-الخراب الجميل في شعر فارس مطر-

من أين يأتي الخراب الجميل في شعر فارس ؟ ما جذور المسافة الجمالية لهذا الخراب ؟ يقول برنان نويل:(السلطة متأكدة من الحاضر، فهي تعلم أن لاشئ خارجها،وبما أنها مالكة للحاضر، فهي تملك الماضي كذلك ، وهذا يكفي لكي تثق بمستقبلها، وهي من ناحية أخرى ما لا يغير المستقبل طبيعته ، إن السلطة تضبط علاقتنا بالزمن، والنسيان هو وحده الذي يستطيع أن يزعجها ، فالنسيان هو السلطة المضادة) فضمن هذا المفهوم يقوم النسيان بمحو زمن السلطة السلبي الراكد ، الذي خلق المشهد المتفجع( الهم القابع في يومياتنا والملازم لأعمارنا لا ينفك يلقي بظلاله الرمادية على مزاجنا وقهوتنا وحروفنا ملوّناً عذرية أفراحنا برماديّته) فعندما يتحول دم العذرية إلى رمادي والفرح في تلك الليلة إلى حزن فذاك يعني أن جريمة اغتصاب تتم في العراء ،لذلك يتجلّى له وجه غاليلو وأبو ذر ودجلة وضفاف الاعظمية في دربها إلى الموت والشهادة وتأمل الموت ليس جديداً فقد تأمله الشعراء القدامى والمحدثون إلاّ أن الموت عند فارس ليس نهاية ،بل بداية وقمح يبذر في الارض ليطلع سنابل خضراء نقرأ :

يعتريني وجه غاليلو المليء
واكتظاظُ السُّحْبِ في صدر أبي ذَر الغفاري
دربُ من ساروا لموتٍ في البدايه
إنّما الموت بداية
إجمعي بغدادُ قمحي
وابذريه في ضفاف الأعظمية
باسني صبح الهديل
ليت صدري صدرُ قارب
لتكون الأعظمية طائر الفينيق الذي ينهض من رماده ،والأعظمية تقع على دجلة ويرقد فيها كثير من الأئمة والصالحين والعبّاد ،وهى من أزهى أحياء بغداد عمرانا وحضارة ،إذ يتمنى الشاعر أن يتحقق على يديها التغيير (إذن سيأتي يوم يتحقق فيه العدل يوم يمارس فيه الإنسان حريته من دون خوف أو رغبة في إنهاء حياة اسبغ الظلم عليها ملامح دائمة) وعوداً على بداية النص الشعري نلحظ عبارة “يعتريني وجه غاليلو” تأخذ في المعنى التداولي دلالة الألم أو المرض والإصابة لكنها الإصابة بالتمرد وقول الناس له شيطان يعتريه فيغضب وقد يؤدي الغضب إلى اضطراب العقل والإعتراء يقترن بالخوف والشر والمرض فقد جاء في لسان العرب :يعتريني من اعترى غشى وأصاب فيقال فلان اعتراه المرض . ومفتاح القصيدة أن الذات الشاعرة اعتراها الخروج والمجازفة والتماهي مع غاليلو وأبي ذر للتوحّد بدجلة والموت في قاعها للإنبثاق من جديد

أتَحَنَّى كالمجاذيفْ
إن مرسايَ دفينٌ في فراتي
وقراري قاعُ دجلة
أفتحُ العينينِ أمشي نحو تلِّ الإنبثاق
إنه سرُّ التَّوحد
عندما يَقْصُرُ ظلِّي في الظهيرة
والمُغَنِّي يتأوَّه
آخذُ المَذْهَبَ ناياً وَصَبَا
أتموسَقْ
في صبابات القصب
الصَبَا نايٌ وَنَأيٌ واغتراب
ولا يكتفي بذلك بل يحاول أن يصل إلى مرحلة التوحّد ؛ليصير القصب والناي والصبابة عالمه ،ولعلّ تكرار الأفعال المضارعة(أتحنى أفتح ، أتموسق) يشكّل لنا عاملاً فعالاً لهذا التوحّد .

د. أحمد شهاب

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: