أرانب / بقلم: هدى الشماشي (المغرب )                    

 

– فيما يخص الأرانب، فقد رآها يومها أيضا.

– هذا تحقيق صحفي.

– حسنا هذا حديث بيننا فقط.

نهض الصحفي وطلب مني أن أدله على المرحاض. أشرت له بيدي إلى بابه وابتسمت له. هذا ما يحدث لفمي عادة دون قصد، أما مسألة الأرانب فأنا واثق منها كما أثق بشرف أمي.

ولكن من يريد أن يستمع لك؟ جاء هذا الصحفي وقبله آخر، وطلبوا مني أن أروي ما حصل بالتفصيل الشديد، وحين وصلت للأرانب تجنبوها تماما وكأنها تريد أن تثقب عيونهم.

الأول كان أسوء من هذا. جحظت عيناه وقال لي مؤنبا: من تظنني؟

وأنا طبعا لا أظنه شيئا على الإطلاق، وعدا ذلك فإن موت صديق يجلب لك بعض الحزن بالتأكيد، وحين يحصل هذا فلا يهمك أن تظن شيئا حول أي صحفي أو غيره.

عاد بعدها من المرحاض ويداه تقطران ماء. طلب مني منشفة، ورفعت أنا صوتي مناديا زوجتي: يريد منشفة.

إننا لا نستعمل منشفة ولكن لا شك أن ثمة واحدة للضيوف. جاء ابني يعرج بعدها وقدم له منشفة وردية كبيرة.

– ما به؟

– ولد هكذا.

تابعه ببصره ثم قال دون أن يبدو مهتما فعلا: والآن لنتحدث عن صديقك.

– لنتحدث عن صديقي.

– قلت أنه كان قد استدان مالا.

-لم يستدنه، لا. حمادي لا يفعلها. زوجته باعت خاتم الزواج وأعطته المال. إنها امرأة طيبة، وأغلب الظن أنها ستموت الآن بعده.

– ركز على حمادي.

– اشترى عربة خضر، جزر وبطاطس وبرتقال. فعل هذا في الصباح الباكر بعد أن صلى الفجر وهو أمر لا يفعله عادة، ولكن هذا لا ينقص منه شيئا. حسنا، ثم ذهب معنا، وبدأ النهار على نحو جيد.

– كنتم تبيعون في مكان ممنوع.

– حسنا لا بأس إن كان هذا يفيدك، فقد سبق وأن منعونا من البيع هناك.

– ولكنكم ذهبتم.

– مرات لا تحصى، ولكن بالنسبة لحمادي كانت مرته الأولى هناك.

انحنى وكتب أشياء على مذكرته. إنه يسجل صوتي أيضا، وهذا لا يضر ما دام قد أنقدني مالا. إنه أسهل مال حصلت عليه على الإطلاق.

– دعنا نقول أنه أراد أن يموت.

– لا، لم يكن يريد أن يموت.

حطت ذبابة على أنفه فأبعدها ممتعضا. في الخارج كنا نسمع أذان العصر وفي الغرفة الأخرى أنفاس زوجتي وأبنائي. إنهم يسترقون السمع، ومع ذلك فسيطلبون مني أن أحكي لهم ما قلناه حين يغادر.

– الرجل كان رجلا عاديا. ليس مجنونا بالتأكيد.

– والأرانب؟

– حسنا دع هذا بيني وبينك. كان يراها في بيته. أحيانا تحت السرير وأحيانا في المرحاض أو المطبخ وهذا ما جعله يعاني. في لحظته مع زوجته مثلا، أنت تفهمني، ثم فجأة يرى أرنبا يركض ويختبئ تحت السرير، هذه مشكلة.

– أخبرك هو بهذا.

– إنه صديقي. ظن في البداية أنه جن يا سيدي، وانتظر الأسوأ، ولكن الأسوأ لم يحدث أبدا. أرانب فقط، وهذا طوال سنة كاملة تقريبا.

– هل تريد مني نصيحة؟ لا تذكر هذا أبدا للآخرين حين يأتون.

نظر إلي نظرة طويلة. كانت النظارات الطبية التي يستعملها أكبر من مقاسه قليلا.

– أنظر إلي. انس هذا حين تتحدث إليهم، والآن واصل قصتك.

– كنا نبيع بضاعتنا في أمان الله. كانت الحرارة خانقة واحمر وجه حمادي ووجهي أيضا ربما، ولكنني لم أكن أنظر إلي. بجانبي كانت منانة بائعة الملابس الداخلية، وهي التي لمحتهم أولا حين جاؤوا، ثم بعد ذلك اختلط كل شيء.

– أخذوا بضاعتك أيضا.

– طبعا. كان ثمة من استطاع أن يركض، لكن بالنسبة لنا، كيف نركض مع عربة؟ منانة أيضا لم تستطع أن تهرب، فانطلق من فمها سيل شتائم بذيئة. قالت بصوت عال: خذوا، خذوا تبانات لزوجة القائد.

وظلت تكررها حتى ضحك بعض الباعة. صدقني يا سيدي يمكن للإنسان أن يضحك في كل الظروف.

– وحمادي؟

– هو لم يضحك يا إلهي ولم يشتم. ظل صامتا لوهلة وهو ينظر أمامه فقط، وحين انتبهت إليه كان وجهه غائما، وقلت لنفسي: لقد ظهرت الأرانب.

– قلنا أننا سنتجنبها.

-حسنا لنتجنبها. ظل حمادي صامتا وجلس على الأرض ممسكا برأسه. كان رجال الشرطة والباعة يركضون أيضا، أما منانة فتتحدث عن جسد زوجة القائد، وحينها نهض على قدميه، ومشى كنائم إلى حيث اختبأ بائع سكاكين العيد.

ناديته: حمادي، فأجابني بوضوح: أنا لست حمادي، أنا لست رجلا.

-كيف حصل على السكين؟

– كيف أعرف؟ انشغلت لدقيقتين وفجأة سمعت صياحه. أمسك بسكين ذبح كبيرة وصرخ: تريدوننا أن نموت. كان هذا مخيفا حقا، وإذا كنت تريد الحق، فهو لا زال يجعلني أرتعش الآن.

– والشرطة؟

– لم يستطيعوا الاقتراب منه. إنه رجل ضخم وعدا ذلك فقد كان يطوح بالسكين. قالت منانة لشرطي بجانبها محرضة: اذهب وخذه منه، فنظر إليها نظرة شاردة، أما حمادي فكان يصرخ، والآن لا يذكر أحد منا ما كان يقوله، ولكننا استمعنا له جميعا، وبالنهاية فتح أزرار بنطاله بيد  واحدة وأخرج عضوه.

– أمام الناس؟

– أمام الناس ولم يخجل أحد. لم تغمض أي امرأة عينيها كما أظن. مسده بيديه وقد كان عضوا رائعا حقا، ويمكنه حتى أن يفاخر به.

صرختُ به: هذا ليس مسرحا يا حمادي.

ولكنه كان قد مضى بعيدا، ولا أظنه قد بقي على اتصال معنا. نظر للسماء فقط وانتشر ظلام على وجهه، وعندها فقط هوى بالسكين على عضوه مرة واحدة.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: