أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / الأديبة الـمَهْجريَّة سَلْوَى سَلامَة
الأديبة الـمَهْجريَّة سَلْوَى سَلامَة

الأديبة الـمَهْجريَّة سَلْوَى سَلامَة

آفــــــــاق حُـــــــــرة

د. حسَّان أحمد قمحيَّة

سَلْوَى سَلامَة، وتُشْتهَر باسم سَلْوَى سَلامَة أَطْلس نسبةً إلى زَوْجِها الأديبِ والشاعر جورج أَطْلس، مُربِّيةٌ وأَديبةٌ وشاعِرة وصِحافِيَّة مَهْجريَّة، وُلِدَت فـي 26 نيسان سنةَ 1883 م بمدينة حِمْص السُّوريَّة من وَالدَيْن عُرِفا بأَخْلاقِهما الحميدَة، وهما بُطْرس نقُولا سلامَة ووَرْدة صنيج سَلامَة؛ وتَعَلَّمَت قواعدَ اللغة العربيَّة والعَروض والتاريخَ العربـي على يدي شَقيقِها الأستاذ حَبيب، والرياضيَّات على يدي شَقيقها الأستاذ قَبَلان، ثمَّ دخلت مدرسةَ البنات بحِمْص، وقد بَدَت عليها مُنْذ حَداثةِ سِنِّها أَماراتُ الذَّكاء والفِطْنة.

ابتدأتْ سَلْوَى سَلامَة الدراسةَ فـي الخامسَة من عمرِها، ونالَتْ الشَّهادةَ بتَفوُّق فـي الحاديةِ عشـرة. ولَـمَّا أَكْمَلت الـخامسةَ عشـرة مـن عمرِها عُيِّنت معلِّمةً فـي مَدارِس حِمْص، حيث دَرَّستْ وعلَّمَت وهذَّبت مئاتِ الطالبات؛ وتَسلَّمَت إدارةَ مدرسَة البنات الأَرْثوذكسيَّة فـي حمص بعدَ أن كانت مدرِّسةً فيـها. وأقامَت فترةً من الزمن، خِلال عامَيْ 1907- 1909 م، فـي مَدينةِ زحلة بلبنان،  تكتبُ فـي الـمَجلَّات والصُّحُف، مثل جَريدةِ «الـمَحبَّة؛ كما دُعيَت للتَّعْليم فـي مدرسَة «زَهْرة الإِحْسان فـي زحلة». وكتبت فـي مجلَّة «الحَسْناء» البَيْروتيَّة، ونشرَت فيها خطبَها وقَصائِدها التي ألقتها فـي الحفلاتِ والجمعيَّات الأدبيَّة والخيرية الـمختلفَة، وفعلتَ الشيءَ نفسَه حينما كتبت فـي جريدة حمص التي تُعدُّ أوَّلَ جريدةٍ صدرت فـي مدينة حمص وذلك سنةَ 1909 م. وفـي سنة 1910 م عيّنتها الجمعيَّةُ الفِلَسْطينية الأَرْثوذكسيَّة رئيسةً لـمَدارس الإناثِ فـي حمص. ويُذكر أنَّ الأديبةَ سَـلْوَى سَـلامَة سافرت إلـى القُدْس، وكتَبت خلال وجودِها هناك عدَّةَ مَقالاتٍ تُدافِعُ فيها عن الـمَرْأة وحُقوقِها.

لقد أخذتْ شُهْرةُ سَلْوَى سَلامَة تتَّسعُ بين الأدباءِ يومًا بعدَ يوم، وبلغت مَقالاتُها الرائعَة ما وَراءَ البِحار، ونالت استحسانًا عامًا، على الرغم من صِغَر سنِّها. وأصبحَ مَنْزلُها فـي زحلة ناديًا أدبيًا، يجتمع فيه كبارُ الشعراء والأدباء كحَليم دمُّوس وعيسَى اسكندر الـمَعْلوف وغيرهما.

تَزوَّجَتْ سَلْوَى سَلامَة بالأَديب والشاعِر والصِّحافـي الـمَهْجري جُورج مِيخائِيل أَطْلس سنةَ 1913 م، وسافَرا معًا إلى سَان باوْلو فـي البرازيل وهي بعمر 30 سنة، حيث أَسَّسا مَدْرسةً عربيَّة هناك «مَدْرسة الكرمَة». كما أسهمت سَلْوَى سَلامَة فـي بناء عددٍ من الـمَدارِس السوريَّة الابتدائيَّة فـي كلٍّ من البرازيل والأرجنتين وتشيلي، وفـي تَمْويلِ مُسْتشفى بحمص.

أَنْشأَ جُورج أَطْلس فـي سـان باولو مع سَلْوَى سَلامَة مجلَّة «الكَرْمَة» الثقافيَّة الأدبيَّة سنةَ 1914 م؛ وبعدَ وفاتِه سنةَ 1926 م وهو فـي سفرٍ إلى الأَرْجنتين، ثابَرَتْ على إصْدارِها منفردةً حتَّى وَفاتِها، حيث توقَّفت عن الصُّدور.

تُعَدُّ مجلَّةُ الكَرْمة الـمَهْجريَّة أوَّلَ مجلَّةٍ عربيَّة تتحدَّث عن الـمَرْأة، وقد استمرَّت فـي الصُّدور 30 عامًا. لقد بَثَّتِ الأديبةُ سَلامَة فـي هذه الـمَجلَّة آراءَها حيالَ مشاكلِ الـمرأة الاجتماعيَّة، كما نَشَرتْ بعضًا من شِعرِها ومُناظراتِها ومُساجلاتها الأدبيَّة. وتضمَّنتِ الـمجلَّةُ أيضًا تَرجماتٍ لبعضِ الفَلاسِفة الأوروبيِّين، ومُناقشاتٍ حولَ السِّياسة السوريَّة، فضلًا على أَخْبار الكنيسَة ومَواضيعَ فـي التَّرْبية والعُلُوم والطبّ. وقد أصبحت فيما بعدُ بمَنْزلةِ الناطِق الرسمي للنَّادي الحِمْصي فـي سان باولو؛ وفَضْلًا على ذلك، كانت الـمَجَلَّةُ تَنْشرُ صُوَرَ حفلاتِ زفاف أَبْناء وبنات الجاليَة السُّورية التي هاجرتْ إلى سان باولو. وبالإضافة إلى مقالاتِ سَلْوَى سَلامَة العَديدة فـي مجلَّتها الكَرْمة، نَشَرت فـي الأَهْرامِ والـمُقْتَطَف والعُروبَة، ونَشَرت كتابًا عن تاريخِ البرازيل. كما كانت بعضُ كلماتها تُنْشَر فـي جريدة السائِح فـي نيُويُورك أحيانًا.

لم يُعرَفِ انْضِمامُ الأديبةِ سَلْوَى سَلامَة إلى أيِّ رابطةٍ أدبيَّة. وقد صَدرَ لها عدَّةُ كُتُب هي: الكَلِمات الخـالِدة (الذي جمعت فيه خُطبَ زَوْجها جورج أَطْلس) وحَديقـة خُطَب وجرَّة الـمنّ وأَمامَ الـمَوْقِد، فضلًا على إشرافها على مجلَّة الكرمَة ونشر مَقالاتها وأَشْعارِها فيها كما ذكرنا.

تُوفِّيَت سَلْوَى سَلامَة فـي العاشِر من شهر شباط 1949 م عن عمرٍ ناهزَ 66 سنة، بعدَ أن تركت رَصيدًا باذخًا من الأدبِ النَّفيس؛ ودُفِنَت فـي سان باولو بالبرازيل.

لقد أجمعَ كلُّ من عرفَ هذه الأديبةَ، فـي الـمَهْجر وغيره، على أنَّها كانت أَهْلًا للاحترام والتَّقْدير والاستقامة. زِدْ على هذا وذاك أنَّ سَلْوَى سَلامَة كانت غايةً فـي التواضُع، لا تَسْعَى إلى مَدْحٍ وتَقْريظ، بل إلى نقدٍ وتَصْحيح، وهذا ما نَلْمسُه فـي مقدِّمة كِتابِها «حَديقة خُطَب»، كما نلمسُه جليًّا فـي تَقبُّلها لـمقدِّمةٍ دَبَّجها الأديبُ الـمَهْجري الكبير نَظير زَيْتُون لهذا الكتاب نفسه، حيث انتقد البناءَ اللغوي لبَعْض جُملِها وعباراتها، كما انتقدَ موقفَها و «تَحامُلها على الرجل السُّوري والـمَرْأة السُّوريَّة كما قال. وقد أَمْعَنت سَلْوَى سَلامَة فـي سَلامةِ طوِّيتِها ونقاء دَخيلتها؛ حيث صدَّرت كتابَها اللاحِق «أَمامَ الـمَوْقد» بإهدائه للأديب نَظير زَيْتُون الذي انتقد نُصُوصًا لها سابقًا – كما ذكرنا – وكالَتْ له من التَّقْريظِ والعِرْفان والشُكْر ما لا يقولُه إلَّا صافـي قَلْبٍ وسَريرة، فقالت فيما قالت: “إلى الأديبِ الكَبير والكاتِب الـمُلْهَم، إلى النابغَةِ الذي رصَّعَ الأدبَ بآياته البيِّنات، وأَلْبسَ جِيدَ الفُصْحى من رَوائِعِ قلمِه وبدائِع وَحْيه ما فاخرَ به أعلامَ الغابرين وما يُسابق بروعتِه عَذارى قرائِح نوابغ الآتـي …”. كما أنَّها بشَهادتِها هذه تَسْمُو وتحلِّق مع الذين يَشْهَدون بالفضلِ والعِلْم لأَهْلهما.

ووَصلَ التواضُعُ بالأديبةِ سَلْوَى سَلامَة شَأْوًا بَعيدًا حينما وصفت نَفْسَها فـي مقدِّمة كتابها «جَرَّة الـمَنّ» بالعاجزة، حيث قالت: “كلمَةٌ عَنَّ لـي، فـي مَطْلعِ أَسْطُري هذه، نشرُها … فلقد ألحَّ عليَّ عددٌ من طالبي الـمُطالَعَة ومحبِّيها، واقتَرحُوا على هذه العاجِزة جمعَ بعض مَقالاتها الـمُخْتَصرة ذات الـمَغازي الجميلة. لهذا لَبَّيتُ الطلبَ وعَمدتُ إلى إِصْدارِ هذه الـمَجْموعة من مَقالاتـي …”.

كما عبَّرتْ سَلْوَى سَلامَة عن تَواضُعِها شِعْرًا فـي إِحْدَى الحفلاتِ الخِطابيَّة، فقالَتْ:

“أَكْرَمْتُمُ العِلْمَ فـي شَخْصـي الوَضيعِ لِذا

            أَنُوبُ عَنْهُ وأَهْدي الكُلَّ شُكْرانا

وإِنْ بَدا دُونَ قَصْدٍ فـي مُحاضَرَتـي

            ما أَزْعَجَ السَّمْعَ أَرْجُو الجَمْعَ غُفْرانا

لقد فهمت سَلْوَى سَلامَة الحياةَ حقَّ الفَهْم، وأَدْركت فَحْواها، فمَحَضَت لها حَكْمتَها وسَقَتها من مَعِين خِبْرتها، ولَخَّصت ما تنطوي عليه وبلغَتْ فـي ذلك شَأْوًا بعيدًا؛ فلنُصْغِ إليها وهي تتحدَّث عنها – مُثْقلةً بالحزن مرهقةً باللَّوْعَة – فـي تأبينِها لأحدِ أعمدة الجالية السوريَّة فـي البرازيل:

“الحياةُ، وما الحياة؟

سِياحةٌ بَعُدَ شَوْطُها أو قَرُب، آمالٌ وأَمانٍ فـي أجواء بعيدة قَدْ يحجبُها ضبابٌ كثيف، وتُبدِّدها غيومٌ سوداء.

أَفْراحٌ عُقِدت ذُيُولها بآلام.

رِياضٌ غَنَّاء تكمنُ تحت هَشيمِها الأفاعي السامَّة.

كُؤُوسُ خمورٍ معتَّقة، وفـي ثُمالتها السمُّ الزُّعاف.

أَفْياء وظِلالٌ وخَيالات لحقائِقَ تُطْوَى اليومَ لتُنْشَرَ غَدًا”.

لكنَّ سَـلْوَى سَلامَة لم تَقْتَصِرْ مقـالاتُها على الخُطَب، بل نَحَتْ فـي بعض الأحيان مَنْحى القصَّة، ومن ذلك مقالةٌ لها بعنوان «مَدينة الـمَلْجأ» أخذت طابعَ القصَّة الرمزيَّة، حيث تبدأ هذه الـمَقالةُ بتصويرٍ جميل عن إحدى ليالي الشِّتاء الباردة، وتُفْرِد لذلك التَّصْويرِ وَصْفًا لائقًا جاذِبًا، فها هي تقول: “انتصفَ اللَّيْلُ، وسكَنت الـمَخْلوقاتُ، وذلك التائِه لم يزل يُواصِل السيرَ تَحْت هَزيم الرَّعْد وهَطْلِ الأَمْطار إلى أن لحظَ عن بعيدٍ نُورًا ضئيلًا على هضبة، فخفقَ فؤادُه طربًا، وقالَ: ها ها، هذه مدينةُ الـمَلْجأ، إِنَّني لـمَواصلٌ السيرَ فـي هذا اللَّيْل الدَّاجِي علِّـي أَصِل إليها فأَسْتريح وأَسْترجع ما خسرتُه فـي سَبيل الوصولِ إليها”. ثمَّ تَمْضي فـي حَديثها عن عابرٍ لذلك اللَّيْل خائضٍ فـي تفاصيلِه وتَقلُّباتِه، فمن هو ذلك العابرُ؟ ما خطبُه؟ ماذا يريد؟ إنَّ فـي تلك القصَّةِ تفاصيلَ وإجاباتٍ ورؤًى جديرٌ الوقوفُ عندَها، والاهتمامُ بها؛ فالهائمُ العابِر هو الإنسانُ الذي لا ملجأَ لهُ – بعدَ الله تعالى – إلَّا ذِراعه ونفسه وكلّ يدٍ بيضاءَ فيمَن حولَه. أمَّا الشيخُ الذي دارت القصَّةُ حولَه، وكان ناصِحًا أَمينًا للشاب الباحِث عن الـمَلْجأ، فهو الزمان.

ومن بَديعِ نَثْر الكاتبةِ تلك القصَّةِ الحِواريَّة القَصيرَة التي عَقَدَتْها بينَ ثلاثِ زَهْرات، وقد اختارَتْ لها عنوانًا «ثَلاث وَرْدات». وفيها تسوقُ لنا ثلاثَ قَصَصٍ رمزيَّة من ثلاث زهرات، كأنَّها تريد أن تقولَ إنَّ تلك الزَّهْرات هي نسخةٌ أو تَناسُخٌ مـمَّا رَقدَ تَحْتها، وهي بذلك ترسلُ برسائلَ هادفةٍ سَعَتْ إليها؛ ففي الأولى البيضاء عبَّرت عن الـمرأة العذراء، وفـي الثانية الحمراء عبَّرت عن ضريح الجندي الشهيد، وفـي الثالثة الصَّفراء عبَّرت عن ضريحِ زوجةٍ أمينة وأمٍّ فاضِلة قَضَـت فـي سَبيلِ الأُمومَة.

إنَّ حالةَ التأمُّل فـي الوجود وما انطوى عليه من أفانين الجمال وإبداع الخَلْق كانت حاضرةً فـي مخيَّلةِ سَلْوى سلامَة، فها هي تعكف على شيءٍ من الـمُناجاة وهي تتأمَّل وردة جميلة وتسرِّح خَيالَها فيها:

“سَلامٌ يا ملكةَ الرَّبيع ومثل الجمال ومبعثَ الإنعاش، سَلامٌ أيَّتُها الوردة!

نَظَرْتُكِ باسمةً فانفتح صدري، ومجَّدتُ مُبْدِعَك العظيم، مصدرِ الجمال ومَبْعثِ النُّور …

مرَّ النسيمُ عليكِ فذهبَ معطَّرًا بشذاكِ، فأنعشَ إِذْ ذاكَ القلوبَ الضعيفة وجدَّد القوى الواهيَة من معترك الحياة وصِعاب الزَّمن.

فـي حَياتكِ سرورٌ، وفـي موتكِ انتعاش، وفـي دُمُوعكِ ماءُ التَّعْزية للحَزانى”.

لم تكنْ حِكاياتُ سَلْوَى سَلامَة من نسجِ الخيال دائمًا، مع أنَّ الخيالَ ينتج أجملَ القَصَص وأروع الحِكايات، لاسيَّما إذا وَعى الهدفَ وأعلى الـمَبْدأ، واختلطَ بالعِبْرة وأَسْمى شأنَها؛ بل كانت ترصد وقائعَ وأحداثًا من الواقِع، فتَتلقَّفها لتَبْني منها قصَّةً أو حكاية أو مقالة تتمخَّض عن هدف وتجلب العِظَةَ والـمنفعة.

وكانت سَلْوَى سَلامَة تزيِّنُ بعضَ كُتُبها بخَواطر مطعَّمة بأكاليل من الحِكمَة والعِبْرة، ومن ذلك ما جاء فـي كِتابها جَرَّة الـمَنّ، حيث تقول:

“كلُّ هَمٍّ فـي العالَـم يَهونُ أمامَ السَّقَم.

مَنْ يُسْرِعِ الخُطى يَرْجِعْ من نِصْف الطَّريق.

ثَوْبُ الإِخْلاصِ الحَقيقيّ لا يَفْنَى وإِنْ باخَ.

التي تَصْرف وَقْتَها بالزياراتِ لا تُقدِّم لعائلتِها عَشاءً لَذيذًا.

مَنْ يَتَّكِلْ على سِواه، لا ثقةَ له بنفسِه.

مَنْ تَظُنُّ أنَّها تَرْقَى قمَّةَ السَّعادة فـي السَّنةِ الأولى من زَواجِها تَهْوي سَريعًا.

رُبَّ زَهْرةٍ ذابِلَة ذات مَنافِع أَكْثر من السِّنْديانَة الضَّخْمَة.

مِرْآةُ الأُمِّ تَهْذيبُ صِغارِها.

الجَواهِرُ على رأسٍ فارِغٍ من الحكمَة والـمَعْرفة كالبُودرَة على وَجْهِ العَبْدِة”.

ومن خَواطِر سَلْوَى سَلامَة الـمُعَبِّرة والبَليغة أيضًا:

“بيتٌ واحد من منظوماتِ الشعر يُنْطِق كثيرًا من القلوب الخِرْساء.

زَهْرةٌ تَنبتُ بجانب ضريحِ فقيدٍ عاشَ كريمًا أجملُ من خاتَمِ ماس فـي يد بخيلٍ حيّ.

من يجدِ الرِّبْحَ صُدْفةً لا يشعر بِلذَّةِ الجنى”.

وهكذا، فقد تجوَّلتْ سَلْوَى سَلامَة بين معظمِ أَفانين النَّثْر، فكتبت الحكايةَ والقصَّة والخاطرة والـمَقالة والـمَوْضوع والخُطْبَة، فتجوَّلنا مَعَها وقَطَفنا من أَزْهار حَديقتِها النثريَّة ما لذَّ وطاب. وأستطيع أن أقولَ بحقَّ، عبرَ مُرُوري بمعظمِ ما كتبت هذه الأديبة، حتى البسيط منها، إنَّها كانت من النِّساء الحَكيمات الـمُتَبصِّرات، فقد دَأبتْ على إِسْداء الوَصايا والنصائح للنِّساء بحُسْن التعامل مع أزواجهنَّ، فالزواجُ الناجِح فـي نَظرِها هو ما لا يُبْنى على الحبِّ فقط، بل على التَّفاهُم والتجاوُز أيضًا.

لكنَّ الأديبةُ سَلْوَى سَلامَة لم تَقْصُرْ أدبَها على النثرِ بأنواعه فقط، بل طعَّمَتْه ببعضٍ من الشِّعْر القليل الذي استطعتُ الحُصُولَ عليه. ونحن الآنَ على موعدٍ مع رحلةٍ نتجوَّلَ فيها بين رِياض أشعارِها وقَصائِدها. وسنُلاحظ فـيما سَنَنْثرُه من شعرِها لاحقًا أنَّ هذا الشعرَ ما هو إلَّا انعكاسٌ فنِّي آخر لشخصيَّة صاحبته؛ فإذا كـان النثرُ الذي أتت به عَبَّر عـن ذلك بأسلوبٍ أدبـي معيَّن، فإنَّ شِعرَها عبَّر عن الشـيء نفسِه بأُسْـلوبٍ أدبـيٍّ آخر. ونبدأ بقصيدة لسَلْوَى سَلامَة بعنوان “فَتاة الشَّرْق”، وفيها تسرد ما كانت تُعانـي بعضُ النساء فـي زمنها من ظلمٍ واضطهاد ومهانة، وقد جاءَ فـي مطلعها:

حَمَّلُوها مِنَ الهُمُومِ ثِقالًا

            وَدَعُوها فـي وَهْدَةٍ مِنْ قَتامِ

حَرَمُوها مِنَ الرُّقِيِّ مِثالًا

            مَنَعُوها عَنْ خُطْوَةٍ لِلأَمامِ

تَرَكُوها تَشْكُو هَوَانًا وَتَعْسًا

            فـي حَشاها نارُ ذَكَتْ باضطرامِ

تَذْرِفُ الدَّمْعَةَ انْكِسارًا وَيَأْسًا

            وَتُنادِي عَلى الحَيَاةِ سَلامي

 

ثمَّ تقول، داعيةً إلـى مواجهة كلِّ ذلك، فالـمرأةُ جـديرةٌ بالرعاية والاهتمام، وهي قادرةٌ على العَطاءِ والتَّحصيل والإنجاز، ولا ينقصُها فـي سبيل تحقيقِ ذلك سوى شيءٍ من الدعم والـمُسانَدة والأخذ باليَد:

فَهِّمُوها كُنْهَ الحَيَاةِ لِتَدْري

            ما عَلَيْها مِنْ وَاجِباتٍ عِظامِ

ساعِدُوها فـي نَشْـرِ قَوْلٍ وَفِكْرٍ

            سَلِّحُوها بِالعِلْمِ وَالاحْتِشامِ

قَلِّدُوها كَرامَةً وَاعْتِبارًا

            عامِلُوها بِرِقَّةٍ وَابْتِسامِ

هِيَ يا قَوْمُ تَحْسَبُ الجَهْلَ عارًا

            وَتُرَجِّي فـي الـمَجْدِ أَبْهَى مَقامِ

وتقف سَلْوَى سَلامَة، وقد بادرت إلى تهنئةِ السيِّد اثناسيُوس عطا الله مِتْروبوليت حِمْص وتوابعها للرُّوم الأَرثوذكس بيُوبيلِه الفضِّي، فتقول:

يا أَيُّها الـمَوْلَى الذي نالَتْ بِه

            هَذي الـمَواطِنُ كُلَّ ما تَتَطلَّبُ

يا حِبْرَ طُهْرٍ مُحْسِنٍ سامي الذُّرَى

            يا بَدْرَ تَقْوَى نُورُهُ لا يَغْرُبُ

يا بَحْرَ فَضْلٍ دُرُّهُ البَاهي سَما

            وَمِياهُهُ فاضَتْ، وَلَيْسَتْ تَنْضُبُ

وفـي مَقالةٍ للأَديبَة سَلْوَى سَلامَة تحتَ عنوان «الرَّايَة الخالِدة»( )، ضَمَّتْ خِطابًا لها فـي حفلةِ مَلْجَأ اليَتيم للسيِّدات الحِمْصيَّات فـي 9 كانُون الثانـي سنةَ 1921 م، استهلَّتْ خِطابَها ذاك بأبياتٍ من الشِّعْر الإنسانـي النَّبيل، فقالت (من الخَفيف):

بِاسْمِ حِمْصٍ وَبِاسْمِ كُلِّ يَتِيمِ

            وَعَجِيٍّ جَنَتْ عَلَيْهِ الـمَنِـيَّـةْ

بِاسْمِ فَادٍ أَقامَ طِفْلًا صَغيرًا

            كَمِثالِ الـمَنازِلِ السَّمَوِيَّةْ

بِاسْمِ مَلْجَا اليَتيمِ أُهْدِي كِرامًا،

            شَرَّفُونا، تَحيَّةً قَلْبِيَّةْ

وفـي قصيدة لها مستقاة من معينِ الحكمَة، ومن لُباب الخِبْرة، ومن نَسيج البصيرة، تنمُّ عـن امرأةٍ اعتَصَرتْها الحيـاة، وأَنْضَـجتها السِّنين، وأَنْطَقتها الرؤيةُ البعيـدة والنظرة الثاقبة، تقول:

كَمْ مِنْ قُصُورٍ تَراها العَيْنُ باذِخَةً

            تُكِنُّ فـي جَوْفِها سُوسًا وَدِيدانا!

وكَمْ رَأَيْنا شُمُوسَ الطُّهْرِ ساطِعَةً

            فـي جَوِّ كُوخٍ بَناهُ النَّاسُ قُضْبانا!

وكَمْ هَزيلٍ بِلا سُقْمٍ وَلا أَلَـمٍ!

            وَكَمْ سَمينٍ يُعانـي السُّقْمَ أَحْيانا!

كَمْ مِنْ فَقيرٍ سَعيدٍ لا قَميصَ لَهُ!

            وَكَمْ غَنيٍّ يَوَدُّ الـمَوْتَ أَحْيانا( )!

فَذاكَ يَحْيا طَرُوبًا فـي قَناعَتِهِ

            وَذا يَقْضـي لَيَالي العُمْرِ حَيْرانا

كَمْ ثَوْبِ خَزٍّ جَميلٍ راحَ يَلْبَسُهُ

            مَنْ قَدْ تَمنَّى بَديلَ الخَزِّ أَكْفانا!

كَمْ ذاتِ قَصْـرٍ تَقْضـي اللَّيْلَ ناحِبةً

            وَزَوْجُها لِعُهودِ الحُبِّ ما صانا!

وكَمْ أَليفِ وِدادٍ ما جَنَى خَطأً

            وَزَوْجُهُ قَدْ لَـهَتْ عَنْهُ وما خَانا!

لا خَيْرَ فـي لُؤْلُؤٍ فـي الجِيدِ مُنْتَظَمٍ

            تجاهَ عَيْنٍ تَسُحُّ الدَّمْعَ مَرْجانا

كَمْ لابِسٍ خاتَمَ ياقُوتٍ يَفْضُلُهُ

            ساعٍ وَرا القُوتِ يَقْضـي الوَقْتَ فَرْحانا!

وَالـمالُ لا يَشْتَري رَغْدًا وَلا فَرَحًا

            قَدْ يَشْتَري أَجَلًا للمَرْءِ ما حانا

ومن شِعْرها الذي يَقْطر إنسانيَّةً ورحمة ما قالته فـي خِطاب لها فـي حفلةٍ من حفلاتِ جمعيَّة اليَد البَيْضاء فـي سان باولو:

يا مَنْ حَنَوْتُمْ على ضَعْفِ الفَقيرِ لَكُمْ

            مِنَّا الثَّناءُ، ومِنْ رَبِّ السَّما الأَجْرُ

إِنْ أَظْلمَ اللَّيْلُ أَو طالَتْ مَرارتُهُ

            عَلى اليَتيمِ، فَفي أَيْديكُمُ الفَجْرُ

وفـي نهاية الـمطاف نستطيع تلخيصَ السيرة الذاتيَّة للأديبة والشاعرة سَلْوَى سَلامَة بالقول: كانت كاتبةً ماهرة وخطيبة بارعة، ناضلت فـي سبيل الـمرأة وكتبت وخطبت فـي زمنٍ قلَّ فيه أمثالُها. ولكنَّ نتاجَها الأدبـي والخَطابـي توارى بدرجةٍ كبيرة بعدَ وفاتها، ولم يحفل به الدارسون كما ينبغي. وربَّما يكون فـي هذا النتاج ما لا نتَّفق معه، مثلما أشار إلى ذلك الأديبُ الـمَهْجري نظير زيتون، حيث عابَ عليها تحامُلَها على الرَّجل أحيانًا.

قد يكون ما كتبته سَلْوَى سَلامَة من شعرٍ ونثر قبلَ هجرتها ذا لونٍ مختلف، وقد لا يطيب لبعض الباحثين أن يُدخلَ ذلك فـي أدب الـمَهْجر، لكنَّ أديبتَنا لم يختلف ما كتبته قبلَ اغترابها كثيرًا عمَّا كتبته بعدَه.

لعلَّ سَلْوَى سَلامَة مـن النسـاء القليلات اللـواتـي انْفَردنَ بمجلَّةٍ مستقلَّة، مجلَّة الكرمة، كانت بالنسبة لها مُتَنفَّسًا لبثِّ ما تؤمن به وتنادي. وتُعَدُّ مجلَّةُ الكَرْمة الـمَهْجريَّة هذه أوَّلَ مجلَّةٍ عربيَّة تتحدَّث عن الـمَرْأة.

جمعت سلوى سلامة ما بين مهارة النثرِ والخطابة، ونظم الشعر؛ ولكنَّها كانت فـي النثرِ أبلغَ قولًا وأبعدَ شأوًا.

لم يكنِ الشعرُ عندَ سلوى سلامة مقصودًا بحدِّ ذاته، بل جاءَ تعبيرًا عن قناعاتها وأهدافها، ووسيلةً لإيصال أَفْكارها ورُؤاها، لذلك لم تَجُبْ كلَّ أغراضه، فما اهتمَّت بفخر ولا غزل ولا وصف. كما أنَّ كثيرًا منه جاء نُزولًا عندَ مناسباتٍ معيَّنة أو شفيعًا لخُطَبها ومقالاتها.

وأخيرًا، نستطيع القول: إنَّ سلوى سلامة علامةٌ نسائية فارقة فـي تاريخ الأدب الـمهجري خاصَّةً، وشعلةٌ متوقِّدة فـي تاريخ الأدب العربـي عامَّة. ومن الحَريِّ بأهل الأدب والنقد التعرُّض لأعمالها الأدبيَّة، وأعمال غيرها من أديبات الـمَهْجر اللواتـي طَواهُنَّ النِّسيان.

الـمَصْدَر: الأَديبةُ والشاعِرةُ الـمهْجريَّة سَلْوَى سَلامَة – حَياتُها وأَدبُها، دراسَة: د. حسَّان أحمد قَمْحيَّة

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

تعليق واحد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: