مَلاكُ الشَّاطِئْ / بقلم محمد ربيع

معَ إشراقةٍ جديدةٍ؛ يَتمطّى الطريقُ تأهُّبًا لمسيرنا، الشمسُ والأمواج في عناقٍ راقصٍ، بينما نجرُّ عرباتنا الخشبيةِ نحو الشاطئ، وندفعها أحيانًا أخرى ، حين تضربُ بواطن أرجلنا الأرضَ؛ تنعشها الرِّمالُ الذهبية الملتهبة، فقط نسير ببطءٍ كالجمال، علَّ أحدهم يشير بسببَّابته مستوقفاً أحدنا للشراء، على أيمانِنا كتلٌ من المصطافين، قد تداخلتْ مقاعدهم ومظلاتهم زحفًا خلف الظلِّ، أشخاص غُرُّ المباسمِ محاطون بالبهْجةِ، الأطفال في لهوٍ دائمٍ لم ينج البحر من عبثهم، الرجال القادمون من أُتُون الجِدّ والعمل بحثًا عن أوقات لطيفةٍ ومتعةٍ ستزول حتمًا في طريق العودة؛ افترقنا بعد مدخل الشاطئ بأمتار معدودةٍ، لكلٍ منا حرمه التجاريّ المحدد بعدد المظلات، حدا بي تسلُّط الشمس إلى وضع شالٍ أبيضَ مبتلٍ على رأسي، أربطهُ بطريقةٍ خاصةٍ بحيث يتدلى طرفاه على ظهري، اعلِّقُ كيس النقود بإحكامٍ في حزام بنطالي الجينز الذي قصصته إلى الركبة، قميصٌ أبيض قد شمَّرتُ أكمامه حدَّ العضدين، مزهوًا بنفسي كنتُ، دائم المزاح وإلقاء النُّكت، ألاطفُ الصغار بينما أغازلُ الكبار، بالنسبة لي؛ عملٌ لا بأس به مؤقتًا، أجمع أموالًا تكفي متطلبات الجامعة، وانطلقتُ في حماسةٍ أرُّوجُ لبضاعتي في تأنقٍ وشغفٍ، تشكل الجمل المتوالية خروجًا من فمي، جرسًا موسيقيًا يحبه الناس، (آيس كريم لحماده وريم/ آيس يبل الريق ويطفي الحريق/ شوكولاته وحليب وفواكه…) نما إلى مسمعي همسٌ من الخلف، التفتُّ مبديًا ابتسامتي بينما وجهي بعلوه الفضولُ، فإذا بغطاء رأسٍ دائريٍ مطرزٍ بوردةٍ سوداءَ، يتطايرُ من تحت أطرافها شظايا من ليل فاحم ثم يرتد إلى كتفيها بلطفٍ، خُيِّل لي أنه شَعرُها، هبطتُّ بعيني لأقعَ على لوزتين خمريتين معجزتين، ترفعُ ساعدها البضُّ إلى وجهها بينما أراقبها فتسفرُ نظارتها الشمسية السوداء عن عينين كاحلتين لم ينل منهما ملحُ البحرِ ولا رذاذُ الشاطئ، فاغرًا فاهي محملقًا ساكنًا إلا من دهشةٍ، ثلاثينية تهمسُ في أذن الصّباح وتطبعُ على جبين الشمس قبلةً، لم أهملها حتى بادرتُها متحذلقًا: “فتىً أبيعُ المثلجات على الشاطئ لكنني اليوم قررتُ أن أبيع نفسي للقمرِ” ما إن فرغتُ من مغازلتي حتى أومَضَتْ عن ثغرٍ نضيدٍ وثنايا كالدُّرَرِ، على البائع أن يحدث نوعا من الأُلْفة للزبائن خاصة مع النساء، ببساطة لأنهن أقصر طريق لجلب أموال رجالهن، _استراتيجية موفقة غالبا_تَلا ابتسامتها حوارٌ هادئٌ، ثم ضحكةٌ صاخبةٌ، علمت مغزاها حين علا صوتُ خلافنا حول ثمن المشتريات، فجأة أحاطنا ظلٌ حجب الشمس عنَّا، جسمٌ عظيمٌ مفْرِطُ الطُّولِ، مفتول الساعدين، غليظ، أهوج، أحمق، … نعتّه ُبكل ذلك وأكثر منفردًا؛ بعد ما أمطرني بوابلٍ من أقذر ألفاظ السبِّ والقذف المعروف شعبيًا بقاموس الشرطة، ثم لم أشعر إلا بانجذاب ياقتي لأسفل بينما وجهي متَّحدٌ مع تربة الشاطئ الصفراء الملتهبة، وغشتْ شعري حبَّاتُ الرمال، مُنهيًا صراخه بتعريفه بنفسه:” أنا أشرف نور الدين ظابط مكافحة مخدرات وممكن أوديك ورا الشمس” وانصرفا. اتخذتُ مكانًا قصيًا خلف المقاعد والمظلات، متكئٌ على إحدى عجلات عربتي، تتسابقً شهقاتي من جُرح نفسي، إذا بهيئىة قبالتي مجهولة، شاحبُ الوجه أنا قد بكيتُ حتى شرقتُ بماء وجهي، كانت سيدةً زهراء، تحمل كتابًا وبعض الورود، تفرَّستني عن كثبٍ ثم أردفت قائلة: “جفف دموعك يابني، واجِهْ مصيرك أو مُت ” تعجبتُ من وقْع كلماتها عليَّ، انقبضتُّ منها وانزويتُ حياءً، تاهت في زحام الشاطئ. أي أثر هذا الذي أحدثته تلك الكلمات المعدودات! انتفضتُّ، تخلصت من متعلقاتي، مسرعًا ألقيتُ بنفسي بين الأمواج ساعةً، خرجتُ أتابعُ النّداء على المُثلجات بمُكَبِّر صوتٍ عالي الجَوْدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: