أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق القصة القصيرة / يد الأم / بقلم : أنور الخالد
يد الأم / بقلم : أنور الخالد

يد الأم / بقلم : أنور الخالد

تعيش أيامها الأخيرة،  بعدما ألم  بها السقم  من مرض عضال فتك بدمها.  اختلت على إثره نظام حياتها.  وحسم الموت أمرها وأنقطع أجلها وفني أملها.  تتقاطر دموع معلقة في عينيها،  يصحبها تنهدات متتالية وحسرات ملؤها العبرات.    ترمق  أطفالها يقفزون حولها كأفراخ حمام.  لا يعرفون مدى مصابهم وكم دنت ساعة اليتم والقهر من أمامهم.  تمسك بيد زوجها تنظر له نظرة مودع وتبذل ما بوسعها لتبوح له بوصيتها الأخيرة.  يقبل رأسها ويمسح العرق من جبينها لقد أحبته وأحسنت عشرته.  فكيف يفارق من ألفت روحه.  تقول له بصوت خافت حنون:    بعد موتي قد تتزوج ولكن تذكر أن أطفالي أمانة فلا تذرهم أيتام،  يستشعرن الذل والهوان على يد زوجة أبيهم.  كل ما اطلبه منك إذا فني الجسد، وذاب  لحمي،   وجف شحمي، وخشخشت عظامي.  أن  تأخذ قطعة من  عظام ساعدي تعمل منها لفافة كعصا.  إن أرادت زوجتك أن تضرب أبنائي فلتضربهم بها.  فمهما اشتدت ضربتها لن تكون مؤذيه لأنها يد أمهم داخلها.

ولا يوجد ارحم من يد وقلب الأم على أبناءها.

بعد أن شيع جنازتها  وأنزلها  في قبرها ونفض التراب من فوقها. يعود زوجها

موجع القلب حزينا،  ضيق الصدر،  مكروب الروح،   يتلوى افتراقها حبيس اشتياقها.   .  يرنو بيأس وحيرة لمستقبل مظلم وعيش مبهم.   ثلاثة أطفال تركتهم خلفها  أكبرهم لم يتجاوز السنة الخامسة من عمره.  جمع صبره ولملم شتاته، يكمت حسرته ونار الوجد تحرقه.

سنة كاملة يقوم  بجدب الأب و حنان الأم يتحمل بها العناء،  ومر الصبر والشقاء.  وبإلحاح من الأهل والأقارب تزوج بعد استشارات و سؤال على من تساعده على في مسيرة حياته و تعوض الأطفال عن حنان أم فقدوها قبل أن تتفتح براعم حياتهم.

قبل الزواج بأيام ذهب إلى قبر زوجته يجلس أمامه يدعو لها ويذرف الدموع على تربتها.  حتى إذا ما غابت الشمس وأمن أنه الوحيد في المقبرة فتح قبرها وتناول عظمة من عظام ساعدها.  ولفها بقماش أخذه من بقية قميص لها.  وإلصاقها بإحكام منفذا وصيتها.

بيوم الزواج يجلس أمام زوجته الجديدة يوصيها بالأطفال خيرا وأن تعاملهم بالحسنى، ومهددا بأن زواجه لن يطول في حال كانت قاسية عليهم.  وأعطاها العصا التي أعدها وطلب منها في حال تأديب أي واحد منهم أو تانيبهم و في الحالة القصوى أن لا تستخدم أي وسيلة أخرى سواها.  هزت رأسها موافقة ووعدت بأنها لن تخالف رأيه.  وستكون طوع أمره.  تبذل بمكر غاية الجهد في أن تسيطر على قلبه.  لتسدل ستاراً كثيفاً من النسيان على حب زوجته المتوفاة،  وتباعد بينه وبين الأطفال.  أيام قليلة  انكشف وجهها الحقيقي بعد أن تكسر قناع نفاقها.  فكشرت عن نابها وبانت مساوئ أخلاقها.  توبخ الأطفال  كيف ما تحركوا تسب أمهم وبالعصا الغليظة التي أعدها زوجها تضربهم.  ينظر لهم والدهم بعين الرضا ويتنفس العداء فهم لا يتألمون من ضربها بل يركضون من أمامها ضاحكين وكأنهم يمرحون معها  فتزداد غيظا وغضبا.  ذات يوم أبى فضولها إلا أن تعرف ماذا بداخل العصا.  بعد أن ذهب زوجها إلى عمله مزقت القماش وفتحتها ورأت فزعة ما بداخلها عظام ملفوفة بأحكام.  بمكر وخبث أزالت العظام ووضعت بدلا عنها عصا خشبية من زان.  صار صراخ الأطفال يصم الأذان يتألمون مع كل ضربة على أجسادهم الغضة.  بنظرة ذاهلة حزينة راع  الرجل صياحهم   وهب الغضب من رقدته.  أحس بأن أمر ما قد حصل فأخذ العصا من يدها وفتحها فوجد القطعة الخشبية بداخلها.  سكت سكتة حزينة وكأنه يلملم الشجن والألم وأقبل إليها والشرر يقدح من نظراته ويقول غاضبا حانقا أنت طالق طالق.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) عام 1965 شارك في تنظيم وأدارة عدد من المهرجانات والفعاليات الثقافية ، صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي . ومن اعماله المحطوطة : مع سما في أميسا ( رحلة إلى عينيها ) سرد وبكت لونا ( سرد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: