الناقد المغربي أحمد وليد الروح وقراءة في نص

المٌ تنفسه الصبح
والقلب ينزف ينزف
ولا شيء هناك
الا اشباح تمتص
الضوء على مهل
وتلقي لنا بالعتمة
و
الريح
تعوي في
مداخل القلب
تبعثر نبضه في
الطرقات
تمزق الروح
فيزداد انحنائي
انحناء
و
المطر خيط في
كف الغيم …
يحاول رتق ما تفتق
مني
يحاول لملمة شقوق الطين
والريح تمعن في الصفع
والشمس تلتحف الغيم
و تغادر تبحث
عن مستقر لها
تبحث عن
جهة منها تشرق
هل باتت تخشى صفع الريح
ام تراها صارت مثلي
تغرق حبا
في وهم مجازا
يسمى وطن

محمد صوالحة
*******************************************************************

يفتح الشاعر لنا نافذة لنُطل من خلالها داخل أعماقه ربما تعرفنا على بعض ما يجوس فيها من حقائق ، آلام و أوهام كلها متجمعة و مترابطة يحاول هو ـ اي الشاعر ـ من خلالها تنفس بعض من النقاء خارج دائرة الألم التي تطوقه ، فيقول :
ألمٌ تنفسه الصبح
والقلب ينزف ينزف
ولا شيء هناك
الا اشباح تمتص
الضوء على مهل
وتلقي لنا بالعتمة
و
الريح
تعوي في
مداخل القلب
تبعثر نبضه في
الطرقات
تمزق الروح
فيزداد انحنائي
انحناء
آلام تعبر فوق تخوم النفس لا يمكن تحديدها و لا وصفها، تؤسس عبر فضاءات النفس في ذاك الصبح الغامض و الضبابي الذي تنفس ألماً و جعل القلب ينزف كثيرا …عالم من الغموض لا طاقة لنا على معرفته ، عالم لا يقطن الشاعر داخله و يسكنه بل هو من يسكن الشاعر و يقبعُ داخله .. عالم من المشاعر تنهض على أفكار حدسية و حسية يختفي الضوء داخلها لتنير رؤيا العتمة أو العتمات المتراكمة على مهل و ببطىء تام … فالشاعر يتأمل و يتفكر بالمشاعر الداخلية السرية و الغامضة التي تكتنفه كَـ “كائن حي ، يدرك الأشياء و يُحسها بمنظور خاص ” و تظل الأسئلة المبهمة تسيطر عليه دائما و أبدا ، لا يفك لغزا حتى تكثر الألغاز داخل محيطه الحياتي فلا يملك جوابا ، و هذه هي رؤيا المفكر المتطورة عبر الزمن و للأبد .
فالشاعر هنا لا يتوخى كتابة الشعر وحده بل يسعى إلى كتابة تأملية تمزج الشعر بالفكر دون أن يغلب أحدهما على الآخر.
يفتتح قصيدته بالتحدث عن الألم و تأثيره الانطولوجي على الذات المنفعلة حيث يعيد صياغتها ـ أي الذات الشاعرة ـ و ينسجها من جديد ، مخلخلا علاقتها بنفسها و بالعالم المحيط بها .
إنه سفر عبر الآه تتداخل فيه صوت الريح و تعوي في مداخل القلب ، ريح تثتر كل شيء و تبعثر كل شيء ، تمزق الروح و تبعثر النبض فتزداد شدة الإنحناء ، إنه انكسار للنفس التي تواجه بأقصى قوة فتأخدنا في هذا السفر إلى وهم المكان و الولادات الدائمة هربا من شيء حدث أو سيحدث ، إنها الخديعة البصرية التي يستعملها الشاعر لغيابه الدائم ، فهو يتنصل من هذا العالم و ينسلخ منه بل و يُغيِّب نفسه بإرادته ، غياب ليس سوى خديعة غير مجدية في اعادة فتح النافذة أكثر فأكثر على شساعة الألم …
يكتب الشاعر قصيدته دون أن يقف على فكرة معينة ، فهو لا يحاول أن يشرح و لا يكتب بطريقة تقريرية إنشائية ، تحوم و تدور حول الفكرة الأصلية برغم أنه يسعى إلى كتابة أنطولوجية تقبض على نسق كبير من المفاهيم الوجودية التي قد لا يمكن الوصول إليها عبر الحواس الخمس.
فرغم كونه يحاول إحالة قصيدته هذه على رقعة الواقع المدرك ، إلا أن هذا الواقع يظل واقعا نصيا ذا صلة بالواقع من دون أن يكون على علاقة وطيدة به. فالمناخات التي تتنفسها القصيدة تذهب إلي الروحي تنبع منه و تصب فيه .
نُشير هنا إلى أن الشاعر عندما يكتب يضيف الكثير من الخيال عبر الاستعارات و الصور ، في عملية أشبه بالتنقيب عن الذات الإنسانية التائهة و المتألمة ، فيقول :
و
المطر خيط في
كف الغيم …
يحاول رتق ما تفتق
مني
يحاول لملمة شقوق الطيبن
و الريح تمعن في الصفع
و الشمس تلتحف الغيم
و تغادر تبحث
عن مستقر لها
تبحث عن
جهة منها تشرق
هل باتت تخشى صفع الريح
ام تراها صارت مثلي
تغرق حبا
في وهم مجازا
يسمى وطن
ثم تُطل علينا القصيدة من بؤرة ضوء ، ترسل خيطا من الأمل في خيط المطر الذي تلاعبه كف الغيم ، خيط يحاول رتق ما تفتق من نفس الشاعر ، يحاول لملمة شقوقه .. أمل لا يُطيل الإشراق ، يخبو كلما أمعنت الريح في الصفعِ و إلتحفت الشمس الغيم مغادرة تبحث عن مستقر لها و عن جهة أو وجهة لللإشراق من جديد …
من هنا نفهم ذهاب الشاعر بأفكاره إلى أبعد من هذا العالم الخارجي المحسوس ، و وصله بعالمه الداخلي الاَّمُدرك عبر لغة دينامية واضحة بغاية القبض على الزمن في حركته الدائمة و تطوير الأحداث لأشياء لا يفهمها ، أشياء مازال يبحث عنها ، أشياء قد تكون موجودة فعلاً لكنه يُحسها لكثرة خذلانه وهما حقيقيا ، أشياء تشبه في تكوينها “وطن ” و هو في حديثه عن هذا المكان لا يُعبِّر عنه بوصفه وطن له فحسب بل يستعيد عبره أحلاما ضائعة ، مجسدا هذه الأحلام عبر آمال واهية لا تتبلور في طابع حلمي محض …
فالوطن في هذه القصيدة يؤثر في الشاعر و يفعل به الأفاعيل ، فتظل أحلامه نائمة مما يُوقد في القصيدة ضوأها الداخلي أو ضوء البصيرة فهو عصب النص ، فما يهم الكاتب هو أن يقول ما لا يقال و أن يروي ما لا يُروى . فالشاعر يصوغ الألم كاشفا عن وضعيات نفسية تعتمل داخله ، كانعكاس للموجودات المحيطة به ( الشمس ، الريح ، المطر ، الغيم … ) و هو في سرده و إعادة ترتيبه و صياغته للأفكار لا يقع أو يسقط في سرد عقلاني فلسفي ميكانيكي ، إنه يضفي شفافية الشعر على عناصر المكان ( الوطن ) فهو يكتب كمن يسترجع أو يصوغ أكثر الأشياء سرية في أعماقه ، راصدا الأشياء الصغيرة جدا و الكبيرة معا .
Ahmed Walid Arrouh

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: