إضاءة على كتاب “أمهات في عالم رقمي”. بقلم عبد المجيد جرادات. الأردن

لصحيفة آفاق حرة:


 القدريــــــة وروح العزيمة في المجموعة القصصية “أمهات في عالم رقمي” للدكتورة “مها المبيضين” 

 

                                                         بقلم. عبد المجيد جرادات

         

         سعيد جداً بالمشاركة بالحديث عن المجموعة القصصية للدكتورة مها عبدالقادر المبيضين والتي صدرت في مطلع العام 2021 عن دار ابن رشيق للنشر والتوزيع في عمان، علماً بأنني استخلصت عنوان دراستي، بعد قراءة أولية عرفت من خلالها أننا أمام تجربة متميّزة في عالم القصة، حيث ارتأت الدكتورة مها أن تنجز هذه المجموعة تحت عنوان (أمهات في عالم رقمي) وعند قراءة المفردات نجد سيمائية المعنى وجماليات اللغة وانسجام مضمون معظم القصص مع عنوان المجموعة.

         ماذا قدمت الدكتورة مها في هذه المجموعة؟ وماهي الاستنتاجات التي سنجدها ضمن العناوين الرئيسة؟

        عرفت الدكتورة المبيضين منذ التحاقها بجامعة اليرموك، وقد خبرت فيها الشجاعة، والقدرة على الاحتمال، أما مشروعها العلمي، فقد تكلل بالنجاح من خلال مثابرتها وصمودها، بعد أن أنجبت من الأبناء والبنات ما نعتز بهم ونفخر.

 

        تستهل الدكتورة مها كلامها بالقول: أيها الرب المتعالي في كبد السماء، إليك أفتح باب قلبي، وأطرق بابك، والنجوم التي تتناثر في الظلمة ترنو إليّ لتسجل طالعي، فانظر إليّ بعين رحمتك، فقد فاض قلبي بمحبتك، ولم يعد لي غيرك. أيها الرب: قدري الذي رسمته يداك لي ومشيئتك التي أردتها يطوقان عنقي بالألم، فما عاد قلبي يقدر على تحمل هذا الامتحان، وها أنا أسير في فناء منزلي أرقب النجوم وأدعوك بصمت أن تزيل الحجب عن روحي التي تناجيك بصمت، وتذرف عيني الدموع على أبواب رحمتك. 

 

       تحت عنوان موسيقى الصمت، صفحة9، تعود بنا الدكتورة مها إلى كلمات الإهداء عندما قالت (إلى جميع الأمهات والآباء: من لا يتطوّر ينقرض) وبإيقاعات معبّرة تتحدث مها عن دور الأمومة وجوانب المعاناة التي تتفاوت بين بعض النسوة بحكم التقاليد والعادات السائدة،  فتشير إلى ما يتسبب به الروتين من الملل وما ينتج عن ذلك من تعمّق الخلافات، وكيف تنشأ محاولات التمرد ولماذا يتم الاحتكام للصمت أحياناً، ومتى يحصل الخوف، وفي محاولتها للخروج من مأزق تحديات الزمن، تسلط الضوء على مفهوم الناس لطابع الأمومة، ولماذا يرى أحدهم أن الاعتناء بتربية الأبناء بات من مهام الخادمات، وهنا تبادر القاصة بالقول:

       (هذه المشاعر والافكار والأغنيات والسيمفونيات، سرعان ما تتلاشى وتزول، عندما تغلب لذة الأمومة الغريزية على تفكير المرأة صفحة 24). ملاحظة : الجميل في هذه القصة أنها توضح واقع التفاوت الثقافي بين العديد من الأزواج، وما ينتج عنه من تباين كثيراً ما يؤدي لغياب مفهوم الانسجام العائلي، الذي يؤسس مع الزمن للتشويش على طابع التماسك الأسري. 

 

        تضمنت هذه المجموعة ما يزيد عن خمسة عشر عنواناً، أذكر منها: الظل المهشم، عيد جديد ومختلف، دورة واحدة، نساء إيمان مالكي، المتوحدون، الإخلاص للخيانة، مقاعد بلون الفصول الأربعة، امرأة تشبه الساعة الرملية، ليبرالية في عالم رقمي تنز بالعشق، جدران من الأسلاك، حكايا الحليب، الفواتير، صور مهشمة او ذاكرة لا تقاس بالميجابايت.

 

        يُحمد للدكتورة مها المبيضين أنها ركزت دفاعاتها في هذه المجموعة على جملة محاور ترتبط بالسعي لصون العلاقة الأسرية ولنا أن نوضح ذلك على النحو التالي:

 

        أولاً: محاولة تصويب المفاهيم الاجتماعية حول واقع الأمومة، حيث تمهد في الصفحة 13 لمناقشة هذه الإشكالية بالقول (لو كانت الأمومة عملاً، لكان لها سن تقاعد) وفي معالجتها للواقع تؤكد على القول (كيف تثبت الأمهات أمومتهن؟) وهنا ترسم لنا القاصة لوحة معبّرة حول فهم بعض الأزواج لدور الأم عندما يُطلقون عليها لقب خادمة ممتازة : صفحة 15، ثم تستمر بحوارية نلتقط منها أجمل العبر على طريق تصحيح المفاهيم حول قدسية دور الأمومة وحاجة  أبناء المجتمع لحنان الأم.

 

            ثانياً: تكرر القاصة محاذير العالم الرقمي على دفء العلاقة الأسرية، حيث تختار مناسبة هي صبيحة يوم العيد وتقول (بالنسبة لي هو يوم اجتماع العائلة…هكذا يبدأ العيد، كما أحبه وأعرفه) وبعد أن رتبت المنزل وجهّزت أدوات الضيافة، كانت المفاجآت، فحين عاد الجميع إلى المنزل من صلاة العيد، كانوا كأنهم يتوافدون إلى جلسة مملة، الكلمات معلقة على الشفاه، وبعضهم لا يُكمل الجملة والبعض الآخر نسي أن يوجه تحية العيد لأمه، وفي تلك الأثناء تركزت كلماتهم حول تطبيقات الواتساب والتانغو والماسينجر، أما الذين تكلموا فقد كانت عباراتهم خالية من المضمون وطابع الحنية والأصعب هو أن الزوج لم يوّجه تحية العيد للأم التي تفانت بإعداد وتربية الأبناء: صفحة 37.

 

        ثالثاً: تحت عنوان دورة واحدة صفحة 46: تلجأ القاصة إلى مفهوم الانزياح فتقول: دورة واحدة في حركة الزمن، ويتغير طقس المكان، يتحوّل معها النهار إلى ليل والنهارات والليالي إلى فصول أربعة، ودورة واحدة تنقل السنة إلى سنة أخرى.

 

       في عالمي البسيط دورة واحدة تكفي لأن تنقلني من عالم إلى آخر، تنقلني من طفولتي إلى عالم الأمومة، وتضعني في عالم النساء الأمهات، والملاحظة في هذه القصة هي أن الدكتورة مها تتحدث عن جيل الفتيات اللواتي سبقن العالم الرقمي، فهي توثق مفاهيم الأب الذي كان يشجع ابنته على الارتباط برجل يقدر على توفير سبل العيش الكريم لها لتتفرغ للإنجاب وتستمر حركة الكون تبعاً لذلك، ثم تضيف القاصة: دورة حياة أمي كانت مناسبة لجيلها، لكن ما حدث مع الجيل المعاصر والقول للقاصة (مضحك وغريب) ومن المؤكد أن هذه أبرز الحقائق التي دفعتها لإنجاز هذه المجموعة .

 

       توقفت عند عنوان ( ليبرالية في عالم رقمي تنز بالعشق صفحة 136) إذ تشير الدكتورة مها إلى تجربة سائق تكسي كان يعتقد أن ابنه الذي لا يكف ليل نهار عن تصفح جهاز المحمول والكمبيوتر القديم سيحرز نتائج باهرة في إمتحان الثانوية العامة، بخاصة في مادة الحاسوب، ليعرف لاحقاً أن ابنه قد أخفق في نصف المقررات الدراسية، وتلك هي الحقيقة التي نتوقع أن تكون موضع اهتمام الأهل الذين يعنيهم أمر حماية أبنائهم من التلهي بنشاطات تسلب وقتهم على حساب تحصيلهم العلمي المنشود.

 

      بعد الجهد الذي بذلته لإنجاز هذه المجموعة، تعود الدكتورة مها المبيضين إلى الجانب المشرق في التعامل مع الأبناء فتقول في الصفحة 182 (انطلقت نحو زهور الياسمين والنرجس التي لا يُمكنني إلاّ أن أرعاها، وأنظر إليها برفق طوال الوقت، ويلتقط أولادي صورها بسعادة صوراً كاملة جميلة غير مهشمة، أو ذاكرة تقاس بالميجابايت والجيجابايت في عالم واسع).

 

        أخلص إلى القول بأن المجموعة القصصية (أمهات في عالم رقمي) هي نتاج أدبي رفيع المستوى من حيث توازن الأفكار وترابطها، وما تهدف إليه من رغبة بالحذر الشديد على مستقبل النشء، بعد أن وثقت الكثير من المواقف والممارسات التي تتعارض مع قدسية دور الأم، والتي نفترض بأنها  تنجب الرجال وتربي الأجيال.

 

       حين فرغت من قراءة هذه المجموعة، عادت بيّ الذاكرة للعام 1983، ففي ذلك الوقت أعلنت الإذاعة البريطانية BBC  عن تقديم جائزة على مستوى الوطن العربي لأفضل قصة، وعندما تكاملت جميع المشاركات، فقد أعلن عن فوز معلمة من العاصمة الأردنية عمان بعد أن أنجزت قصة بعنوان (أنصاف أمهات).

        أذكر أن رئيسة القسم الثقافي في الإذاعة البريطانية كانت الأديبة (هادية السعيد)، وعندما قرأت القصة الفائزة قالت (نحن أمام عمل أدبي وتجربة تستحق التقدير) أما المعلمة التي فازت بالجائزة فهي متزوجة وعندها ثلاثة أبناء: أصغرهم حديث الولادة، وقد صدر تعيينها في البادية الشمالية، ولأنها بأمس الحاجة للعمل، فقد اضطرت للمباشرة، حتى يكون بوسعها مشاركة زوجها بتحمل مسؤولية الإنفاق عليها وعلى أبنائها فماذا قالت هادية على لسان المعلمة؟

        تبدأ القصة بوصف المعلمة التي تقول: أفيق مع صياح الديوك، وعليّ أن أرضع المولود الجديد ثم أعد وجبة الإفطار لشقيقيه، وبعد ذلك أرتدي ملابسي على عجل، ثم أودع الأبناء عند جدتهم لأبيهم، وحين وصولي لموقف الحافلات، يتوجب عليّ ألاّ أسيء الظن بنظرات الركاب أو السائق، والمهم أن ينطلق الباص .

 

        تستغرق الرحلة ما يزيد عن ساعة من الزمن، وفي الكثير من الأيام أجد نفسي أمام نظرات حادة للمديرة التي تؤكد عليّ بالوصول قبل بدء الحصص، وبعد الدوام تبدأ رحلة العودة، وعند الوصول للمنزل تجد نفسها متعبة من السفر وفي آخر الشهر عليها أن تتقاسم الراتب مع أم زوجها التي ترعى الأبناء في غيابها وهنا تكون القفلة التي يبدو أنها استحقت الجائزة بسببها، والقول للمعلمة (أن لذة الأمومة الغريزية) تنسيها مشاق السفر وتجدد نشاطها نحو متاعب العمل. 

…….

إربد. الأردن

             

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: