غيمة صغيرة/ قصة جيمس جويس/ ترجمة محمد عبد الكريم يوسف

 

من ثماني سنوات خلت رأى صديقه ينطلق من محطة نورثوول وتمنى له رحلة برفقة الإله .لقد اجتاز غالاهر التجربة .  يمكن أن تتنبأ بذلك من حبه للسفر وبدلته المتقنة الصنع وطلاقة لهجته . قلة من الأصدقاء يمتلكون موهبته وعدد أقل منهم لا يخربهم نجاح كهذا .  لقد  وضع غالاهر هدفا نصب عينيه واستحق النجاح . شيء رائع أن يكون لديك صديق مثله .

منذ وقت تناول الغداء بقيت أفكار تشاندلر الصغير تدور حول اللقاء بغالاهر ودعوة  غالاهرومدينة لندن العظيمة حيث عاش غالاهر . سُمي تشاندلر الصغير لأنه  رغم صغر حجمه كان أقل من البنية المعتادة ويعطيك انطباعا بأنه  رجل صغير . يداه صغيرتان بيضاوان ، بنيته العامة  ضعيفة  ، صوته هادئ ، سلوكه مهذب. يهتم كثيرا بشعره الحريري الناعم وشاربه ويستعمل العطر بحذر على منديله. وأظافره متقنة تشكل نصف قمر وعندما يبتسم تلمح بريق صف من الأسنان الطفولية البيضاء .

وعندما جلس على مقعده في فندق الملك فكر في التغيرات التي أحدثتها هذه السنوات الثماني .فالصديق الذي عرفه بمظهره الرث الكئيب وفاقته الواضحة صار شخصية هامة على صفحات الجرائد في لندن . توقف مرارا عن كتابته المتعبة وحدق بعيدا عبر نافذة المكتب .وكان وهج شمس الغروب في أواخر الخريف يغطي المساحات المزروعة بالعشب والممرات ويلقي حزمة من الغبار الذهبي الدقيق بلطف على الممرضات المتسخات والعجائز المتداعين الذين يجلسون بنعاس على مقاعدهم و يتلألأ منعكسا على كل الأشياء المتحركة – على الأطفال الذين يركضون ويهزجون على الممرات المرصوفة بالحصى وعلى كل من يمر في الحديقة. راقب المشهد وفكر في الحياة وصار حزينا كما يحدث كل مرة يفكر فيها بالحياة . امتلكته كآبة لطيفة . شعر بعدم جدوى مقاومة النصيب وأنه عبء حكمة السنين التي أورثته إياه العصور .

تذكر  كتب الشعر على الرفوف في منزله . اشتراها أيام العزوبية وفي الكثير من الأمسيات كان يجلس  في غرفة صغيرة بعيدا عن القاعة الرئيسية وكان يغريه أن ينزل واحدا منها من الرفوف ويقرأ شيئا منها بصوت عال لزوجته . لكن كان الخجل دائما يثنيه عن فعل ذلك ولهذا السبب بقيت الكتب على رفوفها .  في بعض الأحيان كان يردد الأبيات الشعرية لنفسه ويواسيها.

عندما دقت ساعة انصرافه نهض من مقعده واستأذن زملاءه الموظفين بلباقة وخرج من تحت القوس الذي يرمز للإقطاع في فندق الملك . ومشى مسرعا بقامته الأنيقة المحتشمة عبر شارع هنريتا . كانت أشعة شمس الغروب الذهبية قد بدأت بالتلاشي في حين بدأ الهواء يزداد حدة . تجمهر في الشارع كوكبة من الأطفال المتسخين .كانوا يقفون أو يركضون في الطريق أو يزحفون على الأدراج أمام الأبواب المفتوحة أو يقفون على العتبات متلصصين كالفئران . لم يعرهم تشاندلر الصغير أدنى اهتمام . أخذ طريقه بخفة عبر كل تلك الحياة الطفيلية التافهة وظلال البيوت المتهالكة التي عربدت فيها الطبقة النبيلة القديمة لدبلن .لم تلامس شغاف قلبه أي من الذكريات الماضية  بل كان قلبه مليئا بنشوة الحاضر .

لم يزر سابقا محلات كورليس لكنه يعرف قيمة الاسم . يعرف أن الناس يذهبون إليها بعد المسرح لتناول المحار وشرب الكحول . وكان يسمع أن النادلين هناك يتحدثون الفرنسية والألمانية . وأثناء مروره بخفة هناك ليلا كان يرى العربات تتوقفأمام الأبواب وتترجل منها سيدات بألبستهنالفخمة يدخلن مسرعات برفقة الفرسان.كن يرتدين أثواباودثارات تحدث الكثير من الضجيج . وكانت وجوههن مطلية بالمساحيق ويمسكن بفساتينهن التي عندما تلمس الأرض يصبحن كنساء أطلانتس([4]) الخائفات . كان يمر دائما من دون أن يلتفت ليرى ما حوله وعادته أن يمشي في الشارع حتى في وضح النهار . ومتى وجد نفسه في المدينة متأخرا حتى الليل كان يسرع الخطو  في طريقه بقلق وتوتر  . أحيانا كان يبحث في أسباب خشيته فكان يختار أضيق الشوارع وأشدها ظلمة ويتقدم فيها للأمام بجرأة ، لكن الصمت المنتشر حول خطاه يقلقه . الأشكال المتجولة الصامتة تقلقه . وأحيانا صوت ضحكة منخفضة يجعله يرتجف كورقة في مهب الريح .

انعطف يمينا  نحو شارع كابيل . أغناتيوسغالاهر على صفحات جرائد لندن . من يصدق أن هذا كان ممكنا قبل ثماني سنوات؟ وحتى الآن  يراجع تشاندلر الصغير الماضي ويتذكر  العديد من الإشارات إلى العظمة المستقبلية لصديقه . اعتاد الناس أن يقولوا أن أغناتيوسغالاهر برّي . طبعا انضم إلى مجموعة فاسقة من الأصحاب في ذلك الوقت و أسرف في الشرب واستدان المال من كل الأطراف وفي النهاية تورط في قضية شائكة ، في عملية مالية  ، على الأقل ، كانت هذه أحد أسباب هروبه  لكن لا ينكر أحد عليه موهبته . هناك دائما شيء مؤكد ….شيء في أغناتيوسغالاهر يؤثر فيك رغما عنك . وبقي مرفوع الرأس حتى عندما كان رثّ الثياب  وفي أمس الحاجة للمال . تذكر تشاندلر الصغير  ( والذكرى أعادت قليلا من احمرار الفخر لوجنتيه ) أحد أقوال أغناتيوسغالاهر عندما كان في مأزق شديد كان يقول بمرح : هيا أيها الأولاد . حان وقت العمل الجزئي . أين قبعتي المحترمة ؟ هذا هو أغناتيوسغالاهر برمته . اللعنة ! لا يمكنك إلا أن تعجب به.

أسرع تشاندلر الصغير الخطو . للمرة الأولى في حياته يشعر أنه أعلى من الناس الذين يمر بهم . للمرة الأولى تثور روحه ضد الكآبة الخرساء لشارع كابيل . ليس هناك شك في ذلك : إذا أردت أن تنجح عليك أن ترحل.لا يمكن أن تفعل شيئا في دبلن. حين عبر  جسر غراتان  نظر إلى النهر نحو  الأرصفة السفلى وشعر بالشفقة على البيوت الكئيبة الفقيرةالتي بدت له كعصبة من المتسكعين  اجتمعت على ضفاف النهر . معاطفهم  يعلوها الغبار . ذهل بمشهد الغروب البانورامي وانتظر بواكير برودة الليل ليدعوها للنهوض  يهزها ويأمرها بالذهاب . سأل نفسه إن كان يستطيع أن يكتب  قصيدة يعبر بها عن فكرته . قد يستطيع غالاهر أن ينشرها في صحيفة لندنية . أيستطيع أن يكتب شيئا ما أصيلا ؟ لكنه ليس متأكدا من الفكرة التي يريد التعبير عنها إلا في التفكير أن اللحظة الشعرية لامست روحه وحركت الحياة بداخله  كأمل طفولي .تقدم نحو الأمام بشجاعة .

كل خطوة تقربه من لندن تبعده عن حياته الحالية الرصينة الخالية من الفن . وبدأ شعاع من النور يرتعش على أفق عقله . لم يكن كبيرا في السن – في الثاني والثلاثين  من العمر . يمكن أن نقول أن مزاجه بلغ نقطة النضوج . كان هناك الكثير من الانطباعات والحالات النفسية المختلفة التي يتمنى أن يعبر عنها شعرا . يشعر بها بداخله . حاول أن يقيّم روحه ليتأكد إن كانت روح شاعر . وفكر قائلا:  الكآبة هي العلامة الفارقة في مزاجي  إلا أنها موجودة في مزاج الإيمان والاستكانة والمباهج البسيطة .  لو أنه يستطيع التعبير عنها في ديوان شعر  ربما يصغي إليه الناس . كان يعرف أنه لن يصبح معروفا بين العامة . ولن يستطيع اجتياح أذواق العامة لكنه قد يحلو لدائرة ضيقة من العقول اللطيفة . قد يعترف به النقاد الانكليز كأحد أتباع المدرسة السلتية([5]) بسبب لمسة الحزن بالإضافة إلى التلميحات في قصائده. وبدأ يخترع جملا وعبارات من الملاحظات التي حصل عليها كتابه – ” للسيد تشاندلر موهبة في كتابة الشعر السهل الجميل”   ، هناك لمسة حزن تسود قصائده”، ” إنها النبرة السلتية  ”  ، من المؤسف أن اسمه ليس ايرلنديا أكثر من اللازم ومن الأفضل إقحام اسم أمه قبل كنيته ليصبح توماس مالون تشاندلر  أو من الأفضل أن يكون  ت. مالون تشاندلر . وأنه سيحدث غالاهرعن ذلك .

لحق بأفكاره الحالمة بحماسة بالغة  لدرجة أنه تجاوز شارعه وكان عليه أن يعود أدراجه وعندما اقترب من محل كورليس  بدأ اضطرابه السابق يسيطر عليه فتوقف حائرا أمام الباب. وفي النهاية فتح الباب ودخل .

تلكأ في الممر لعدة دقائق بسبب النور والضوضاء . نظر حوله  لكن بصره تشوش من بريق كؤوس الخمر الخضراء والحمراء الكثيرة . بدتله الحانة مليئة بالناس وشعر أنهم  يراقبونه بفضول . نظر بسرعة ناحية اليمين واليسار ( وعبس قليلا ليجعل مهمته تبدو جدية )  ، لكن عندما صفا بصره قليلا عرف أنه لم يستدر أحد لينظر إليه . وهناك بكل تأكيد  كان أغناتيوسغالاهر متكئا وظهره مستند على طاولة الحساب وساقاه منفرجتان بثبات .

” مرحبا ياتومي . يا بطلي القديم . أنت هنا ! ماذا تريد أن تشرب ؟ أنا أحتسي الويسكي : إنها أفضل من النوع الذي يخلط بالماء . أريد صودا ؟ أم ليثيا أبيض ؟ ألا تريد ماء معدنيا ؟ وأنا كذلك . الماء المعدني يفسد النكهة ….أنت أيها النادل أحضر لنا نصفي كأس من ويسكي الشعير كصديق ودود ….حسنا ، كيف كنت تتدبر الأمور مذ رأيتك أخر مرة ؟ يا الله !نحن نكبر بسرعة .هل ترى علامات التقدم في السن على وجهي ؟ ههه .ماذا ؟ اشتعل الرأس شيبا وخف الشعر من الأعلى – ماذا ؟ ”

رفع أغانتيوسغالاهر قبعته وكشف عن رأسه الضخم الحليق . كان وجهه مثقلا شاحبا حليق الذقن بشكل جيد . عيناه الزرقاوان خففتا من شحوبه الذي يدل على مرض وشعّتا بضياء واضح فوق ربطة عنقه البرتقالية الجميلة اللون . وسط هذه المظاهر المتناقضة  بدت شفتاه طويلتين بلا شكل أو لون . حنا رأسه وتحسس بإصبعين حانيتين الشعر الناعم فوق رأسه .هز تشاندلر الصغير رأسه مستنكرا  أما أغناتيوسغالاهر فقد  وضع القبعة على رأسه ثانية .

وتابع قائلا :” شيء محبط … حياة ضاغطة ..تركض بلا توقف .تبحث عمن يشبهك و أحيانا لا تجده : ثم عليك دائما  أن تكون حياتك مليئة بالجديد . لعن الله الأدلة والمطابع . أقول ..ولو لعدة أيام . أنا سعيد جدا. يمكنني القول أنني قد أعود لبلدي القديم لأعيش مع صديق طيب عطلة قصيرة . عندها سأشعر بتحسن كبير لأنني هبطت مرة ثانية  على أرض دبلن العزيزة  المتسخة  . تفضل يا تومي . أتريد ماء ؟ قل ..لا تخجل..”

وسمح تشاندلر الصغير أن يخفف كأس الوسكيكثيرا بالماء …

قال أغناتيوسغالاهر :” أنت لا تعرف مصلحتك . يا عزيزي .إنني أحتسي كأسي صافية . ”

أجاب تشاندلر الصغير بتواضع : “أنا في العادة أشرب القليل .نصف كأس أو عندما التقي الأصدقاء القدامى . هذا كل ما في الأمر . ”

قال أغناتيوسغالاهر ببهجة  : “آه . حسنا . في صحتنا وصحة الأيام القديمة  وصحة الأصدقاء القدامى .”

تقارعا الكأسين  وشربا النخب.

تابع أغناتيوسغالاهر قائلا: “قابلت بعض أعضاء شلتنا القديمة اليوم . بدا أوهارا في وضع رديء . ماذا يعمل؟ ”

أجاب تشاندلر الصغير : “لا شيء….يعيش مع الكلاب .”

“لكن هوغان مركزه جيد .أليس كذلك ؟”

“نعم يعمل في تجارة سمسرة بيع الأراضي. ”

“قابلته إحدى الليالي في لندن ..بدا لي مورّدا.مسكينأوهارا. اعتقد أنه مدمن على المسكرات .”

اختصر تشاندلر الصغير وقال : “وأشياء أخرى أيضا .”

ضحك أغناتيوسغالاهر . وقال : “وأنت يا تومي . أرى أنك لم تتغير قيد أنملة . لازلت نفس الشخص الجاد الذي اعتاد أن يحاضر بي صباح كل الأحد عندما يؤلمني رأسي ولا أقوى على نطق بنت شفة .ربما ترغب في التجوال قليلا في هذا العالم . هل قمت برحلة إلى مكان ما في هذا العالم ؟ ”

أجاب تشاندلر الصغير : ” لقد زرت جزيرة الإنسان”

ضحك أغناتيوسغالاهر وقال : “جزيرة الإنسان ! اذهب إلى لندن أو باريس : اختار لك باريس . ستفيدك الرحلة . ”

“هل شاهدت باريس ؟ ”

“أعتقد أنني زرتها . تجولت فيها قليلا . ”

سأله تشاندلر الصغير : ” وهل هي جميلة جدا كما يقول الناس ؟ ”

رشف قليلا من شرابه بينما كرع أغناتيوسغالاهرشرابه دفعة واحدة .

تابع أغناتيوسغالاهر قائلا : ” جميلة ؟ ” توقف عند هذه الكلمة وعند نكهة شرابه  وتابع : ” كما تعلم إنها ليست جميلة جدا . هي جميلة . …لكن الحياة في باريس  هو ما يهم .لا يوجد مدينة  تساوي باريس في فرحها وحيويتها وإثارتها ….”

أنهى تشاندلر الصغير كأس الوسكي  وبعد عناء نجح في اصطياد انتباه النادل فطلب كأسا أخرى .

تابع أغانتيوسغالاهر بينما يأخذ النادل كأسيهما  : ” لقد زرت مولان روج  والمقاهي البوهيمية([6]). أنها أماكن ساخنة . ليست لشاب تقي ورع مثلك يا تومي. ”

لم ينطق تشاندلر الصغير أي كلمة حتى أعاد النادل الكأسين . لامس كأسه بكأس صديقه  بخفة واعاد النحب السابق . بدأ يشعر بخيبة الأمل في صديقه . لم تعجبه نبرة غالاهر وطريقته في التعبير عن نفسه . كان هناك شيء سوقي في صديقه  لم يلحظه من قبل . ربما كان ذلك نتيجة الحياة في لندن وسط الصخب وتنافس الصحف . لا يزال السحر الشخصي القديم كامنا تحت هذا الأسلوب المبتكر الجديد . ورغم كل شيء ، عاش غالاهر وشاهد العالم . نظر تشاندلر الصغير إلى صديقه بحسد .

قال اغناتيوسغالاهر : ” كل شيء في باريس بهيج . يؤمنون  بالاستمتاع بالحياة. ألا تعتقد أنهم على صواب ؟ إذا أردت أن تمتع نفسك  كما يجب عليك الذهاب إلى باريس. وتذكر أن لديهم مشاعر قوية تجاه الايرلنديين . يا رجل ! عندما عرفوا أنني من ايرلندا كانوا على استعداد ليأكلوني  . ”

رشف تشاندلر الصغير  أربع أو خمس رشفات  من كأسه . وقال : ” أخبرني .. هل صحيح أن باريس  فاسقة جدا كما يقولون ؟ ”

قام أغناتيوسغالاهر بإيماءة كاثوليكية متزمتة  بزراعه الأيمن  ، وقال : ” كل مكان فاسق . طبعا هناك بعض المناطق الساخنة في باريس . على سبيل المثال اذهب إلى إحدى حفلات الطلاب . ستجد الحيوية إذا رغبت . وعندما تبدأ الغواني  بالتصرف على سجيتهن  ستعرف أي نوع  من النساء هن على ما اعتقد .”

رد تشاندلر الصغير : ” سمعت عنهن .”

كرع أغناتيوسغالاهر كأس الويسكي وهز رأسه  قائلا : ” أوه … يمكنك أن  تقول ما تحب . لا يوجد امرأة تشبه الباريسية – بالأسلوب والحياة . ”

قال تشاندلر الصغير بإلحاح جبان   : ” إذن . إنها مدينة فاسقة . أقصد… مقارنة بلندن أو دبلن . ”

أجاب أغناتيوسغالاهر : ” لندن ! تساوي ستة من الأولى ونصف دزينة من الثانية. يا صديقي… اسأل هوغان . أريته قليلا من لندن عندما كان هناك . هو سيفتح عينيك . كما أقول لك يا تومي لا ترشف الوسكي . اكرعه. ”

” …كلا..لا يمكن…”

” أوه …تعال …كأس أخرى لن تؤذيك. ما هذا ؟ على ما اعتقد ستأخذ نفس المقدار مرة ثانية ؟ ”

” حسنا….طيب ”

” أحضر نفس المقدار يا فرانسوا…هل ستدخن ياتومي ؟ ”

قدم أغناتيوسغالاهر علبة سيجاره وأشعل الصديقان سيجارهما ونفخاه بصمت حتى حضر المشروب .

قال أغناتيوسغالاهر بعد أن ظهر من بين غيوم الدخان التي لجأ إليها  : ” سأخبرك رأيي . إنه عالم مخمور . تتحدث عن الفسق ! سمعت عن حالات …ماذا أقول ؟  لقد عرفت حالات : حالات من الفسق ….”

نفخ أغناتيوسغالاهر سيجاره بتأمل وبهدوء ونبرة المؤرخ تابع يرسم لصديقه صور الفساد  المتفشي في الخارج .  لخص رذائل العديد من العواصم ، وبدا ميالا ليعطي جائزة سعفة النخيل لبرلين . هناك بعض الأشياء لا يمكن برهنتها( الأصدقاء أخبروه بها ) أما المدن الأخرى فلديه تجربة شخصية بها ولم يوفر مرتبة اجتماعية أو سمعة . فضح الكثير من أسرار البيوت الدينية في القارة الأوروبية  ووصف ممارساتها التي كانت راقية وعصرية في المجتمعات العليا وانتهى  بذكر التفاصيل  – قصة عن دوقة انكليزية  – قصة يعرف صدقها . دُهش تشاندلر الصغير .

تابع أغناتيوسغالاهر  : ” أوه ..حسنا ..هنا نحن في دبلن العجوز التي لا تعرف أشياء كهذه .”

أجاب تشاندلر الصغير : ” لابد أنك تجدها مملة بعد كل هذه الأماكن التي شاهدتها.”

قال أغناتيوسغالاهر : ” حسنا . وكما تعلم ، حضوري إلى هنا مجرد استراحة و فوق كل شيء  وكم يقولون إنه البلد الأم . أليس كذلك ؟ لا يمكنك إلا أن تمتلك مشاعر خاصة نحوه . هي الطبيعة البشرية . لكن أخبرني شيئا عن نفسك . أخبرني هوغان أنك تذوقت  بهجة أكل لحوم البشر . منذ سنتين .أليس كذلك .”

احمر وجه تشاندلر الصغير وابتسم . ثم أجاب : ” نعم . لقد تزوجت في أيار الماضي منذ اثني عشر شهرا . ”

قال أغناتيوسغالاهر : ” أمل أن لا أكون متأخرا في الوقت في تقديم تهنئتي . لم أكن أعرف عنوانك وإلا لكنت قمت بالواجب في الوقت المناسب. ”

مد يده مصافحا التي تناولها تشاندلر الصغير وتابع قائلا : ” حسنا يا تومي . أتمنى لك ولزوجتك كل بهجة في الحياة   يا صديقي القديم  بالإضافة إلى أطنان النقود وأتمنى أن لا تموت إلا بعد أن أطلق عليك النار . هذه هي أمنية الصديق المخلص ، الصديق القديم المخلص .تعرفها .أليس كذلك ؟

أجاب تشاندلر الصغير : ” اعرفها.”

قال أغناتيوسغالاهر : ” ألديك أطفال ؟ ”

احمر تشاندلر الصغير مرة ثانية  وقال : ” لدينا طفل واحد.”

” ولد أم بنت ”

” ولد صغير ”

صفع أغناتيوسغالاهر صديقه بقوة على ظهره وقال : ” برافو. لن أشك في ذلك يا تومي .”

ابتسم تشاندلر الصغير ونظر باضطراب إلى كأسه وعض شفته السفلى بثلاثة أسنان أمامية  طفولية  وقال : ” آمل أن تقضي معنا أمسية  قبل أن تعود . ستسر زوجتي بلقائك . يمكن أن نستمع لشيء من الموسيقا و….”

قال اغناتيوسغالاهر : ” شكرا جزيلا يا صديقي القديم . أشعر بالأسف لأننا لم نلتق  في وقت مبكر .  علي أن أغادر غدا ليلا . ”

” ربما الليلة …؟ ”

قال أغناتيوسغالاهر : ”  أنا آسف جدا يا صديقي القديم . أنت ترى أنني هنا مع زميل آخر . صديق شاب ذكي .  وقد رتبنا أن نذهب لحفلة نلعب بها الورق ..وهذا هو السبب ….”

” أوه ..في هذه الحال…….”

قال أغناتيوسغالاهر :” من يعرف؟  في العام القادم قد آتي إلى هنا  الآن وقد كسرنا الجليد . سأعتبره سعادة مؤجلة. ”

أجاب تشاندلر الصغير : ” حسن جدا.  في المرة القادمة التي تأتي فيها إلى هنا يجب أن نقضي إحدى الأمسيات معا . هذا اتفاق . أليس كذلك ؟ ”

قال أغناتيوسغالاهر : ” نعم . اتفقنا . في العام القادم إذا أتيت . كلام شرف ”

تابع تشاندلر الصغير : ” ولكي نثبت الاتفاق سأشرب كأسا  آخر الآن .”

أخرج أغناتيوسغالاهر من جيبه ساعة ذهبية ضخمة ونظر إليها  ثم قال : ” ألا يجب أن تكون الأخيرة ؟  كما تعلم لدي موعد . ”

رد تشاندلر الصغير : ” أوه .نعم . بكل ايجابية .”

قال أغناتيوسغالاهر : ” حسن جدا . دعنا نشرب كأسا آخر تتويجا لصداقتنا . وهو قول عامي  ، على ما اعتقد ،لكأس وسكي صغير .”

طلب تشاندلر الصغير كأسين . احمرار وجنتيه الذي استمر لعدة دقائق  استقر الآن. أي شيء تافه يجعله يحمر خجلا في أي وقت ثم  شعر بالدف  والإثارة . صعدت ثلاث كؤوس من الوسكي إلى رأسه أما دخان سيجار غالاهر الثقيل فقد شوش عقله. لقد كان إنسانا رقيقا متقشفا . ومغامرة لقاء غالاهر بعد ثماني سنوات ، أن يجد نفسه مع غالاهر  في حانات كورليس  محاطا بالأضواء والضجيج  ومصغيا لقصص غالاهر  ومشاطرا غالاهر  فترة قصيرة من حياته المنتصرة المليئة بالتشرد والسكر  ومنزعجا من طبيعته الحساسة . وشعر بحدة التناقض بين حياته وحياة صديقه  و بدا له أن العلاقة غير متكافئة  فقد كان غالاهر أدنى منه في المولد والثقافة . كان متأكدا أنه يستطيع أن يفعل شيئا أفضل مما فعل صديقه أو كل ما يمكن أن يفعله  ، شيء ما أفضل من الصحافة  المزخرفة إن حصل على الفرصة المناسبة . ما الذي يقف في طريقه ؟ خوفهالشديد ؟ تمنى لو يستطيع إثبات نفسه بطريقة أو بأخرى فقط ليثبت رجولته . لمس شيئا وراء رفض غالاهر دعوته . وهو أن غالاهر يناصره بمودة  تماما كما يناصر ايرلندا بزيارته .

أحضر النادل كأسيهما . دفع تشاندلر الصغير كأسا نحو صديقه وتناول الثانية بشجاعة . وقال أثناء رفعهما لكأسيهما  : ” من يدري ؟ عندما تأتي السنة القادمة قد أُسعد  بتمني حياة طويلة وسعيدة للسيد والسيدة أغناتيوسغالاهر . ”

قام أغناتيوسغالاهر وأثناء احتسائه لكأسه بإغماض إحدى عينيه  في حركة معبرة من خلال حافة كأسه . وعندما انتهى ضغط شفتيه بقوة ثم وضع كأسه وقال: ” لا خوف من ذلك يا صديقي . قبل أن أدخل القفص الذهبي سأستمتع بالملذات وأرى شيئا من متع الحياة . هذا إن فعلت ذلك . ”

أجاب تشاندلر الصغير بهدوء : ” ستفعل ذلك يوما ما .”

أدار أغناتيوسغالاهر ياقته البرتقالية وعيناه الزرقاوان مفتوحتان على صديقه وقال : ” أتعتقد ذلك ؟ ”

كرر تشاندلر الصغير كلامه بتصميم  وقال :” ستدخل القفص الذهبي مثل كل الناس متى وجدت الفتاة المناسبة .”

أكد قليلا على نبرة صوته وكان يدرك أنه خدع نفسه ورغم أن اللون الأحمر ازداد في وجنتيه  لم ينج من تحديق صديقه . راقبه أغناتيوسغالاهر لعدة دقائق وقال: ” إن حدث ذلك ، يمكنك أن تراهن على أخر دولار لديك بأنه لن يكون هناك أي علاقة غرام أو كلام فارغ منمق . أعني أنني سأتزوج النقود . يجب أن يكون لديها حساب  كبير في البنك وإلا ما نفعها لي ؟ ”

هز تشاندلر الصغير رأسه

تابع أغناتيوسغالاهر بحماس قائلا : ” لماذا يعيش الإنسان؟ أتعرف ما هي حياته ؟ علي فقط أن أقول كلمتي  وفي الغد أجد المرأة والمال . ألا تصدق ذلك ؟ حسنا . أنا أعرف ذلك . هناك المئات – ماذا أقول ؟  بل الآلاف  من الألمانيات الثريات واليهوديات المتعفنات بالمال ..وهذا ما يسرني أيما سرور ….انتظر لحظة يا صديقي  وشاهد إن كنت ألعب الورق كما يجب . أقولها لك  عندما أنوي شيئا أعمله بمهنية . فقط انتظر . ”

أفرغ كأسه في فمه  أنهى مشروبه وضحك بصوت عال ثم نظر أمامه شاردا وقال بنبرة هادئة أكثر : ” لكنني لست في عجلة من أمري . يستطعن الانتظار  وكما تعلم لا أريد أن أربط نفسي بامرأة واحدة . ”

حاكى بفمه حركات التذوق  وقطّب وجهه ساخرا وقال  : ” أعتقد أنني تقدمت قليلا في السن .”

جلس تشاندلر الصغير  في غرفة في أقصى القاعة  حاملا طفلا بين ذراعيهوحتى يوفر النقود لم  يجلب خادما . لكن مونيكا أخت آن الصغرى تأتي  لمدة ساعة في الصباح  وساعة في المساء لتقديم يد العون . إلا أن مونيكا ذهبت لبيتها منذ أمد طويل. كانت الساعة قد صارت التاسعة إلا ربعا . تأخر تشاندلر الصغير في العودة للبيت لتناول الشاي  وفوق هذا نسي أن يحضر  ظرف القهوة من محل بيولي. طبعا تعكر مزاجها وردت بإجابات مقتضبة . قالت إنها تستطيع الحياة من دون الشاي  ولكنها عند اقتراب موعد إغلاق المحلات قررت أن تذهب بنفسها لشراء ربع كيلو من الشاي وكيلوين من السكر . وضعت الصبي النائم بسرعة بين ذراعيه وقالت :  ” إليك  الصغير . لا توقظه .”

على الطاولة انتصب مصباح صغير بظله المصنوع من الخزف الصيني الأبيض حيث سقط نوره على صورة يحيطها إطار مصنوع من القرون المجعدة . تلك كانت صورة آن . نظر إليها تشاندلر الصغير متأملا شفتيها الرقيقتين  المشدودتين . كانت ترتدي بلوزة صيفية زرقاء باهتة  وكان قد أحضرها لها للمنزل كهدية إحدى أيام السبت . كلفته عشر دولارات وأحد عشر بنسا . ولكن كم كلفته من تعب أعصابه!. كم تألم ذلك اليوم منتظرا أمام باب الحانوت حتى يفرغ من الزبائن حيث وقف أمام طاولة العرض محاولا الظهور بهدوء وفتاة المحل تكوم أمامه البلوزات . دفع عند طاولة الحساب ونسي أن يلتقط السنت الوحيد المتبقي من الحساب . ناداه المحاسب بالعودة  وأخيرا وبجهد جهيد أخفى احمرار وجنتيه وغادر المحل وهو يتفحص الطرد ليرى إن كان مربوطا جيدا . وعندما جلب البلوزة للمنزل قبلته آن وقالت أنها كانت عصرية وجميلة ولكن عندما عرفت سعرها  رمت البلوزة على الطاولة وقالت خدعة نظامية أن يدفع فيها  عشر دولارات وأحد عشر بنسا . أول الأمر أرادت إعادتها . ولكن عندما جربتها  سُرّت بها  وخاصة طريقة صناعة الكُمّين .قبلته وأخبرته أنه لطيف جدا أن يفكر فيها .

هم !…

نظر ببرود إلى عيني الصورة وهما أجاباه ببرود . بالتأكيد كانتا جميلتين والوجه جميل أيضا .لكن وجد شيئا وضيعا فيه . لماذا هو ساهم شديد الأناقة ؟ . هدوء عينيها  يزعجه . تمردتا عليه بتحدٍ: لم يكن فيهما أية عاطفة أو حضور متفائل . فكر بما قاله غالاهر عن اليهوديات الثريات . وكيف أن تلك العيون الشرقية السوداء  مليئة بالحنان والشوق الشهواني. لماذا تزوج العينين الموجودتين في الصورة ؟

أمسك نفسه عن التساؤل  ونظر بعصبية  في أرجاء الغرفة . وجد شيئا ما وضيعا في الأثاث الجميل الذي اشتراه لمنزله بالتقسيط . لقد اختارته آن بنفسها وهو يذكـّره بها . وهو أيضا كان أنيقا وجميلا .  استفاق بداخله اشمئزاز كئيب من حياته. ألا يستطيع أن يهرب من هذا المنزل الصغير ؟ هل تأخر الوقت عليه ليعيش بشجاعة مثل غالاهر ؟ ألا يستطيع أن يذهب إلى لندن ؟ لا يزال يدفع ثمن الأثاث . لو يستطيع فقط أن يكتب كتابا وينشره لفُتِح الطريقُ أمامه .

أمامه على الطاولة هناك مجلد يضم قصائد بايرون . فتحه بحذر بيده اليسرى  كيلا يوقظ الطفل وبدأ يقرأ أول قصيدة في الكتاب:

الرياح هادئة والمساء مازال كئيبا

ولا زفرة واحدة تجول في الحقول

وعندما أعود لأزور ضريح حبيبتي مارغريت

وأنثر الزهور على تراب من أحب

توقف هنيهة . وشعر بإيقاع الشعر حوله في الغرفة . كم كانت كئيبة ؟ ألا يستطيع أن يكتب مثلها  يعبر عن كآبة روحه في الشعر؟  كان هناك العديد من الأشياء التي يريد أن يصفها : على سبيل المثال  ، أحاسيسه لعدة ساعات خلت قبل جسر غراتين.ليته يستطيع أن يعود ثانية لذاك المزاج ….

استيقظ الطفل وبدأ بالبكاء .استدار عن الصفحة وحاول إسكاته . لكنه لم يسكت . ثم بدأ يهزه نحو الأمام والخلف وهو بين ذراعيه  لكن بكاء الطفل صار عويلا . هزة بقوة أكبر بينما بدأت عيناه تقرآن المقطع الثاني :

داخل هذه الحجرة الضيقة تستلقي بقاياها

ذلك الطين كان يوما ما…….

لا فائدة . لم يستطع القراءة . لم يستطع فعل أي شيء. عويل الطفل ثقب غشاء طبل أذنيه. لا فائدة . لا فائدة . كان سجين الحياة . ارتجفت كلتا يديه وبغضب فجائي انحنى نحو وجه الطفل وصرخ : ” توقف .”

توقف الطفل لحظة . انتابه فزع  شديد وبدأ بالصراخ . قفز ناهضا من كرسيّه وراح يتمشى جيئة وذهابا في الغرفة والطفل بين ذراعيه . وبدأ يبكي بطريقة مثيرة للشفقة. توقف تنفسه لمدة  أربع أو خمس ثوان  ثم انفجر بالصراخ من جديد . تردد الصدى بين جدران الغرفة النحيلة عله يهدئ من روعه لكنه بدأ يبكي بصوت أعلى. نظر إلى وجه الطفل المتقلص  المرتعش وبدأ الخوف يستولي عليه . عدّ سبع شهقات متوالية من دون انقطاع وضم الطفل إلى صدره خائفا . ماذا لو مات ؟

دُفع البابُ مفتوحا ودخلت امرأة شابة تلهث قائلة : ” ما الذي يحدث ؟ ما الذي يحدث؟”

وعندما سمع الطفل صوت أمه انفجر ثانية في نوبة من البكاء….

” لا شيء. يا آن . لا شيء . هو بدأ يبكي …. ”

قذفت أكياسها على الأرض وانتزعت الطفل منه.

ثم صرخت وهي تحدق في وجهه  : ” ما الذي فعلته له؟ ”

تحمل تشاندلر الصغير نظرة عينيها للحظات وشعر أن قلبه انفطر لرؤية الكراهية فيهما ثم تابع  وهو يتلعثم :

” لا شيء…..هو…هو بدأ يبكي … أنا لم استطع ….أنا لم أفعل شيئا …ماذا؟ ”

لم تعره أي اهتمام  وبدأت تمشي إيابا وذهابا في الغرفة وهي تمسك الطفل بقوة بين ذراعيها  وتتمتم : ” يا رجُلي الصغير … رجُلي الصغير … هل أنت خائف … يا حبي ..أنا هنا…أنا هنا…يا حبي… حبيب الماما…. أحلى طفل بالعالم يا ماما….أنا هنا.”

شعر تشاندلر الصغير بالعار يلون وجنتيه  فوقف مبتعدا خلف المصباح . أنصت إلى نوبات النشيج تقل رويدا رويدا ، وبدأت دموع الندم تفيض في عينيه.

 

[1]من مجموعة قصصية بعنوان ” أهالي دبلن ” لجيمس جويس تدور حول قصص أهالي العاصمة الايرلندية وعاداتهم وتقاليدهم .

[2]كاتب روائي وقصصي ايرلندي (1882-1941)أشهر أعماله : يوليسيس ، صورة الفنان كرجل شاب ، أهالي دبلن ، يقظة فنكان

[3]محمد يوسف (1965- )مدربوأكاديمي ومحاضر في الجامعات السورية  / رئيس قسم الترجمة سابقا في الشركة السورية لنقل النفط/ رئيس دائرة العقود والمشتريات الخارجية سابقا في الشركة السورية لنقل النفط / حاليا رئيس دائرة التنمية الإدارية في الشركة السورية لنقل النفط.

[4]أطلانتس : في الميثولوجيا اليونانية القديمة  ترمز لآلهة الصيد

[5]المدرسة السلتية : نشأت في جنوب شرقي أوربا نحو القرن الخامس قبل الميلاد، وانتشرت  بعدة اتجاهات مع موجات هجرة الشعوب السلتية، حتى بلغت منطقة البحر الأسود وآسياالصغرى وجنوب غربي إسبانيا ووسط إيطاليا والجزر البريطانية، إلا أنها انحسرت معالحروب الرومانية وبدأت اللاتينية تحل محلها. وبحلول القرن الخامس الميلاديتلاشت اللغات السلتية ولم يبقَ منها سوى تلك المتداولةاليوم  في الجزر البريطانيةومنطقة بريتانيا الفرنسية، ويبلغ عدد الناطقين بها نحو مليوني نسمة. أما لغةالشعوب السلتية التي هاجرت إلى آسيا الصغرى فقد سميت لغتهم الغاتاليةوبقيت في تلكالمنطقة حتى القرن الخامس الميلادي.

 

[6]البوهيمية: البوهيمي أساسا هو أحد مواطني منطقة بوهيميا التشيكية لوصف أولئك المهاجرين الغجر الذين جاؤوا من رومانيا مارين بمنطقة بوهيميا، إلا أن المصطلح انتشر بمعنى آخر في فرنسا، أولا في القرن التاسع عشر الميلادي، حيث أصبح يدل على أي كاتبأو فنانيميل إلى اتخاذ سلوك أو العيش بنمط حياتي غير مألوف، سواء كان هذا سلوكا واعيا أو غير واعيا منه. ومن ثم فنمط الحياة الغجرية آنذاك كان بمثابة الشرارة الأولى لبداية ما يعرف بالبوهيمية في الأدب والفن في فرنسا و أوروبا.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: