انزياح ثرثرة. بقلم. صباح سعيد السباعي ( حمص. سوريا )

لصحيفة آفاق حرة

من ذاكرة ورد وتراب ولوحة وموسيقى، لمعتْ أمامي جلسة سمر مع أصدقاء، وانقلبتْ إلى حوار، ومن الأصح أن أسميها جدلية نغم وضوضاء.
وافتتاحها سؤالٌ من إحداهن:
هل أنا جميلة؟ وأريد جوابًا بلا مجاملات.
يقفز رأيًا مثل السهم: بقانون النسب التي أعرفها أنتِ في الوسط.
_ هذا رأي عائم غائم، يهرب من الدقة يهرب من منظور الإحساس.
أعترض بشدة.
أمّا الثاني فأشاد حتى تظن أنه جعلها ملاكًا، فما كان منها إلا أن حملت لوحة رسم لشجرة.
_ مارأيك بهذه الرسمة؟
_ قطعة فنية
_ للأسف أراها قطعة قنب وعليها خربشات.
أقطع هذا الحديث برفع صوت سيمفونية، يسود صمت
وانشغل كل واحد منّا بشروده، ترى دمعًا خفيًّا في عيون البعض، وترى تمايلًا وانسجامًا مع إيقاعها من آخرين.
إلا هي، بقيتْ في مكانها تعيد ترتيب ماسمعتْ، تعيد سنوات كانت، أسمع صوت امرأة تسأل عن ابنتها، تركض نحوها ترمي اللوحة، يتذكر رسامها أنه نسي توقيعها
تذكرنا جميعًا أنها لم تعدْ معنا من زمن.
تذكرنا أسرارنا التي اودعناها في كل نجمة على سطح الدار، تذكرنا أن الحزن تساقط جنيّا على وسطها.
تذكرنا أننا أعرنا ذاكرتنا، وهذا ليس إلا إعادة تدوير لنقاط عالقة من حبر مجاز.
على الضفة الأخرى، يترجم النهار الأوراق الميتة على الشجرة، بأنها عارية.
يترجم العاشق المشهد، بأنه أحلام متجمدة.
بوسعي أن أدون عن تلك الأمسية أكثر، لكن فضلّتُ التوقف تماشيًا مع المعزوفة المنتهية.
انقطع الوتر هكذا تخيلتُ، مطر غزير يملأ الكمان، ونافذة تهزّ سرير النهار، لتنفض عنه رماد حرائقنا التي نسينا إطفاءها.

 

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: