جرح الياسمين/ بقلم : ريمة الخطاب

لفت انتباهي لون عينيها البحري، الأزرق البراق، كأنه البحر الذي انعكست عليه زرقة السماء.
طفلة في السابعة من عمرها، في ساحة المخيم الصغيرة، تقف وتسند ضهرها إلى أحد جدران بيوت المخيم.
كان الأطفال يلعبون ويمرحون، فمنهم من يلعب ب( الحجلة )، ومنهم يلعب بالقفز على الحبلة، ومنهم من يلعب بالغميضة، أما صاحبة العينين الزرقاوتين، فقد أمسكت بدميتها المصنوعة من بقايا قماش، محشوة بالقطن، ضمتها إلى صدرها، وراحت تمشط شعر الدمية بأصابعها الناعمة.
حين لم أجد صديقي الذي قصدت زيارته في ذاك المخيم في بيته، عدت أدراجي لكن في طريق عودتي، أيضا خطفت نظري تلك الأميرة الصغيرة، التي لم تتحرك من مكانها، اقتربت منها، وقفت أمامها صامتا، نظرت إلي بتلك العينين الساحرتين، وابتسمت ابتسامة ضمت كل مافي الكون من براءة وعذوبة.
ما اسمك ياصغيرتي؟
لم أتلق جوابا لسؤالي، فكررت السؤال:
-ما اسمك ياحلوة؟
أيضا لم تجبني، فقط اكتفت بالنظر إلي بابتسامتها الجميلة.
شيء ما، كان يجبرني على الوقوف أمامها والشرود بكل هذا الصفاء والإبداع للخالق. كنت وإياها في عالم آخر، وكان حديثنا الصامت كتغريد الحساسين، تسمعه وتشعر بعذوبته لكن لاتستطيع تفسيره…
صوت امرأة بعيدا عنا، قليلا قطع ذلك الحديث الأخاذ،
– ياسمين .. ياسمين.
اقتربت امرأة في عقدها الرابع من الطفلة، وقد اتشحت بالسواد، وقفت أمامها، وراحت تتحدث معها، وتشير لها بيدها محاولة إيصال كلامها لها بالإشارة، ( يا إلهي هذا الملاك الصغير أصم )!!.
الصدمة هزت فؤادي، وأصابتني بقشعريرة سرت في جسدي، من هول الصدمة.
أختي هل الصغيرة صماء، لا تسمع؟!.
نعم يا أخي، هي صماء وبكماء، لا تسمع ولا تتكلم…
( رباه!!! ماهذا )!!.
كالصاعقة نزلت علي كلمات هذه المرأة، وانعقد لساني ولم أدر ما أقول.
بعد دقائق من مراقبتي للمرأة وهي تحدث الصغيرة بلغة الإشارة، محاولة إخبارها بأنها يجب أن تدخل للبيت، لتجهز نفسها قبل أن يأتي عمها ويأخذها معه.
اجتاحني فضول عظيم لمعرفة قصة هذه الطفلة.
أختي لو سمحت، هل أستطيع معرفة قصة هذه الصغيرة؟ بعد إذنك، لقد حزنت على وضعها، وإنني والله أحببتها جدا…
نظرت المرأة إلي باستغراب وصمتت.
نعم أختي الكريمة فجمال هذا الملاك وبراءته شيء نادر، تنهدت المرأة، ولمعة حزن بانت في عينيها:
– نعم يا أخي، صدقت فهي ملاك مختلف ومميز، لكن مصائب الحياة وأهوالها أخذت منها كل الحياة.
أنا قريبة ياسمين، وهي الآن تقيم عندي مع أخيها الصغير، ريثما يأتي عمها من السفر ليأخذهما.
منذ سنتين ونصف تقريبا، استشهدت أم ياسمين برصاصة قناص في بلدتهم، ونزخوا للمخيمات، تزوج أبوها الأبكم من امرأة ثانية، وسكنوا في هذا المخيم، بعد أن اكتشف الأب خيانة الزوجة له ، قتل عشيقها ثم قتل نفسه، وبقيت ياسمين مع أخيها من زوجة أبيها لوحدهما في هذه الحياة، أما الزوجة الخائنة، فقد هربت ولا أحد يعلم أين ذهبت، اختفت تماما كماء تسربت في الرمال.
اتصلنا بعمها المقيم في الأردن منذ بداية الأحداث في البلد وأخبرناه بما حدث، فطلب مني الاعتناء بياسمين وأخيها، ريثما يأتي ليأخذهما معه ويتكفل هو بتربيتهما، فلم يعد لهما أحد في الدنيا غيره.
وهو الآن في طريقه إلى هنا، جاء ليأخذهما ويربيهما مع أولاده.
هذه قصة ياسمين الجملية، التي حرمت من أمها بسبب هذه الحرب الجائرة، ومن أبيها لأسباب لاعلاقة لها بها، والآن سترحل عن وطنها، وتحرم منه وقد لا تعود إليه أبدا .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: