سبتمبر 6, 2018

حلم / بقلم : هشام عبد العزيز

لا شئ أريح للنفس أو أمتع للروح من أن يحلم المرء دوما، لا سيما إن كان الحالم فتاة علي مشارف الثلاثين ضيقة المحيط، ضئيلة المعارف والحركة مثلي.

في البدء كنت أروي لأمي الأحلام كلها بتفاصيلها الصغيرة الدقيقة، الأحلام الرومانسية والهزلية، الاحلام الوقورة الهادئة والاحلام الجدية والخزعبلية، حتي قالت لي يوما بعد أن رويت لها حلم كان بطله أحد أبطال الإذاعة – من الجدير بالذكر أنني لا أعرف شكل جهاز التليفزيون- فكل ما وصل لي من أجهزة الإعلام العصرية هو جهاز الراديو الصغير جدا الذي كان مخفيا طوال الوقت تحت وسادتي، ذو الصوت الهادئ الناعم الحنون. وكثيرا ما خشيت أن تراني إحدي قريباتي المتطفلات وأنا أضعه علي أذني فتظن إنه تليفون محمول وتمشي بين أقاربي تذيع هذا الخبر الحصري الشاذ عن تقاليد عائلتنا الكريمة. لذلك كنت لا أستخدمه إلا في المساء والناس نيام. ورغم ان أبي كان يعمل في دولة من دول الخليج، الا انه كثيرا ما خيل إلي أنه سيفتح الباب في أي وقت ويكتشف وجود هذا الجهاز المفسد فيهشمه ورأسي معا ويلقي بنا من النافذة بكل أريحية.

***

أعود إلي ذلك اليوم الذي رويت فيه لأمي ذلك الحلم الذي كان بطله إذاعي شهير. وما إن إنتهيت من قص الحلم حتي أحمر وجه أمي وقالت ان هذا الحلم ماهو إلا أحبولة من أحابيل إبليس والحق يقال ان الحلم كانت به سيول جارفة من المشاهد الصادمة الخارجة عن المألوف. وهي على ايه حال لم ترَ فيه إلا فخا نصبه لي الشيطان ليفسد علي حياتي الطاهرة النقية.

***

منذ ذلك اليوم وأنا لا أحكي لها إلا الأحلام العادية جدا. مثل أننا سافرنا إلي مصيف الإسكندرية أو مشتي أسوان أو تسكعنا علي كورنيش النيل.. كم من الأماني المعقولة التي كانت أمي تتعاطف معها تعاطفا كبيرا.  هي إمرأة طيبة لم تعرف الحياة مثلي تماما، بل ان بامكاننا أن نقول أنها أقل معرفة مني بالحياة وما فيها من عوالم أخري غير عالم المنزل والمطبخ.

أمي كانت مرتبطة بي ارتباطا جنونيا، إذ اصبحت كل حياتها منذ أن سافر أبي إلي الخليج من سنوات بعيدة. سافر بجسده فقط،  لكن روحه وتعاليمه كانت تحلق في سماء بيتنا المبارك. كما ترك لنا اعمامي وأبنائهم أيضا ليتابعوا عن قرب سيرنا في الطريق المستقيم ويكتبون لأبي تقارير يومية واسبوعية وشهرية عن أحوالنا وما  نفعل.. عدد المرات التي مرضنا فيها، من مات من العائلة ومن الذي أخفق ومن الذي أصاب..

يخيل إلي ان أبي كان يهتم خصيصا بأخبار اقاربنا وبنجاحهم وفشلهم حتي يطمئن أن لا أحد جمع أموال أكثر منه، ولا أحد قهر ودفن زوجته وإبنته بالحياة أفضل منه.

 

ظلت حياتنا،  مملة رتيبة، حتي ماتت أمي المسكينة. شعرت حينها لأول مرة بألم الفقد وأن هناك معاناة تفوق التضييق الذي كان يفرضه أبي علينا.

أذكر الليلة التي دفنوها فيها وعادوا ليتحلقوا حول الموائد وصواني الشاي والغيبة والنميمة.

كاد صبري أن ينفذ . تمنيت أن أصرخ فيهم! أن أطردهم شر طردة. لكني تراجعت أخيرا خوفا من رد فعل أبي الذي كانت طيارته تلمس في نفس الوقت أرض مطار القاهرة.

أبلغني عمي بذلك الخبر السعيد في أحد أركان البيت وشدد علي ان لا أبلغ أحد حتي لا تأتي أفواج من فرع العائلة الفقير تتسول من أبي وتعكر عليه يومه، ، يكفي الرجل خبر وفاة زوجته، يكفيه جدا، هكذا قال عمي متظاهرا بالحزن.

***

انصرف الناس. وجلست أبكي بكاءا طويلا .. أبكي بذعر طفلة.

فتحت دولاب أمي وانطلقت لاستحم كما كانت تفعل هي في نفس هذا التوقيت كل مساء.

لاحظت لاول مره في عمري، ان جسدي يشبه جسد أمي،  وكأنه نسخة بالكربون. لك اكن رأيت جسد أمي إلا وهو ممد علي خشبة الغسل. كانت المياة تتساقط علي جسدي وأنا أحدق في كل جزء منه وأتذكر أمي وأبكي بكاءا يمازجه شعور بالندم والتقصير.  لا أعرف لماذا تسلل هذا الشعور إلي نفسي.. لقد كنت خير إبنة وكانت تضرب بي المثل في البر والطاعة العمياء ولكنه الفقد..

اشتد الاضطراب عندما سمعت وقع أقدام في الخارج، قطعها صوت أبي وهو ينادي علي بصوت منهك واهن.

قفزت في عباءتي بسرعة فلا وقت للتجفيف، وخرجت أبحث عن أبي في البيت حتي أثبت حضوري. وعندما وقع نظري عليه، تسمرت أقدامي وساد الصمت والجمود لدقيقة. شعرت أن الذي أمامي ليس كائنا حيا.

كانت تقاسيم وجهه جامدة لا حياة فيها..وكانت حقائب سفره مبعثرة في الصالون. تقدمت بخطوات متقطعة وانحنيت علي يده أقبلها.  كانت تلك هي المرة الأولي التي أكتشف فيها موهبتي في فن التمثيل.  لم يتوقف الأمر عند الانحناءة وتقبيل يده فقط لكني عانقته كذلك.

 

لم يكن ينظر إلى.. وعندما عانقته شعرت أني رميت نفسي في أحضان صنم.

ظل واقفا يدقق في أركان الغرفة ويطيل النظر في كل شئ إلا أنا لم تقع عينه علي أبدا. شككت في نفسي، وتمنيت ساعتها أن أغور في أعماق الأرض أو أن يكسر الحائط وحشٌ يلتهمنا معا.

تراجعت خطواتي رويدا رويدا حتي خرجت من الغرفة وأغلقت باب غرفتي.

جلست علي حافة السرير، أمشط شعري ، لكني سرعان ما رميت المشط علي الارض، ودسست نفسي تحت الغطاء أختبئ خوفا من ان ينادي علي أو أن يدخل غرفتي ليطمئن على وضع كل الاشياء بها، دون أن يحفل بالنظر إلى.

لم أعد أحلم بعد رحيل أمي، إلا بحلم واحد يتكرر دائما بصور مختلفة، أحلم أني ألتقيها وأنها لم .

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: