اللّـــقيـــط / بقلم : الروائي والقاص الأردني توفيق أحمد جاد

..

 

في ليلةٍ من ليالي الربيع الدافئة.. تنساب نسمات لطيفه على محيّاها. جلست على شرفة منزلها المطلّة على  البحر.. ترتشف فنجان قهوتها، تنظر إلى البحر.. تتيه وتسرح في خيالها مع كل رشفة منه.. تعود إلى ذكريات الأيام الخالية، تارةً تبتسم.. وأخرى ينقلبُ الخيال على وجهها، فيعكس شحوبه وشحوب نور البواخر الرّاسية في عينيها.

اجتاحها شعورٌ غريب.. لم تعهده من قبل. وكأنّه يحثها على استغلال اللّحظة، ليضفي عليها جمالًا.. ربما يقودها إلى القهقهة.

داعبت النسمات البحرية الربيعية خصلات شعرها الأشقر.. الذي تدلّى على وجنتيها، فزادها سحرًا فوق سحرها.

كانت تلك الخصلات تحمي وجنتيها.. وكأنها تخاطبها في حركاتها وتقول لها “قرّي عينًا يا جميلة.. فأنا حارسة وردتيك الحمراوين”.

وبينما هي غارقة في هذه الأجواء الشّاعرية.. اكتملت رومانسيتها  بعودة سليم إلى المنزل.

جاءها من خلفها.. وضع كفيه على وجنتيها بلطف.. قَبّل رأسها بحنان، وكأنّه لا يريد أن يغيّر تقسيمة شعرها الّتي صففتها هي والنسائم.

هو: مساء الخير حبيبتي

هي: أهلا بعودتك سالمًا يا سليم

هو: أنتِ والقهوة والبحر.. لحظات رومانسية تعيشينها.. وأنا المتطفل!!

هي: اكتملت بحضورك حبيبي.. لكن.

هو: لكن ماذا؟ قولي.. هل أنا متطفل فعلاً؟!.

هي: لا تهتم ..هو مجرد شعور لا أكثر.

هو: وكيف؟.

هي: تارة أستمتع بجِلستي، ويساورني شعورٌ جميل.. لم أعهده من قبل، وتارة أخرى، يزعجني شعور غريب.

هو: فهمت، تداخل الأحاسيس لديكِ، يعني أننا يجب أن نخرج للسير على الشاطئ.. فهو الكفيل بالتخلص من تلك الأحاسيس المتشائمة.

هي: يا ريت، لكنّك متعب!

هو: لا عليك، سأبدّل ملابسي.. وأنت أيضًا

هي: حسنًا، سأذهب لتجهيز نفسي.

فتحت خزانة ملابسها.. وقفت تنظر فيها محتارة “ماذا سأرتدي! هذا؟ لا بل هذا.. ربما هذا! ”

فكرت كثيرًا.. وما زالت في حيرة، لكنها فنانة في أناقتها وحتمًا ستختار الأفضل.

وقع نظرها على فستان سكّري اللون، تزيّنه وردة حمراء صغيرة على صدره.. تُعطيه مسحة عاطفية.

أحسّت بأنه لا يناسب موعدها مع زوجها، فهو فستان احتفالي.. لكنّ يدها امتدت إليه، ودون سيطرة على تفكيرها ونفسها.

لبسته بهدوء، وحرصت على أن تكون في كامل أناقتها وجمالها، وأضافت على ذلك رشّتان خفيفتان، من عطرها المفضل عند سليم، ليكتمل بذلك المشهد الأنيق.

حضر سليم، وكان الآخر قد اختار “بذلة”.. كان اختياره عفويّاً تمامًا، وكان قد تفاجأ أيضًا باختيار زوجته للفستان الرسمي!.

نظرا إلى بعضهما يرضى وتسليم.. ابتسم الاثنان.. أمسكت بذراعه.. وكأنّها عروس تُزف إلى أميرها.. وتوجها إلى الشاطئ.

هناك على الشاطئ كشك صغير متواضع، توجها إليه، وطلبا بوظة مغطاة بالشكولاتة، لتبدأ جولتهما حول الشاطئ.

ابتعدا قليلا عن الناس والاكتظاظ، حتى وصلا إلى منطقة خالية.. فجلسا ليكملا البوظة التي أوشكت على النفاد.

جال في خاطرها ربما سنوات زواجهما.. كانت سنوات سعيدة بحلوها ومرها، لكن….

هي: حبيبي .. وهمست له بعينيها.. أن أقترب

هو: ماذا هناك؟

هي: أرى هناك شيئًا به حركه.

هو: نعم، ذاك كيس يتحرك بفعل نسيم البحر!

هي: لا.. لا، لو كانت حركته بفعل نسيم البحر لطار.. أودّ الاقتراب منه

هو: اهدئي يا عزيزتي، ليس هناك ما يدعو للقلق.

جلست، وعيناها تتفحصان حركة الكيس.. بدا عليها القلق وأحسّت أنّ هناك ما يشدّها إليه.

قامت مفزوعة وقالت لزوجها: هيا أرجوك.. قم معي، أريد أن أرى ما في الكيس.

سار الاثنان باتجاهه بحذر شديد، حتى وصلا إليه.. فتحه سليم، وكانت المفاجأة الكبرى!

إنّه طفل!.. بسرعة وارتباك.. حملته وضمّته إليها، وقد فاضت عيناها من الدمع.. “إنه حديث الولادة..

يا إلهي.! ما الذي حدث لك يا صغيري، هيّا.. هيّا يا سليم، فلنعد به إلى البيت.. إنه يحتاج إلى الكثير من الرّعاية”.

هذا ما تحتاجه حقا.. طفل.. أمومة.. وحنان.

حاولت ريما أن تُكمل سعادتها بطفل يلوّن حياتها.. ذهبت و زوجها إلى أمهر الأطباء، وأقرّوا جميعا بأنّها عاقر.. لن تنجب أبدًا.

كانت صدمة سليم كبيرة جدًا، لازمته حتى بعد أن رجعا للبيت..

هل سيُبقِي على الطفل.؟ أم سيُرسله للشرطة؟ ويُميت سعادة زوجته التي وُلدَت من الصخر!

لكنّه عطَفَ عليها وأشفق، عندما نظر إلى حرمان عينيها..!

أما هي.. فأخذت تداعب الطفل، وكأنّه وليدها.. نسيت زوجها والدنيا ومن فيها، وحلّقت في سماء الطفل!

صاحت بسليم: ما بكَ تقف هكذا؟ ألا ترى حاله! هيّا أسرع، واذهب للصيدلية، وأحضر الحليب للطفل. قد نفقده بأيّة لحظة!

ذهب سليم، ولم يتوقف الطفل عن البكاء.. حتى صارت ريما تبكي لبكائه، وتهمس له “أرجوك يا حبيبي، أرجوك اصبر.. سيأتي بابا ومعه الحليب.. أسكت يا رزق”.

نادته رزق.. دون وعي منها.. وصل زوجها، وأعطته الطفل قائلة: “امسك رزق.. ريثما أجهّز الحليب”.

نظر إليها باستغراب.. قال لها: ” أأسميته أيضا؟ ”

لم تُعِره أيُّ اهتمام، وانشغلت بتجهيز الحليب.. عادت لتلقف رزق من بين يديه.. وضعتهُ في حجرها، وأخذت ترضعه من القنينة، وتنظر إلى عينيه الزرقاوين، وتبتسم ابتسامة عريضة.

قالت: يا الله! الحمد لله الذي وسعت رحمته كل شيء.. الحمد لله الذي رزق العاقر طفلاً.. سأعتني بهذه النعمة ما مكنني ربّي..

أخذت يدها تداعب شعيرات رأسه، والأخرى تخط بسبابتها على وجنتيه.. وسليم ينظر إليها نظرة الشفقة والرحمة، وقال لها: ” مبروك علينا رزق.. يا أم رزق”.

 

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: