سائــق الشّاحـــنـــة/ بقلم : الروائي الأردني توفيق أحمد جاد

في ليلة من ليالي كانون الباردة.. تمطر السماء وتعصف الرياح وتشتدّ البرودة، و خبراء الرصد الجوي يحذّرون من ارتفاع مستوى منسوب الثلج في اليوم التالي، وأنّ مكوثه سيطول.

هو،لم يغب عن تفكيره تلك الفتاة التي رآها ذات يوم على شُرفة منزلها، كأنّها القمر يبزغ من عنان السماء. ليبثّ خيوط أشعته بسكينة و هدوء على أهل الأرض.

تبدأ الحكاية مذ نظر إليها وهو يقود شاحنته ببطء.. لتسرقَ منه كيانه كلّه!

صار في كل سفرة يمرّ من أمام منزلها، لعله يحظى بنظرةٍ إليها تُعيده إلى وعيه وعقله.. وكان يمضي معظم أوقات إجازته جيئةً وذهاباً من أمام منزلها.

لكن، هذه المرة لم تظهر.. إنه آخر يوم في إجازته.. ولم تظهر..

جنّ جنونه! في العادة تنتظر مروره بفارغ الصبر.. ما الذي حدث؟

غاب أياما ثلاثة.. ثم عاد ليَرقبها، لكنها ما زالت مختفية.. لا تنتظره!

رأى طفلا يخرج من بيتها.. استدعاه بلهفة واستدرجه في الحديث قائلا: لمن هذا المنزل؟

قال الولد: لأبي غازي

سأل دون أن يعي ما يقول: وهل لدى أبو غازي أي بنات؟.

الولد: نعم، لديه بنت وحيده.. هي أختي هيفاء

هو: اسمها هيفاء! وهل هي مسافرة؟

الولد – ببراءة – : بل هي في المستشفى الواقع في آخر الشارع

هو: ولم؟ هل هي مريضه؟ هل ستجري عمليه؟

لم يستطع ترتيب أسئلته ولا عددها، فقد وقع بإرباك شديد.

الولد: لا، لا.. هي فقط مريضة. لكن الطبيب لم يعرف حتى الآن سبب مرضها

هو: حسنا. شكرا يا حبيبي

توجه إلى السوق مسرعًا، واشترى أجمل باقة وردٍ من  الجوري الأبيض والأحمر.. باقة ورد نُسّقت بعناية! فهي لمن أحب وعشق.. ولمن سرقت النوم من عينيه والراحة من بدنه.

انتظر انتهاء ساعات الزيارة بفارغ الصبر، وما أن حاول الدخول، حتى أخرجه الممرض بسبب انتهاء وقت الزيارة

رجاه يونس بدقائق قليلة.. وبعد عدة محاولات سمح له بعشرِ دقائق فقط، ذهب مسرعًا إلى الممرضة يسألها عن هيفاء، فأشارت إلى غرفتها، ولحرصه، سألها من يرافقها؟ فأجابت بـ “لا أحد”.. فهي تستطيع خدمة نفسها بنفسها.

سار باتجاه غرفتها يتساءل ” هل تستقبلني؟ أنا لم أكلمها! ”

وصل الغرفة، وإذا بالباب مفتوح. دقّ الباب ودخل ليراها ملقاة على سريرها، نائمة على جنبها وتنظر للأرض. فهي لا يهمّها من حضر ولا تريد رؤية أيّ شخص.

 

هو: مرحبا

لم ترد، ولم ترفع بصرها.

أعاد ذلك مرة أخرى: مرحبا يا هيفاء

أدارت وجهها ببطء شديد.. إنه هو.. هو يونس حبيبها

نهضت مسرعة تلملم شعرها المبعثر وتحاول رسم ابتسامة لطيفة على شفتيها.. تنبّهت أنها تتصرف كطفلة صغيرة..

استعادت توازنها وقالت بصوت خافت خجول: أهلاً بك، تفضل بالجلوس.

قدم لها باقة الورودِ، مُبديًا مودته، ومُقرِنا بها ابتسامة عريضة قائلا: لا بأس عليك.

قالـت: شكراً لك. ولكن ما الذي أتى بك! أعني من أعلمك بوجودي هنا؟

قال: لم أركِ منذ إجازتي السابقة .. أعرف أنّ سفرتي الأخيرة طالت.. لكنني عدت.. مكثتُ أمام منزلكم لساعات لعلّي أراك ولكن دون جدوى. وفي لحظة، خرج من بيتكم ولد صغير، فاستدرجته بالحديث حتى أعلمني بوجودك هنا.. وهأنذا آتي على عجلةٍ لأراكِ وأطمئن عليك.

قالت: أنا لستُ مريضة ولا أعاني من الآم جسديّة.. آلامي هي آلامُ فِراق.. فراقك أنت.. أنت الذي سرق مني روحي وعقلي، وحياتي وقلَبَ كياني، أصبحت ابتسامتك الّتي كنت أراها الداء.. وهي الدواء!

قال: إن كان اللقاء هو الدواء.. فسألقاكِ يوم تخرجين من هنا

قالت: أود الخروج اليوم والآن. قبل سفرك

قال: لن أسافر هذه الأيام، لأنّ هناك عاصفة ثلجيّة.. عندما تخرجين سأقابل والدك وأطلب القرب منه..

ثمّ غادر.

فرحت هيفاء فرحًا شديدًا.. وبدت كأنها لا تعاني مرضًا، فهي الان بصحة جيدة.. والآن فقط تعيش يومها الأول من حياتها

استأذنها بالانصراف تاركا قلبه معها، وسارقا قلبها من جديد.. لكنّه أخفاه مكان قلبه المسروق.

 

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: