ليلة في مهب السماء/ بقلم الأديبة السعودية عبير عزام

عيناها التي كانت تتسع لدنيا الآن تضيق بنجمة ، هربت من دفئ الضجيج وإختبأت في حضن السماء، رتّلت بعض أمانيها التي ستصحو غداً لتحققها، لكن السماء كانت خائفة، متجهمة في وجه نجمات طفولتها محملة الأماني، لم تفهم الصغيرة بعد معنى أن تحاول السماء قول شيء ، معنى أنها لم تعد تتسع لقطرة من أمنية،
معنى أن تعجز في إقتلاع مخبأ الصغيرة وحملها لحضن العائلة التي ربما ستصحو على أنقاضه يوماً،
الصغيرة تكرر الأماني لإعتقاد طفولي منها أن السماء ستنسى، تكررها وتضحك، تكررها وتضحك،
لكن السماء تُصدر صوتاً… هل تحاول إخافتها أم أنها أُصيبت بالضجر من الصغيرة!
يصير لونها أحمر،
تخاف الصغيرة وتستسلم لكنها لاتذهب قبل أن تودع أهلها وكل ماتحب الله ولكنها هذه المرة تنسى نفسها،
تتسلل لفراشها حتى لايراها الموت وتمسح على رأس دميتها وتعدها أن غداً ستنتهي الحرب وستأخذها للحديقة، هذه المرة كانت تشعر بصدق وعدها، كانت تشعر أن قلبها يلمس النهاية لكنها كصغيرة لا تُدرك من وجوه الشعور سوى الفرح، تسمع حسيس والدتها تأتي لتقبّلها حتى لاتزور الحرب منامها، لا تتصنع النوم فهي تريد أن تكمل والدتها جمع ضفائرها التي نثرتها السماء،
بثينة!
متى ستُقلعي عن عادة التسلل والهروب إلى السماء!
بثينة:كنت أريد أن أخبر الله شيئاً؛؛
الأم : لكن الله ياصغيرتي لا ينظر إلينا من أعلى،، ينظر الله إلينا من أعماقنا،،
تستطيعي أن تخبريه من على فراش نومك دونما الحاجة للتسلق وتخريب مظهرك الطفولي بالأغبرة،،
تعالي لتغتسلي قبل النوم ،،
بثينة: أمي أريد أن أنام لكن ما هذا!
لماذا ترتدي زي الخروج، هل جدتي مريضة؟
الأم : لا لكني أشعر بالبرد، كانت تُخفي عن طفلتها خوفها من أن تنام ثم لاتصحو إلا بين يدي قبرها، كانت تخاف أن يكشف الموت عورتها وهي التي يأخذ العفاف طهره من نقاء إيمانها، كانت تقتلع قلبها كل ليلة وهي تستطلع خط سير الموت من على سجادة صلاتها، وتقول يارب خذني لكن لاتؤذي أصوات القصف أحلام صغاري؛!
بثينة: مادمتِ تشعرين بالبرد فسأغتسل باكراً أعدكِ وتغطّت بلحافها، ونسيت أن تأخذ قبلة نومها الأخيرة؛
لم تحاول الأم حتى أن تؤنبها وذهبت بإبتسامة شبح مابعد الموت،
تلك الليلة حاولت بثينة أن تخبر الله من على فراشها أنها لم تستطع التأخر في إنتظاره ، لكنها لازالت تريد إخباره أنها تشعر بشيئ يقترب منها ويكاد يلتهم أعماقها لكنها لاتعرف ماهيته ولا كيف تُعبر عنه،
تخاف التوجس، وتخاف الفرح في آن،
لا يوجد في بيتنا لمبة يا الله أتمنى لو أن في غرفتي واحدة حتى لا أخاف من الصلاة في الفجر فأنا أكره الشمع ، وأريد كهرباء حتى أتوضأ بماء دافئ، سئمت الماء البارد فالغاز شحيح وأمي لاتسمح لي بتسخينه،
أريد أن أطيل صلاتي لكنني أخاف من إنطفاء الشمعة وإختلاء الحرب والظلام بي، لذلك لا أخشع، سامحني لكنني والله أحبك!
غلبها النعاس ونسيت أن تضم لعبتها،
نامت بعمق دونما أي تعويذة بين وشوشة قلبية لربها وبراءة جرمها في خلف وعدها للدمية،
لأول ليلة تشعر وكأنها تنام من الحرب والقصف والخوف، تنام من كل هرب، نومة الكهف لليلة واحدة ولكن فقدها للأبد!
نامت وكأنها في جناح جنة دونما التعلق بوعد أو أمل،
نامت وكأنها النهاية بشعور لاتعرفه بعد،
لم تستطع الإستيقاظ شيئاً ما يضغط على عينيها يشبه الموت لكنه حي!
ربما لازال النوم يربت بليلته متقلبة الشعور على عينيها رحمة،
عادت لتحاول النوم لكن الضوء أقوى، ربما إستجاب الله لقلبي وأشعل لغرفتي لمبة من نجمة سماء،
الأصوات تشتت ذاكرتها ربما أصوات المصلين، لكنها قريبة مني والمسجد بعيد، فجأة تسمع صوتاً يناديها وتعرفه؛؛ جدتها تبكي
بثينة،
بثينة،
تتجه نحو الصوت لكنها لا تستطيع حمل الجبلان اللذان ربتا على عينيها رحمة ألا ترى!
الجدة:لا عليك يا قلب جدتك ستكوني بخير،
بثينة: سأكون بخير!
أين أمي هي الوحيدة التي أصدقها حينما تخبرني بذلك،
لا أحد يجيب ، والأصوات المتهالكة، الصافرات المتضاربة لا تدع لي مجال لمسايرة الحياة،،
حتى الذاكرة تُدير وجهها عن الصغيرة،
ربما هي الأخرى لقت حتفها في تلك الليلة،
قلبها ليس خائف، ودمعها لايجد سبباً للهطول؛
وكل ماحولها لايمد لطفولتها بصلة،
سكتت قليلاً لتتذكر أي أمنية أوقعتها في قدم للموت،
تذكرت أن قلبها لم يتجرع تلك القُبلة، وأنها لم تستودع نفسها لله لكنها عادت وأخبرته بخطاياها ونست أن تقول آخر أمانيها وأولها أن يتقبلها مع عائلتها بقبول حب وجنة،،
تهمس بأسماء عائلتها ولا مجيب،
يُطفئ قلبها شموعة لتتوقف عن رغبة النظر،
لم تعد تدري أكان ذاك الصوت لجدتها أم سراب،
فعادت تحاول النظر لترى جدتها وبعدها سقطت بكل طفولتها في حضن الجدة وتسرب من ذلك اليوم مايقارب الشهر ، وهي لاتجرؤ حتى عن السؤال أين عائلتي،؟
فهي من أهدتهم للإله لأنه بات المكان الآمن من وحشية الحياة حالما أصبحت بيد سماسرة السلطة،
في بلادنا يابثينة المقابر للحب،
والموت للأمان،
والجوع للطفولة،
لا مكان للإنسانية لهذا تحصد الحرب الإنسان في أرضنا لأنها غير صالحة سوى للقاذورات،
الحرب يا بثينة وجدت أرضها بين وحشية النفوذ في الداخل وتعارض المصالح من الخارج،
لاشيء أكثر وحشية من الإنسان حالما يتعلق الأمر في فرض السيطرة والتأله على أثرياء الجهل والتخلف،
بإسم التقاليد سوف يسطو على أحقية إنسانيتنا،
سوف يقتل خضرة الأرض وشبابها بلغم،،
سوف يعصر بيتنا بقذيفة،،
سوف يهجّر البسيط من وطنه ليشحذ بإسم المنظمات الإنسانية،،
سوف يتباكى بخطابات أُقسم ألا أحد يفهمها حتى يتعاطف العالم مع الظالم على عين المظلوم،،
حتى يستمر في التجذر،، هو لايحتاج سوى للوقت حتى يمد يده لما وراء حدوده وتتمدد جذوره،،
لكن لا أحد يقف مع الإنسان في أرضي سوى المصير المجهول ،،
إما الموت أو التهجير،،
وإن حالفك الحظ ياصغيرة وأوصل العالم وجهك المتخم بالصدمة للمنظمات،،
سوف تسعى جاهدة تلك التي كانت سبباً في ملاقاة ذاكرتك حتفها في إحتضانك،،
وإعطائك فتات طفولة وإلتقاط بعض الصور ليغض الجاني الحقيقي طرفه قليلاً،،
لينسى العالم،،
وتعودي لجدتك وكأنك جئت من صُلب الرياح!
وهكذا … حتى يعرف الجاني مايشبعه حقاً!!
ولكل ليلة في مهب السماء أطفالها يا بثينة وذاكرة تستأصل،، وألف سؤال تموت أحقيته،
فحياتنا باتت بور من كل سبب يشبه الآدمية في وطني،!
وأي وطن كورق خريف متسكع تصفعه الرياح؛؛!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: