الوصـــــيّة/ بقلم توفيق أحمد جاد

 

غضب جدّي.. جدّي الذي يسهر من أجلي اللّيالي.. وأسقاني من الحب و الودّ، ما لم يخطر ببالي، فهو يدلّلني ويربّيني وأنا وحيده من الأحفاد.. لا أخ، لا أخت ولا حتّى غوالي، فقد غابوا في أحلك الّليالي، بحادثتين على التّوالي.

الأول، كان غرق أخي أحمد وأختي سالي، والثّاني كان سقوط أحد المباني.. لم ينج منهم أحد. غَضَبُ جدّي اليوم كان نتيجة إهمالي، فأنا ألعب على ظهر “السّيبة” فرِحا لا أبالي، إلى أن سقطتُّ على أغراض البيت والأواني في الحقيقة، كدت أموت لولا رحمة الباري، هرع جدّي إليَّ وناداني: ما الذي حصل أيّها الشّيطانيّ؟

يناديني بالشّيطاني.. وهو الّذي بأحسن الأسماء سمّاني! لكنّي أستحقّ ذلك، فقد دمّرت المكان ولم أبالِ فاستشاط غضباً، “وبالباكور” رماني. عدتُ إلى حضنه بعد ساعة متودداً طالباً صفحه، وقلت: “جدّي.. أرجوك أن تسامحني”.

قال: ما الذي دفعك للصعود على “السّيبه”؟

قلت بأسف: كانت لحظات طيش جاهلة.. لم أتوقع السّقوط عنها!

قال: حسناً، الحمد لله الذي سلّمك هذه المرّة

قلت: ولكنّي يا جدّي تسببتُ بإتلاف أغراضك.. وكسرتُ فانوسك و صحون جدّتي.. وبعض الأواني!

قال: انْتهِ عن ذلك ولا تعد لمثل هذا الّلعب! أنا أسعى لأن تحظى بطيب الحياة قبل رحيلي، فأنا لن أعيش لك العمرين.. قدِّر محاولًا، وساعدني في أن أسعَد بك شابّاً خلوقاً.

في تلك اللحظات.. ازدحم صدري ضيقاً ورحمة بعينيّ جدّي الناعستين وفي حالة تقارب اللاوعي قلت:- وقد مسحت بيدي دموعه الجليلة- أعدك يا جدّي أن أعيد كلّ شيء كما كان و أحسن.

قال: فقط تابع دروسك وتفوّق بها وسأكون بذلك مسرورًا. ما ضاع منّا سيعوّضنا الله به خيرًا. والآن قم واكنُس الأرض من آثار الزّجاج المكسور.

ومما يستحق أن أذكره، أنّني كنت معجبًا كثير الإعجاب بجارنا محمود، رجل هادئ الطّبع، دمث الخلق، يقدم على مساعدة كلّ الناس. وما كان يميّزه أنّه لم يتلقّ تعليمه وليس لديه أدنى فكرة عن المدارس.

كنت أراقبه، وكنت أكتشف كلّ يوم أنّ الجار محمود لديه من الصّفات الحميدة  الشّيء الكثير.. وفي حال غضبه كان لا ينطق إلاّ بـ ” الله يهديك”

كان محمود وحيدَ والدته، لأب ثريّ كثير الصّدقة.. كثير القيام والصّيام، ومحبوب من الجميع، علِم محمود بما اقترفتُ و أتلفتُ في بيت جدّي. فناداني بصوته الهادئ: تعال يا يزن وأخبرني بما جرى وكيف لك أن تُغضِب جدّك.

– قلت: في الحقيقة لقد أخطأت، فقد أتلفتُ الكثير من الأواني في المنزل.

– قال: حسنًا، سأذهب معك بعد صلاة العصر واحرِص أن تتواجد هناك، سأسعى لك بنيل رضاه ومسامحتك.

– قلت: أشكرك على ذلك، فأنت بمثابة أخي الكبير.

– قال: أودّ منك أن لا تكون شقياً في البيت، كُنْ هادئًا و عونًا لجدك. فكما تعلم هو طاعنٌ في السن ولا يستحقّ منك إلا جميل التعامل، والحب و الاحترام.

وما هي إلا ساعة حتى رُفع أذان العصر. ذهبتُ و محمود إلى المسجد.. في الواقع لم أكن ملتزمًا بالجماعة أو زيارة المسجد، لكنّي أودّ أن أذكّر محمود بزيارتنا، وبعد الصلاة ذهبتُ وإياه إلى البيت.. وكان جدّي قد عاد من المسجد القريب – رأيته كيف يمشي الهوينى، ويحاول الاتزان، حتى لا يقع أرضًا.

هرعنا إليه، وسندناه.. سأله محمود عن أحواله، فكانت إجاباته مُقتضبة – وكأنّه يومِئ إليّ بالعتب-، حاولتُ التزام الصمت وكأنّي لم أفهم.

وصلنا البيت، ودعا جدّي محمود لاحتساء كأس من الشّاي.. فأجاب بالقَبول. تبادلنا أطراف الحديث.. ومع مرور وقت قصير بدت على جدي ملامح الهدوء.. وانشرحت أساريره، وأخذت الضحكة والقهقهة مكانها على مُحياه.

شعرتُ براحة وطمأنينة.. جدي قد سامحني.. ولكنه مجرد شعور!، استأذن محمود بالذهاب، ولم يتكلم مع جدي في موضوعي وكأنّه لا يريد إثارته من جديد.

غادرَنا بهدوء.. وودعناه شاكرين له حضوره. نظر إليّ جدّي مليًّا، وأطال النظر.. قال لي تعال واجلس جانبي لأروي لك قصّة جميلة. سعدتُ.. وأسرعتُ إلى جانبه مُسلّمًا كل حواسي و متشوّقًا لسماع قصّته. فقصص جدّي فيها المتعة والنصيحة، وذات مغزىً وهدف. حدّثني جدي، فقال: كان يا ما كان في زمان ليس بقديم الزمان. يعيش ببلدنا رجلا شيخًا صالحًا عظيم الشأن، وكان له ولد. كان حبّه لولده أكبر من أيّ شيء.. كان المدلل الشّقي والصاحب الصغير.

لكن حال ذلك الولد كان يختلف عن حال أبيه، لأنّ له صداقات من أسوأ الصداقات.

كان شيخنا هذا  يحاول جاهدًا أن يحسّن نشأته، لكنّ الجهد مع ولده عبث، فهو إن صحّ التعبير” كالقربة المخرومة “.

ومما كان يطيل صبره على ولده، قصّة سيدنا نوح عليه السلام وابنه الكافر، فيقول في نفسه “ومن أنا من نوح -عليه السلام- !!..على  كل الأحوال الصبر والهداية من الله”. كان ولده لا ينفكّ عن تكرار المشاكل مع الناس، والشيخ يدفع ثمن أفعاله. هرم الشيخ.. وأصبح طريح الفراش، يزداد قلقه على حال ولده ويَرقب اللحاق بالرفيق الأعلى.

ذات يوم، دعا ولده للجلوس إلى جانبه.. ربتَ على كتفه، وقال له: لم أطلب منك طيلة حياتي طلبًا واحدًا يُثقل عليك، أمضيتُ سنين عمري  ساهرًا على راحتك ملبيًا لمطالبك و دافعًا عنك أذاك لنفسك. لكنّك بكلّ أسف لم تستطع على الأقل أن تنقذ نفسك وتصلحه.

على كلّ حال، سأوصيك بوصية تعمل بها بعد موتي مباشرة، احرص على الالتزام بها فهي آخر مطالبي، وتذكر أنّك سترث من بعدي الكثير من المال والعقارات.

أكمل الشّيخ وصيته قائلا : أوصيك يا ولدي أن تبقى على ما أنت عليه من زنا ولعب قمار وخمر. فإن أردت أن تلعب القمار، فلا تلعب إلا مع “شيخ اللاعبين”. وإذا أردت شرب الخمر، فاذهب للحانةِ بعد العِشاء. واذهب للزنا بعد انتصاف الليل أو أوائل الفجر.

 

قاطع يزن جده مستنكرا: ولكن يا جدي.. هذه ليست وصيّة!

فأجابه: أعلم، وهذا ما قاله فعلًا الشاب لوالده. لكنّ الشيخ أشار بالسكوت وتنفيذها بعد موته.

مضت أيّام قليلة، وتُوفي الوالد الشيخ.. كان حزن ولده عليه كبيرًا، وكان قد أحسّ فعلا بنعمة الأب.

لكن الشاب في مِحنة، فوصيّة والده كانت تأكيدًا لاستمرارِ فساد أخلاقه. ففكر لوهلة  “ماذا أراد والدي من ذلك؟ ما الذي يرمي إليه؟ هل أراد أن أفقد جميع الأموال ويسوء حالي؟.. هل؟ وهل؟”

توالت الأفكار في رأسه، وخرج بقرارِ خوض المعركة.. ذهب لمقابلة إحدى النساء في “الماخور”، وهناك سأل إحداهن عن صاحبة المكان. وعندما قابلها .. كانت كائناً لا حياة فيه، يخلو من أيّ معنى للإنسانية أو حتّى الأنوثة. رحبت به، وطلب منها مقابلة أجمل ما في ذلك المكان من نساء

وما كان لها إلا أن تبتهج لذلك، وتأتي بأجملهن، كانت فتاة يافعة، فائقة الجَمال.. وطلبت منه مرافقتها إلى غرفتها.

قال لها: لن أرافقك الآن. سآتي بعد منتصف الليل

هي: لكنه موعد انتهاء عملي

هو: اذهبي الآن، و سأدفع لك المقابل.

هي: سأنتظرك في الغرفة رقم خمسة. وما عليك إلا أن تدقّ الباب لتجدني بانتظارك.

خرج وكان يفكر بسرّ تلك الوصية، وعند انتصاف الليل، لبس هندامه ووضع عطره الثمين وتحرك باتجاه الحسناء. كان يمشي بثباتٍ واثق الخطى ،إلى أن وصل إلى باب الغرفة رقم خمسة.

طرق الباب، وقالت الفتاة أدخل، الباب مفتوح.

دخل الشاب الغرفة.. وجد امرأة غير الّتي تمّ الاتفاق معها. فهو رأى “باربي” أما هذه فقبيحة الشكل.. إجمالًا هي عجوز شمطاء.

قال: أتأسف، أتيت لمقابلة فلانة !

هي: أنا فلانة

هو: ولكن الفتاة التي اتفقت معها على درجة عالية من الجمال!

هي: “يعني مش عاجبك؟.. أنا يا ما سقط تحت رجليّ رجال بشوارب”.

فكّر.. دفع الحساب وغادر. خرج مسرعًا، يريد فقط التخلّص من هذا المكان المشين. وصل بيته وجلس مفكرًا ..” ماذا فعلت !؟ “، ذهب لفراشه قلقًا ينتظر طلوع الشمس حتى ينفّذ البند الثّاني من الوصية.

في عصر اليوم التالي ذهب إلى مقهى مشهور يقع على أطراف المدينة، جلس على الكرسيّ.. وانتظر الجرسون، وعندما حضر بادره بالسؤال: ألديكم من يلعب القمار هنا؟

– نعم، أكثر من يجلسون هنا يلعبون القمار.

فقال: أريد “شيخ اللاعبين”

نادى الجرسون على رجل يدعى “عيسى”.. هو رجل أشعث الشعر، ذو لحية طويلة وشواربَ صفراء من فرط التّدخين! رائحته كريهة وخطواته غير ثابتة.. حذاؤه قديم متهرئ، وكأنه آتٍ من عالم آخر.

نظر إليه وإلى حاله.. فقال: هل أنت شيخ اللاعبين؟

عيسى: نعم. أنا هو شيخ اللاعبين. ألا يعجبك؟!.

قال: أكيد لا. إن كنت أنت شيخ اللاعبين وهذا حالك، فما حال الآخرين؟.

قال: اسمع يا هذا، “أنا خسران وزنك مصاري”.

رد: انظر لنفسك فحالك يُرثى لها وملابسك ممزّقة. فإذا كنت فعلا خسرت وزني مصاري فلِم لم تُحسّن من حالك؟.

قام صاحبنا عن الكرسي.. وانصرف تاركًا عيسى والجرسون في ذهول..، جدَّ في سيره إلى المنزل، واختلى بنفسه، عله يجد تفسيرًا آخر للوصيّة التي لم يستطع تنفيذها.

خلد للنوم، كي يصحو في منتصف الليل لتنفيذ الوصيّة الثالثة. وبينما هو مستغرق في نومه، رأى والده ينظر إليه مبتسمًا ومستهزئا به.. فزع من نومه، فإذا بالليل قد قارب على الانتصاف.

خرج من بيته مسرعًا.. وذهب لأكبر حانة، وعندما دخل.. ذُهِل مما رأى!

رأى العديد من الرجال الملقون على الأرض الّتي امتلأت بقيئهم، ورجال بحالات أبشع من ذلك.

ذهب لصاحب الحانه وسأله عن حالهم..

قال له إنه أمر اعتيادي جدا!

خرج من ذلك المكان مسرعًا إلى بيته، لا يهتم لأمر شيء إلا أنّه يريد اللجوء إلى فراشه من هول ما رأى.

وفي صباح يوم جديد.. عاد ليسأل نفسه ” ما الهدف من وصيّة أبي؟ ”

في هذا الصباح.. توصل الشاب إلى أنّ حلاله من النّساء هي الأجمل والأنقى، وأنّ القمار يغير الحال، فأثرى أثرياء اليوم هو أفقر الفقراء غدًا، ليس فيه سبيل لاستقرار، ولا عيش هنيئًا.

أما بالنسبة لحانة الخمر فهو لن يضع نفسه موضع أولئك الرجال ، فأنشد قول الشاعر:

بكيتُك يا أبي بدمعِ عينــي         فما أغنى البكاءُ عنّي شيئًا

وكان في حياتك لي عِظاتٍ          فأنتَ اليوم أوعظُ منكَ حيّا

– والآن يا يزن، ما رأيك فيما سمعت؟!

– الله يا جدي.. إنها من أعجب القصص وأغربها، وفيها من العبر الكثير.

– هي الحقيقة، هذا هو محمود.. الذي هو من أنبل الناس وأفضلهم. لم يستطع والده تغيير حاله في حياته.. لكنّه تغيّر بوصيّةٍ في مماته.

ذهِلَ يزن من ذلك!، وعزم على أن يتبع خطى جده الصالح ..فالثابت في نهاية المطاف هو حسن الخلق.

  مجموعة الصرير 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: