البعد الفلسفي في رواية (أنيموس) بقلم. عبدالمجيد جرادات             

لصحيفة آفاق حرة:

 

البعد الفلسفي في رواية (أنيموس) لصفاء أبو خضرة 

بقلم – عبد المجيد جرادات

          تبلورت فكرة العنوان بعد أن قرأت ما جاء في مقدمة الرواية حيث تبدأ صفاء مشوارها وفقاً لمفهوم الثنائية الضدية صفحة 9 إذ تقول: (واحد منا عليه أن يموت: أنا أو أنت. أنا … كنت كاذباً حين صدقت، وأنت كنت أكثر صدقاً حين كذبت، ثم تتساءل: كيف يا تُرى يكون المرء أكثر صدقاً عندما يكذب؟…وتستمر قائلة: سأستل وجعي من نصله لأقتل خوفي…) وأمام هذا النص بما فيه من بلاغة ورشاقة وشجن، أدركت أن الزميلة صفاء أبو خضرة تعاين مشهداً اجتماعياً بكل ملابساته وتناقضاته، ومن الواضح بأن صفاء قررت أن تتمرد على معاناتها وأوجاعها، لتنجز هذه الرواية التي أتمنى أن أقدم شيئاً عن مضمونها.

         صدرت الطبعة الأولى من رواية أنيموس عن دار فضاءات للنشر والتوزيع / عمان في العام 2019 وهي الرواية الأولى لصفاء أبو خضرة، التي تتنقل بنا عبر سلسلة من الأحداث المترابطة، ومن خلالها تطرح أبو خضرة بمنتهى الاحترافية والجرأة أسئلة الوجود، وترسم لنا أبرز مظاهر التناقضات والخلافات الاجتماعية بكل دلالاتها ومعانيها، وقد تضمنت الرواية ثلاثة فصول، افتتحت الفصل الاول بجملة نقرأ فيها: أهذه هي الحياة التي كنت أركلُ بطن أمي لأجلها، والقول هنا هو لجبران خليل جبران.

         لماذا اختارت صفاء هذا العنوان (أنيموس) وكيف لنا أن نُحلل رغبة الكاتبة بالحديث عن مفهوم الهوية، بخاصة عندما تخضع لميزان التذكير والتأنيث والمحايدة، وأين يكمن الموقع الحقيقي للضدية أو المحايدة؟ في محاولة الإجابة نستنتج ما يلي:

        أولاً: أن النظرية النسبية توصلت للكثير من الحقائق المعرفية المطلقة، من خلال البحث  الذي تتحقق فيه شروط  التجريب والتيقن والاستدلال، مع مراعاة أن يتم التوافق على أن الوعي البشري، لا يُمكن أن يكّون فكرة عن حالة معينة دون الإحاطة بضدها.

        ثانياً: أما (أنيموس) فقد عرفنا، أن العالم النفسي السويسري (كارل يونغ) كان قد توصل لفرضية شرح فيها طبيعة التباين في النمط الأنثوي والذكوري عند الجنسين، بحيث يتفاوت الميل التلقائي للضدية من قبل كل طرف وفقاً للواقع الذي يجد الإنسان نفسه فيه، وبذلك نتوصل إلى أن (أنيموس) يتمثل بالنزعة الأنثوية للشعور بالنمط الذكوري.

       تمكنت صفاء أبو خضرة أن تأخذنا برحلة ممتعة، في فضاءات السرد المشبع بحس فلسفي عميق ولغة جميلة تبحث في الوجود، وفي هذه الرواية يتجلى الحديث عن الحلم الذكوري الضائع، بعد أن اختارت صفاء البطل (تيم) الذي يبدو أنه أحد الضحايا الذين تاهوا أثناء البحث عن ذاتهم، وفي شخصية البطل نلمح الكثير من التناقضات التي تبرز فيها معادلات لعبة النصر أو الهزيمة وكل ذلك ضمن أدوات ومتطلبات الوجود الإنساني بما فيه من صراع ومحاولات إثبات الذات.

         في الصفحة العاشرة من رواية أنيموس نقرأ عنوان فرعي هو (ماذا نريد من الحياة ؟) وفي محاولة التقاط أهم الخيوط نتأكد بأن الرواية تركز على طرح الأسئلة الشائكة والجريئة عن حقيقة الوجود الإنساني، وقد عبّرت صفاء عن معاناة تيم أو تيما بقولها (تستنجد أنفاسك في هبة ندم، تغمض قلبك فيأتيك ذلك الصوت، يحدث أن تشرب زهرة ريف الصبح، تتناثر الأزقة في الروح، فتعلو الحكايات وتهبط، يحدث أن تنفخ الحقيقة صدر الأمل، وتسيل كلُعاب غيمة على سفح الحب صفحة 14).

         وبإبداع متقن تستمر صفاء بتسليط الضوء على البعد البيولوجي التكويني ودوره في تشكيل سلوك الإنسان سواء كان ذكراً أم أنثى، ومن المعروف أن هذه المعادلة خضعت على مر الزمن للدراسة والتحليل من قبل خبراء العلوم الاجتماعية وعلماء النفس الذين ناقشوا هذا الموضوع تحت عنوان (الجندر) ليتم بالنهاية الاحتكام للمعايير الاجتماعية والعادات التي تخضع لمتغيرات الزمان والمكان، وترتبط بشكل وثيق بماهية الأحداث وطبيعتها وتطورها، بحيث تتجسد القناعات مع مرور الزمن على أن الأدوار التي يقوم بها الرجل أو تمارسها المرأة هي مهام جوهرية، تبدو مكملة لبعضها: وبالمحصلة فإن أي تغيير في الأنماط السلوكية يعتبر في بعض المواقف خروجاً على القيم السائدة في المجتمع، وتلك هي المشاهدات التي نلمس تباين الآراء والاجتهادات حولها بين الحين والآخر.      

         كان فرويد قد أكد على أن شخصية المرء ترتكز على ثلاثة أنظمة هي: الأنا، والهو والانا العليا، ومن المؤكد بأن أي تباين في هذه المعادلة سيؤثر على تركيبة الشخصية بمجملها، أما الأسئلة التي طرحتها صفاء حول طبيعة الوعي البشري واللاوعي فنأمل أن تثير رغبة أهل العلم والمعرفة الذين يهتمون بسبر غور النفس البشرية ومواصلة البحث المعرفي في هذا الاتجاه.

        في الفصل الثاني من رواية  (أنيموس) تتنقل بنا صفاء أبو خضرة بين القلق واللايقين، حيث نقرأ في عنوان الفصل (لا يُفيد لوم المرآة إذا كان وجهك معيباً: نيقولاي غوغل) وفي التفاصيل تستمر الكاتبة بأسلوبها المعهود لتدخل بنا في جدلية تبدو مألوفة في يومياتنا، بخاصة عندما ينام البعض على حُلم، ثم يصحو على وهم: حيث تتحدث عن لقاء عاطفي مرتقب تكون النتيجة فيه أن ساعات الوقوف تطول، وعندما لم يحضر، تعاتبه بعبارات تخاطب فيها الغيمة إذ تقول: ربما تلك الغيمة القادمة من الغيب تحمل لي رسالة منه … ربما النسمة الباردة الخفيفة تبعث لي بتحياته … ربما وربما … فيجيء الصبح ويسخر مني قلبي قائلاً: أنت أيضاً كذبت علي ّ: صفحة 97.

       بإطلالة قلقة أخرى: تتابع أبو خضرة فتقول: “في اتجاهات متفرقة كانت الحقيقة مرة والمفاجآت بحجم مأساتي، أحاول أن أزينها بمكيال جرحي ثم تستدرك …لكن لا بد أن نتحرر من أجل الحب، نقطع أصابع المسافات التي تبعدنا حتى لا تسحبنا إلى بئر جفائها …نرحل إلى شتاءاته وصيفه … نلتهب في برده وثلجه …نترك التعب ليستقيل على عتبات اللهفة صفحة 108”  

         في المنطقة الفاصلة بين الرجولة والأنوثة… سكنت وحدي، بلا رفيق … لم أكن قادرة على أن أتفاهم مع هذا العالم … لا الرجال عدوّني يوماً بينهم رجلاً ..ولم أكن بين النساء امرأة : ما عُدت قادرة على أن أطيق الحياة .. كل شيء أمسى جحيماً لا يُحتمل : من أنا ؟ من أكون ؟ ولماذا كان عليّ ان أدفع كل تلك الضريبة للحياة ؟ ومن أجل ماذا بالضبط : صفحة 113.

         يبدأ الفصل الثالث بعبارة ( لهوراس) تقول” من يعيش في خوف لن يكون حراً أبداً ” وفي هذا الفصل تستمر حالة الشعور بالغربة، إذ تقول صفاء ” كل شيء يبدو غريباً حولي… فتحت عينيّ على سيل الضوء، فشعرت بالغثيان: أين أنا ؟، ما الذي جرى ؟، هل كنت أحلم ؟، هل كنت أهذي ؟، هل كان ذلك كله مجرد كابوس طويل ؟.وفي متابعة التفاصيل نجد أن صفاء تتابع بعض فصول الحكايات اليومية بكل تناقضاتها وأطوارها، وهي تتحدث عن شخصية مضطربة، تبحث عن ذاتها بين الأنوثة والذكورة، وهو ما وضعها أمام عبثية الزمن واللاجدوى، فوضعته وجه لوجه أمام القلق الوجودي واليأس والشعور بالضجر صفحة  158.

          يُحمد لصفاء أبو خضرة أنها تمتلك القدرة على أن تستدرج رغبة من يقرأ روايتها (أنيموس) أن يُتابع خطواتها بمنتهى التأمل مستعيناً بكل أدوات التأويل والقدرة على التحليل، ولنا أن نوثق جملة ملاحظات على النحو التالي :

  1. يأخذنا كلام الصورة على صفحة الغلاف الأولى إلى اتجاهين : أولهما يتمثل بحجم المعاناة التي انعكست على ملامح الوجه، بعد أن أدت البثور الجلدية إلى زيادة حجم الغموض بالتعرف على الشخصية : أما الاتجاه الثاني فهو عامل الحيرة بالتفسير: فهل هو شاب معذّب أم فتاة شدت عليها الأيام وقست عليها الظروف؟.
  1. في القفلة: التي جاءت على الصفحة الأخيرة للرواية وثقت صفاء ما نصه(عندما يقذفك الحب في قدر من النار، ستخرج سالماً معافى من الدنيا، ستقترب الأمنيات إليك، في كل زاوية من زوايا روحك، ستكتفي به وبالنار: ستكويك النار لكنها لن تذيبك، ستشد عظام الإصرار فيك، ستجمد سعيك خلف المستحيل) وهنا تتجلى الحقائق التي وردت في فصول هذه الرواية: ذلك لأن طبيعة الحياة أنها ليست نزهة أو رحلة ترفيهية في حديقة جميلة، ولحسن الحظ بأن النظرة الواقعية للحياة تؤكد بأن مقومات السعادة صعبة المنال، في حين أن تتراجع احتمالات الشعور بالعذاب المطلق، لكنها تتراوح بين الممكن والمستحيل ومن خلالها نحث الخطى نحو التكيف مع منغصات الزمن: لنعيش الحياة بحلوها ومرها.

        وبعد : تجوّلت بنا صفاء أبو خضرة في عالم النفس البشرية، باحثة عن معنى الحياة ودلالات ذلك المعنى بكل تناقضاته الوجودية، مستعرضة شخصية بطل الرواية أو بطلتها : تيم أو تيماء التي انفردت بتصوير مجمل معاناتهما: يُستدل من قراءة هذه الرواية، بأن الحديث عن الشخصية المركزية فيها يتسم بالغموض والتوتر، وعند محاولة ربط الأفكار والأحداث والتطورات، نتيقن من وجود الصراع الداخلي الذي خضع إليه تيم أو تيماء بكل ما ورد من مقاربات أو دلالات.  

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: