السجين / بقلم : إبراهيم الحكيمي / اليمن

في رأسه، تدافعت الأفكار، وثب قاسم من على فراشه كالملدوغ، أمام المرآة المُشقّقة، وقف يصفّف شعره، مسح عينيه بسبابتيه، وخرج يضرب بيديه السمينتين أبواب السكن: – صلاة.. صلاة. تتصاعد الحرارة بين صِدغيه كبركان في أسوأ حالاته، يقتحم الأبواب، يشعل الأضواء ويصرخ بغضب رجل هُتِك عِرضه: – أفيقوا يا فَسَقَة.. من غير جماعة، لا صلاة. وقفز بجثته الضخمة على أحدهم، ينزع عنه الملاءة، ويتقلب الأخير بنصف وعي، يتلعثم فمه: – الآن.. سأنهض الآن.. ويلوي الوسادة على رأسه. يقف على رأس الآخر، يركل مؤخرة رأسه، ينفجر ذاك غاضبًا: – لا شأن لك بي يا أحمق.. يخرج قاسم مسرعًا كمدرعة حربية، ترتعش تحته الأرض.. يجلب كأس ماء بارد، يصبه دفعة واحدة على وجهه، مرددًا بأنفاس ثائرة مُجهَدة.. عليكم اللعنة.. أيها الكفرة.. انتفض النائم كالممسوس، واقفًا يقوّس قامته، مجنبًا الماء من المرور على صدره.. خرج بهدوء، وعاد محتضنًا خزان الماء المحمول، صبّه دفعة واحدة بنشوة وغضب على رأس قاسم الذي كان يحوم كالمجنون في الغرفة، لينطفئ كالجمرة بعد شهقة أطلقها، وركض إلى غرفته، يغيّر ملابسه.. يتمتم ويصرخ بكلام تصل معانيه مشوشة وغير مفهومة.. خرج وقد كسى وجهه ليل بهيم، تعود له ذكرياته القديمة، يوم كان يُعلِّقه أبيه من قدميه نصف يوم إن استهان بالعبادات، فتملّكته هذه الرهبة وشغلته على أقلّ المحاولات العابرة في فهم مغازيها.. تذكّر ذاك الصراخ حول أذنيه المنكوستين.. (كاااافر يعيش في بيتي!) وأخذ الألم والقلق يعبثان في قلبه كلما سَمع صوت الآذان.. قام الإمام، بعد الصلاة، اقتضب كلامًا حول ثمار العبادات، وتطويعها لنفس الإنسان وإصلاحه، ما يُرجى أن تتركه في الروح والقلب من أثر.. ممارستها بحب، والاستدراج إليها بحب، هي حب، ختم كلامه وقعد يتلو أذكار الصباح. بحيرة، خرج قاسم يركل الحصى طوال الطريق، مارًا بالبوفية، يفرغ كأس شاي في جوفه، عادات القرية التي ما زالت متشبثة بحواسه.. وذات الضيق الحميم الذي لم يفارق ملامحه منذ قدِم. انتقل قاسم من القرية منذ أربعة أعوام، على وشك إكمال دراسته الجامعية.. في السنة يلتزم بخمس محاضرات كحد أقصى، يضع عملة معدنية كل صباح بين إبهامه وسبابته ويمارس لعبة الحظ على وجهيها بين ذهابه من عدمه، ويُخمد ضميره بالقدَر الذي يختار له غالبًا النوم، وتوفير مال الدراسة لشراء القات والتدخين.. ليتسرب من بين أضلعه بعض القلق الذي يستعمره بشراسة… – يمكنك نيل علامات النجاح وأنت في المنزل، يقولها ويبرر، أهون من الخسارة والتعب. زملاءه منشغلون بالاستعداد للجامعة.. يدخل قاسم.. يسير وكومتين من الشحم تتدليان من أطراف خصره، يغادر الجميع.. يعود هو للنوم.. محاضرة اليوم يلقيها الدكتور صُبحي، الكافر القذر، الذي لا يطيقه.. يكاد رأسه ينفجر من الغيظ.. يشعر بالعار إذ هو جزء من هذا الوجود.. يغيب رأسه وسط الوسادة، ويطلق زفرة تساؤل، لم هذا الضيق بعد قرآن الفجر؟

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: