أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار الثقافية والفنية / قصيدة النثر أزمة هوية … أم تغيير مفاهيم

قصيدة النثر أزمة هوية … أم تغيير مفاهيم

آفاق جرة
تحقيق– محمد باوزير

أسئلة كثيرة ازدحمت في ذهني وأنا أخط موضوعاً عن قصيدة النثر لدينا، فهي موضوع شائك لكن من الضروري أن نقف معها وأمامها، فهي الآن ذات حضور قوي وحين تأتي في وسائطنا المعرفية لا تأتي على استحياء كما كانت في إرهاصاتها، وإنما هي الآن تقدم نفسها بجرأة ودون وسيط نقدي، فهي وإن كانت منذ خروجها في أول ديوان “إلى متى يختطفونك ليلة العرس” للشاعرة فوزية أبو خالد في منتصف السبعينات الميلادية تأتي متخفية تارة وتارة سافرة بكلماتها في الصحف والمجلات.

خضر: تحولت جماليات هذه النصوص من البلاغي إلى جماليات ملتصقة بالحياة

وطوال هذه الفترة من الحضور أثبتت شرعيتها بل توهجها أيضاً ونالت الجوائز التي كان آخرها ما حصده الشاعر أحمد الملا حين نال جائزة الشاعر محمد الثبيتي قبل أشهر، ثم حدّث عن الأعمال التي خرجت مضخمة بهذا النص المدهش والمزعج أيضاً وما يحمله من إلهام وفيضان روحي متدثرة بمعجم شعري يلامس اليومي والمحكي والحِواري أيضاً، وإذا تأملت الصور في تلك النصوص فهي تعتمد على التراكم المعرفي بالشعر وتجاربه ومدارسه، وهناك ارتباط وثيق بين أحرف نهايات الكلمات وبين الإيقاع الذي يعلو وينمو حسب قدرة الشاعر في التقاط كلماته بدربة وعناية فائقتين.

الحرز: من يكتب قصيدة نثر يحتاج أن يعلي من شأن التركيز على ابتكار تصوراته

“الرياض” حملت جملة من التساؤلات عن حضور قصيدة النثر ومدى تفاعل المؤسسات الثقافية معها وما تقدمه لها، فكانت هذه الإجابات مع كوكبة من أقطابها.

محمد الحرز

( محمد الحرز )

جماليات التأثير

في البداية قال الناقد والشاعر محمد الحرز المهجوس بقضايا قصيدة النثر ومستقبلها وهو هنا يعطي انطباعاً مقتضباً عما هي عليه الآن قصيدة النثر إذ يقول: الحديث عن التحولات التي طالت التجربة الشعرية في المملكة منذ عقدين من الزمن لا بد أن يفتح الباب على عدة قضايا لا ترتبط فقط بالتجربة ذاتها وما يتعلق بها من سمات فنية أو أسلوبية، بل هي تلك القضايا التي شكلت رافعة اجتماعية وثقافية وأدبية لما سيكون عليه لاحقا شكل التجربة ولما سينظر إليها وعلى مسيرتها تاريخياً.

موكلي: ضرورة تحويل الثقافة إلى صناعة ودعمها بالمال

وأضاف: “من أهم تلك القضايا هي الوقوف على مجمل التصورات التي ارتبطت تنظيراً وممارسة للشعر في مشهدنا الأدبي، تفكيك هذه التصورات أو الاقتراب منها تحليلاَ وفهما يزيح الكثير عن تلك التساؤلات التي لطالما ألحت على الكثير من المهتمين، فعلى سبيل المثال: ما الذي يحدد الإقبال على كتابة قصيدة النثر؟ هنا يبدو السؤال بسيطا حيث من فرط بساطته تصعب الإجابة عليه، وصعوبته تأتي من جهة الجيل الثاني من الشباب الذين يكتبون قصيدة النثر؛ لأنّ الكثير ممن يكتبها منهم تتشكل قناعته شعريا بها من خلال ما يمكن أن أسميه جماليات التأثير والتأثر، وما أعنيه هنا بهذه التسمية هو وحدة التصور التي تعطى لقصيدة النثر عند مجموعة معينة من الشعراء الشباب، وعلى إثر هذا التصور يتم تبادل التأثير فيما بينهم سواء على مستوى الكتابة أو حتى الممارسة العملية للحياة اليومية”.

العتيبي: القصيدة الآن تخيط قميصها الجديد بعد أن تركت الخزانة القديمة

وأشار إلى أنّ الوضع بهذه الطريقة يمثل حالة طبيعية بالنسبة للشعر والشعراء بشكل عام، “لكن من يكتب منهم تحت ضغط هذا التصور لا يشعر أو يحس أنه خاضع بالضرورة للتقليد، وهنا تكمن المفارقة فشاعر قصيدة النثر يحتاج إلى تصوراته الخاصة عن القصيدة والعمل على ابتكار هذه التصورات يستغرق تجربته بالكامل، لذلك أنا أعلي من شأن التركيز على مثل هذه التصورات لأنها تكشف لنا بالدرجة الأولى مدى وعينا بكتابة القصيدة الحديثة، وعندما نكشف عن ما تمثله قصيدة النثر على سبيل المثال من مكانة في سلم القيم الثقافية والأثر الذي تتركه على تصوراتنا للحياة والعالم والمجتمع، وهذا لا يحدث كما قلنا إلا بتفكيك تلك التصورات يمكننا عندها فقط أن نحدد طبيعة الإقبال ليس فيما يتعلق بشكل شعري معين بل يتعلق بجميع أنواع الشكل الشعري”.

محمد خضر

(الشاعر والروائي محمد خضر)
كائن غريب

وعن قصيدة النثر وحضورها ومستقبلها يطرح الروائي والشاعر محمد خضر ملمحاً هاماً لها: “بعيداً عن المساءلات التي أشبعت نقاشاً حول قصيدة النثر خلال أزمنة مرت وهي نقاشات يبدو كان لابد منها لنصل لما هو أهم، هذا النص لم يعد ذلك الكائن الغريب والمنبوذ والمطارد والمشكوك في أمره، ها هو في الملتقيات والمهرجانات الشعرية الأهم، وها هو البعيد عن ذهنية التصاقه بتلك الحروب الصغيرة مع المناوئين أو الأشكال الأخرى، منفرداً وماضياً نحو آفاق وتصورات مختلفة عن مفهوم الدرس الثابت والنمطي والمرجعي ومتخلصاً من المبالغة في الدفاع عن لقب الشاعر بالمسابقات وغيرها، بل هاهو يقطع أشواطاً نحو شعرية بدت اليوم تحقق في عالمنا العربي تحولاً حتى على صعيد فهم وفلسفة جماليات الشعر، حيث لا شيء مقرر ومحدد سلفاً، بل هناك ما هو مغامر وتجريبي ومتصل بالفنون الأخرى وآخر ضليع في كتابة النص يطرق كل مرة نافذة جديدة بل يبتكرها ولو في فضاء مفتوح”.

وأضاف: “تحولت الجمالية من البلاغي الذي يشير إلى عدد من اللوازم والشروط المعهودة سلفاً إلى شرط الشاعر الخاص وجمالية ملتصقة بالحياة والمعيش، دراسات وندوات مهمة حول هذا المنجز، وجوائز صارت تعرف أن زمن تغييب هذا الفن ولى، وجيل وراء جيل، جيل مختلف بمفاهيم جديدة وأحيانا لديها ما تضيف أو ما تنقلب عليه أمام تجارب في قصيدة النثر نفسها، لم يعد المتلقي نفسه ذلك الذي ينتظر من يحدد له ذهنيته تجاه الشعر وتعريف الشعر، بل ثمة قارئ نوعي استطاعت قصيدة النثر أن تأخذه نحو العوالم الجديدة وقصيدة اليوم”.

وأشار إلى أنّ القصيدة الجديدة ليست تلك التي كتبها شعراء صغار في العمر أو جدد في الكتابة، بل تلك التي تعبر عن اليوم والواقع والمعيش لتأخذ الشعر والشاعر داخل التجربة، بدلاً من ذلك الذي كان خارجها حاملاً أدواته لا أكثر في تنظيم القول الإيقاعي، أو قصيدة النثر العادية المحمّلة بفكرة من الشعر الغربي، كرة من الشعر الغربي، القصيدة التي تعبر عن المشهد الشعري اليوم في أجمل تجلياته.


مجرد إرث

واتفق الشاعر ماجد العتيبي مع الشاعر خضر في ضرورة تجديد نص القصيدة، إذ يقول: “القصيدة هي كلام جميل وموسيقى خفيفة، هي تماسك متقن إزاء الكلام العادي، القصيدة هي بنت زمانها ونتاج ما حولها، كائن يتطور ويتجدد، كائن لا يرضخ للصفات المتنحية والسائدة في كروموسوماته، هي الجين الشاغل للأدب عموماً، القصائد الطويلة والملاحم، فقدت الكثير من سمعتها وجماهيرها، وأصبحت مجرد ارث وتكنيك لزمان قديم، الذين يقرضونها الآن، يشبهون الفلول القليلة التي ما زالت تصنع الفخار وتدبغ الجلد يدوياً، من أجل المشاركة في مهرجانات التراث!”.

وأضاف إنّ الواقف على المشهد الآن يعرف تماماً، أن القصيدة تأثرت بالزمن وأصبحت تشبهه تماماً قصيرة وسريعة.. يمكننا أن نقرن هذا التحول بنضوج المتلقي وتأثره بما حوله من فنون وتقنية، ساهمت مجتمعة في صرف نظره عن تبديد الوقت والبطء في تناول قصيدة طويلة من أجل فكرة ممسوسة وصورة واسعة، استطاعت قصيدة النثر اختزالها في ومضة، “في عصر النهضة الأوروبية كانت الملاحم (The epic) والقصائد الطويلة تجد الرواج الكافي والمناسب لرتم ذلك الزمان، ورغم ذلك ظهر ما يسمى (Sonnet) وهي قصيدة قصيرة بدأ بصياغتها الإيطالي بترارك 1304م/1374م وانتشرت كالنار في الهشيم، في أوروبا كلها، وتأثر بها كل من جون ملتون وشكسبير، القصيدة بدأت تتحرر، لم تعد مجرد قطعة مصبوبة لقالب واحد، تشارك غيرها الهيئة نفسها وتختلف في المحتويات فقط، لم تعد تلك الطبخة التي تحمل الاسم المشترك نفسه والنكهة، ولكن بمقادير مختلفة!. القصيدة الآن تخيط قميصها الجديد، بعد أن تركت الخزانة القديمة”.

وأشار إلى “الهايكو الياباني، رباعيات الخيام، ومضات ابن الرومي، كلها اشتغال وتهيئة لنبوءة بدأت تتضح الآن رسالاتها في هذا الزمن السريع، الذي جعل من 140 حرفاً كافية لصياغة نص كثيف ومكتمل، كما يفعله تويتر الآن! يجب أن نؤمن بأن القصيدة ليست بمنأى عن التقنية والتطور، بل هي نسق في الثيمة المشتركة بين كل محتويات هذا العصر ألا وهي السرعة والدقة”.

عبد الرحمن موكلي

(الشاعر عبد الرحمن موكلي )

عمل تنموي

من جهة أخرى يتجه الشاعر عبدالرحمن موكلي إلى مؤازرة المبدع وطبع أعمال هؤلاء الشعراء وشراء نتاجهم الفني، ويذكر أيضاً: “من خلال اللقاء الذي تم مع ولي ولي العهد كرر أكثر من مرة حديثه عن الثقافة محددا نقاط الغياب وعدم الحضور الفاعل في بلد يشكل قارة بتعدده الثقافي، لذلك لابد من البدء من العمل من خلال استراتيجية ثقافية مستقبلية تجعل من الثقافة عملا تنمويا ومنتجا حضاريا، وتحويل الثقافة إلى صناعة، بدءا من المهرجانات الثقافية إلى معارض الكتاب وطباعة وتسويق الكتاب، وتعزيز دور المؤسسات الثقافية القائمة وفتح مؤسسات جديدة ودعمها بالمال والتجهيزات اللازمة، والاهتمام بثقافة الطفل والمرأة، والعمل على إرساء قاعدة معلومات ثقافية، والمحافظة على الموروث الثقافي وتدونيه وفهرسته هذا على مستوى الداخل، على مستوى الخارج لابد من جعل الثقافة أساساً للتعاون والصلة مع دول مجلس التعاون، وكافة الدولة العربية، والتركيز على خلق علاقات ثقافية متميزة مع دول القرن الأفريقي المجاورة لنا، وتسويق وتصدير ثقافتنا الجمالية للعالم بطرق مميزة ومبتكرة، بما يعزز البعد الحضاري للمملكة، والقيم الإنسانية المشتركة مع شعوب العالم على مستوى المبدعين والفنانين والأدباء”.

وأشار إلى أنّه لابد من دعمهم من خلال شراء نتاجهم الإبداعي والفني، وتخصيص صناديق إعانة لهم، وتفريغهم – على الأقل – لفترات زمنية لإنجاز مشروعاتهم الإبداعية والفنية على مستوى المؤسسات الأهلية الثقافية لابد من تفعيلها وجعلها تعمل بشكل مواز مع المؤسسات الرسمية، وخلق مناخات جيدة للتعاون والتنافس، ودعمها بالمال والمقرات خصوصا أندية المسرح والفرق الفنية والشعبية التي سيكون لها الدور الكبير مستقبلا في تعزيز الثقافة والفنون كصناعة وجعلها جزءا من حياة المجتمع، وتعود بمردود اقتصادي على العاملين فيها وعلى الوطن بشكل عام.

 

 عن جريدة الرياض  السعودية 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: