مارس 15, 2018

نشمــيّة من الكـــرك / بقلم الروائي والقاص الأردني توفيق أحمد جاد

صباح ثقيل من صباحات كانون الثاني من عام 1981م.. كنتُ مثقلاً بالتفكير بمقابلة العمل الذي لا أعرف عنه الكثير من المعلومات.

مشيتُ مشتت الانتباه في أحد شوارع الشميساني، بين روعة المباني ودغدغة شمس الصباح.. بين حركة السّير الخانقة و دورة الحياة الصباحيّة.

وصلتُ لمكتب الشركة.. وقفتُ على الباب لا أجرؤُ على قرع الجرس.. دقّقت مرات ومرات باسم الشركة المكتوب على يمين الباب، لعلّ العنوان صحيح!

بعد لحظات استجمعتُ شيئا من شجاعتي وقرعتُ الجرس، فإذا بصوتٍ أجشّ يقول: “تفضّل”.

دخلتُ.. وما هي إلا دقائق معدودة حتى انتهيتُ من المقابلة.. و زال الهمّ!

عرفتُ أنّ العمل سيكون في جنوب الأردن.. في الكرك. وأنّ الشركة أجنبية، والراتب يعادل ثلاثة أضعاف راتبي الحالي.. وللعمل عدة امتيازات.. منها سكن وسيارة.

هكذا عرض.. لا يمكن لأحدٍ رفضه!، لذلك لم أتردّد في القبول.

طلِب منّي المباشرة في العمل – لحاجة الشركة – في مشروع إنارة لما يقارب نصف المحافظة التي أحببتها قبل رؤيتها.. أحببتها من تاريخها و رجالها الذين رفعوا من شأنها بكرمهم وجودهم.

باشرتُ التحضير للسّفر.. ثلاثة أيام وبعدها سأسافر بعيدًا عن بلدتي.. أهلي وأصدقائي وسأكون في بلدٍ جديد.. كلّ ذلك، زاد من توتري وترددي.

جهزتُ حقيبة سفري وشددت الرحال إلى العاصمة عمان بالتحديد.

هناك، سألتُ عن مجمع الجنوب.. كان مجمعًا صغير متواضع، فيه عدد قليل جدّاً من السيارات و بضع باصات كبيرة ذات حركة بطيئة مملة.

ركبتُ سيارة.. وجلست بجانب السائق لأرى – تفاصيل الطريق – وبعد ساعة تحرّكت الـ “190” الجميلة .. تمشي الهوينا.

كان الطّريق صحراوي، مليء بالحفر، وصيانته تكاد تنعدم، وشمسه حارقة، رغم أنّنا في فصل الشّتاء.. كلّ ذلك زاد من صعوبة السفر وزاد من توتّري.

على طول طريق السفر.. كنت كلما رأيت بلدة صغيرة أو قرية ظننت أنّها الكرك، إلّا أنّ إشارات الإرشاد كانت تكذّب ظنّي.. حتّى انعطفنا عن الطريق الصحراوي باتجاه الكرك التّي أصبحت تبعد 40 كيلومتر.

تغيّر إحساسي، وبدأت نبضات قلبي تزداد نتيجة التوتر..

أريدُ أن تمشي السيارة بسرعةٍ أكبر، لأصل وأرى الكرك..

ولصعوبة ذلك.. كنت أسرح في خيالي.. حتى رأيتُ يافطة مكتوب عليها “الكرك”.

بدأت بالتفكير.. أين سأنزل؟ أين سأذهب؟ هل سأتوه عن العنوان؟ لعلّي أسأل بعض المارة!

لكن بكلّ الأحوال لا بدّأن أعتمد على نفسي.. فطلبتُ من السائق أن ينزلني في وسط البلد.

نزلتُ هناك – حاملا حقيبتي، التي كانت عنوان غربتي – حيث دوّار صغير متواضع، يجلس على حافته أربعة رجال كبار في السن.

نزل من السيارة أيضًا فتاة من الأغوار الجنوبية، تعمل في عمان، وكانت في زيارة لأهلها بغور الصافي.

سألتني “إلى أين تذهب يا أخي؟”

فقلت على استحياء ” جئت للعمل في منطقة المرج ”

قالت: لقد أصبحت خلفنا.

قلت – وقد تبسمت تبسم الذي يجيد التمثيل- : أعرف، لكنّني أحببت أن أنزل هنا في وسط البلد، شكرًا لك.

بحثتُ عن تاكسي.. وأعطيته العنوان المقصود، فأوصلني إلى فيلا تقع على رأس الجبل في منطقة هادئة، تكاد الحياة تنعدم فيها.. لكنّها ساحرة.

قرعتُ الجرس، فإذا برجل أجنبي.. أحمر الشعر يطلّ علي، وقال بالإنجليزية ” تفضّل”.

دخلتُ، فوجدت امرأة عجوز تجلس إلى طاولة..

تعارفنا، فعرفت أنه المدير وتلك كانت زوجته.

جلستُ والمدير، نتكلم عن تفاصيل العمل والمهام المسندة إلي، وأعطاني عنوان الفيلا التي سأسكن بها، وعنوان العمل، ثم انصرفتُ على أمل اللقاء في صباح اليوم التّالي لمباشرة العمل.

بدايةً، كان لا بُدّأن أبدأ بمسح ودراسة أطراف القرية، حتّى أدرك خفاياها ومشاكلها، قبل الولوج إلى مركز القرية.

وذات يوم، ذهبت لقرية جبلية، ذات طبيعة صعبة.. تمتد على طول جبال عالية.. تشرف على البحر الميت، وتطل على فلسطين.. تسمّى” الطيبة الجنوبية”.

لفت نظري بيت يقع في منطقة عالية، الوصول إليه صعب.. فقررت أن أتمّ عمل اليوم وأتركه للغد.

لا أدري ما الذي انتابني عند عودتي للمنزل!

فقررت على أثره تأخير العمل في تلك القرية حتّى تتحسن نفسيتي و أرتاح من ذلك التعب الذي ألمّ بي فجأة.

في اليوم التالي، ذهبت إلى مناطق الشمال من المحافظة التّي تقع على مشارف وادي الموجب.. الوادي السحيق الذي إن وقفتَ على مشارفه، تصاب بدوار ورعب من هول المنظر.

كان الطريق ضيقًا، ملتوٍ و شديد الانحدار، والجبال وَعِرة مخيفة.

لكنّ ما حوله من قرى أثبتت لي قدرة أهلها على التعايش مع تلك الطبيعة.. وذلك بحسن الخلق والعشرة.

فانشرحت أساريري وبدأت العمل هناك بهمّة ونشاط.

وفي أول جمعة لي هناك، وبعد تناول الإفطار، قرّرت أن أذهب لاستطلاع مدينة الكرك..

مدينة تاريخية، رابضة على رأس جبل شاهق..

فزرت قلعتها التي لم أملّ من زيارتها في كلّ جمعة لاستطلع خفاياها المتجددة.

ولعظَم مساحتها، وتصميمها الذي يتخذ شكل الطبقات ..أخذت مني أيامًا وأيام..

وتعدّى شغفي بها لاستكشاف الكرك كاملة وحدود القلعة.. تعدّاها لشارع السوق الذي يسوده جو الألفة، فترى الناس بطيبتهم وحسن معاملتهم.. فلا تملّ من البساطة والترحاب من أهله.

وتعدّاها لمؤتة.. والمزار.. ومقامات الصحابة.. وشهداء معركة مؤتة.

أمّا بالنسبة للطبيعة فيها، فهي أشبه بطبيعة فلسطين الحبيبة.. ليس فقط الطبيعة، فالأهل والبلاد متشابهون إلى حدّ كبير.

انتهت الإجازة، وعدت للطيبة..

في الحقيقة، هي اسم على مسمى، بمجرد دخولك لها، لن تنساها.. فكيف لو عاشرت أهلها!؟

باشرتُ العمل في نفس الموقع الذي بدأت به..

وبعد سويعات.. ظهر من ذلك المنزل امرأة في مقتبل العمر، سارت باتّجاهي..

فأشحتُ بوجهي عنها.. ألقت السلام وقالت “اليوم بعد الظهيرة غداكم عندنا”

لم تسألني عن عملي! ولم أعرف ماذا أرُدْ.. هل أقبل أم أرفض!؟ لقد كنت خجولا بطبعي.

وقفت تنتظر مني إجابة.. فبادرت قائلة :” لا تنسَ يا أخي”.

نظرتُ إليها باستغراب.. فرأيت امرأة يشعّ النّور من وجهها، والطّيبة والجمال السّمة الظاهرة على محيّاها..

وقلت: “شكرا لك يا أختي، ولكنّني لا أستطيع تناول الغداء عندكم”

هي: ولم؟

أنا: “أولا، أنا لا أرى هناك رجالاً، وأنت تسكنين في بيت “مُطرِف”، فلكِ الشّكر وجزاك الله خيرًا”.

هي: عفوًا يا أخي، سيكون هناك من ينتظركم.. فلا تقلق.

وُضِعتُ في موقف لا أحسد عليه، سرحتُ أفكّر.. وبدأتُ أحسب عواقب ما أنا فيه..

فمن يدعوني للطعام.. امرأة شابة، ولا رجال هناك والبيت بعيد عن منازل القرية نوعًا ما.

أخرجتني من شرودي.. وقالت :”لن أقبل منكم أي عذر، فالمعازيب بانتظاركم”

غادرت ولم تنتظر مني رد

تركتني في ذهول.. فلم يخطر ببالي حينها كرمُ هذه السيدة، ولا العادات الطيبة في هؤلاء الناس.

فكرت.. “ماذا عساي أن أفعل؟ ولم أنا في هذا الموقف السخيف؟ لقد اعتدتُ أن أرفض الدعوات من أهل المحافظة أثناء عملي لكثرة دعواتهم لي!” ولكنّ هذه المرّة.. تختلف!

بعد حوالي ساعة، شاهدتُ رجلا كهلاً ذو لحية بيضاء.. له نور في وجهه.. وكأنه ممتد من السماء إلى وجهه المنير..

كان يركب فرسًا بيضاء جميلة.. يركبها كأنه فارس مغوار..

فأشار لي بيده ملوحًا “السلام عليكم، أنا بانتظاركم يا شباب، حيّاكم الله”.

لم ينتظر هو أيضا مني رد.. بل استمر في طريقه إلى ذلك المنزل المرتفع.. وأنا أنظر إليه بإعجاب.. بالفعل كان ذو هيبة على فرسه!

انشرحت أساريري مرة أخرى وارتاحت نفسي لرؤية هذا الرجل.. وعدتُ لإكمال عملي بكلّ أريحيّة ،وهمّة ونشاط.

وبعد مرور ساعتين.. طلّ علينا ذاك الشيخ من أمام بيته ملوحًا بيده ومناديًا ” حياكم الله، تفضلوا”.

قلت لمساعدي أنّه يجب علينا القبول، فتوجهنا إلى المنزل.

استقبلنا الشيخ، وأدخلنا إلى غرفة ذات فراش متواضع.. لا يتعدى الأربع فرشات، مع متكآت تتوزع على ثلاث جهات.

وفي الوسط مفرش بلاستيكيّ، وُضِعَ عليه المنسف وحوله الشراب والماء.

جلسنا في صدر الغرفة، وقال لنا الشيخ :”تفضلوا على ما قسم الله”..

لم يبادر بالسؤال عنّا أو عن طبيعة عملنا، بل بادرنا بالكرم والجود.

سمينا(بسم الله الرحمن الرحيم)، ولم نكن قد تناولنا شيئا قط.. وإذا برجل يرتدي بزّة عسكرية يدخل علينا، جلس مرحبا بنا، وطلب منا البدء بتناول الطعام.

أنهينا طعامنا واستأذنت للعودة للعمل.. وكان لا بدّلي من أن أعرف أنّ ذلك الرجل الكهل هو أبوها، والرجل ذو البزّة العسكرية، لم يكن إلاّ النّشمي، راعي المنزل وزوج النّشمية.

 

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: