومضة لأخرى و كأنه يصور مشاهد و إن كانت عدسة الكاميرا التي استعملها غير واضحة فقط عليه أن ينتبه في المرات القادمة و يحسن استعمال اللغة لتخدم المشاهد التي يريد نقلها بدقة …
لقد ألقى الشاعر الضوء على فكرة قلما ننتبه إليها و هي كون أبا لهب بكل اجرامه و ما ارتكبه من آثام يتبرأ منا و من إجرامنا و ظلمنا و كأنه يقول بصوتٍ عالٍ : ( و حقك يا رب ، أنا بالمقارنة معهم لم أرتكب ذنوبا ) بهذا كتب الشاعر فكرته التي يؤمن بها و التي لايمكن ان نعطيها بعداً وجدانياً فهي تمثل قضية ابعد من ذلك بكثير ، حيث أن الظلم السائد ( خصوصا ظلم الأنظمة العربية الحاكمة ) هي التي هيأت الشاعر للتعبير عما بداخله بهذا الشكل الذي نراه في القصيدة ، و الشاعر استطاع من خلال قصيدته هذه ان يأخذنا الى مساحات بعيدة محملة بالفكر النير الذي يجعل من الشعر قضية و هو ما لايمكن للشعر ان يكون شعراً بدونه

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: