يونيو 27, 2022

أسعدُ رجلٍ في العالم. قصة: نجيب كيَّالي

لصحيفة آفاق حرة

 

أسعدُ رجلٍ في العالم
قصة
نجيب كيَّالي

هكذا.. كان يسمِّي نفسَهُ رغمَ فقره ومتاعبه! لم يرقص بجسده أبداً، لكنَّ قلبه كان يرقص في أكثر أوقاته!
سرُّ سعادته فردوسٌ صغير يأوي إليه كلَّ يوم.
فردوسُه ليس سماوياً بعيداً، لكنه ذلك المثلث الدافئ الأبيض فوق صدر حبيبته، إنه وسادةُ روحه، ومحطَّةُ رأسه المفضَّلة!
تمرُّ من هناك ثلاثة أنهار: الأول نهر الراحة، الثاني نهر النشوة، الثالث: نهر المحبة الصافية، وفيه أسماكٌ تُسمَّى: جميل وبثينة، قيس وليلى.
فوق الأنهار شجرةٌ خضراء أكبرُ من السماء، يقف عليها طائر. الطائر صديقُه يُعلِّمه الشِّعر. كلُّ قصائده التي كتبها- وهو شاعر معروف- هي وحيٌ لطيفٌ من طائره!
فجأةً.. بعد ثلاثين عاماً حدثَ أمرٌ مرعب أو مرعبٌ للغاية.. وجد نفسَهُ مطروداً من فردوسه! ومع الطرد نزلت به خسارةٌ ثلاثية أقسى من خسائر البورصة، والحروب المجنونة! الحبيبةُ، والحبُّ، والشِّعر، كلُّها ذهبتْ!
بحجم أنهاره الثلاثة فاضت دموعه، لكنَّ ذلك لم ينفعه!
صرخَ في عتمة أحزانه كذئب جريح، فلم يجد أيَّ جدوى!
كتبَ على باب بيته: هنا يسكنُ أشقى رجل في العالم!
في أحد الأعياد مرَّ مَلاك الفرح الذي يوزِّع السعادةَ على البيوت، دخل إليه، فوجده جالساً في الظلمة! ولمَّا قصَّ عليه قصته قال المَلاك:
– إذا كان بينكما خصام فأنا سأصالحكما، أو كانت تسعى لهديةٍ ثمينة فأنا سأتدبَّر أمرَ الهدية، أو…
بعد صمتٍ ثقيلٍ كحجر أخرج الرجل من جيبه ورقةً عليها شريطٌ أسود، قرأها الملاك، فانخرط الاثنان في بكاء. لقد ماتت الحبيبة منذ سنة، وهذه نعوتُها!
مرَّت دقائقُ شديدةُ الوطءِ كعجلات قطار، وإذ بالمَلاك ينهض بعدها ويفتح النافذة!
ثم يُغنِّي لحناً حزيناً، وآخرَ فَرِحاً! وتصاعدت حِدَّةُ المفاجأة، فالمَلاك قام باحتضان الرجل المحطَّم، وقال له جُمَلاً بدت غامضةً أوَّلَ الأمر:
– بوسعكَ استعادةُ الفردوس يا أميرَ الحزن، ففي قلبك صورةٌ ثانيةٌ له. غُصْ في داخلك كسمكة، وعِشْ معها من جديد.. من جديد.
غادر المَلاك باسماً، بينما ظلَّت جُمَلُه تدور حولَ الرجل، ومعها شعاعٌ يزداد بريقُه!
*

٢٠٢٢/٦/٢٦

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. فاز بجائزة (محمد إقبال حرب) للرواية العربية لعام 2021م. الروايات المطبوعة هي تشكيل لرباعية الثورة السورية. -(دوامة الأوغاد/الطريق إلى الزعتري/فوق الأرض/خلف الباب). ورواية (خيمة في قصر بعبدا)، المخطوطات: رواية (بين بوابتين) ورواية (تراجانا) ورواية (دع الأزهار تتفتح).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: