تجلّيات الصراع في رواية “شاخيتو- بُوَّابة بوهين الضائعة” للروائيّ السُّودانيّ “ممدوح أبارو”

لصحيفة آفاق حرة:

_______________

 

تجلّيات الصراع

في رواية “شاخيتو- بُوَّابة بوهين الضائعة”

للروائيّ السُّودانيّ “ممدوح أبارو”

 

بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

 

مقدمة:

  تكوُّنات الصّراعات البشريّة لا بدّ لها من جُغرافيا، والجُغرافيا في العمل الروائي فضاءٌ مفتوحٌ على احتمالاتٍ كثيرةٍ؛ تتوالد في ذهن الكاتب ممّا وَعَاهُ وأدْرَكه، ومنها ما يبقى غائبًا يحوم حوله، يلامسه تارةً، ويتباعد عنه أخرى.

   والكون بأجمعه جُغرافيا لها شروطها وقوانينها الصّارمة حدّ الدكتاتورية، المُصطلح الذي كَرّسْتُهُ في أحد أعمالي الروائيّة، في محاولة تثبيته كمفهوم من خلاله نُحدّد حركة التاريخ اللّاحقة على هذه الجغرافيا التي نعيش في نطاقها.

   يقول الروائي “أبارو”: “إلى كلّ الباحثين عن الحقيقة، لن تجدوها في بطون الكتب، ثقوا بأنفسكم؛ فهي ذاكرة التاريخ المُتجدّدة“. ص7.

   وكلُّ عملٍ روائيّ مُنبثِقٍ عن الواقع، لا يُمكن أن يخرج عن دوائر الصِّراع الاجتماعيّ والسياسيّ والاقتصاديّ. ملامح هذه الدوائر تتجلّى بوضوح في رواية “شاخيتو” التي نحن بصدد دراسة تجلّيات الصراع أحد جوانبها الجديرة بالاهتمام، وإلقاء الضوء عليها بما استطعت.

وقفة مع العنوان:

   “شاخيتو” العنوان الرّئيس، والذي يبدو أنه اسم كنداكة ربما تكون ملكة في مروي. وبالانتقال للعنوان الفرعي “بوابة بوهين الضائعة“. بتتبّع دلالات الكلمات الثلاث.

أ-“البوابة” مدخل مغلق ينفتخ على فضاء خلفه، ربّما يتّسع أو يضيق ليس هذا المهم.

ب-“بوهين” مكان على اعتبار أنّ البوابة لها، وفي البحث، نعرف أنّها كانت “مستوطنة مصرية قديمة، بقايا موقعها حاليًا بالولاية الشمالية في السودان. بالطبع  غمرتها مياه بُحيْرة ناصر بجزئها السُّودانيّ من أرض النوبةّ. وهي جزء من المملكة المصريّة القديمة (حوالي 2686-2181/ق.م).

  ج-أمّا الكلمة الثالثة للعنوان الفرعيّ “الضائعة“، لعلَّها مفتاحنا التأويليّ للذهاب في البحث عن شيء ضائع، والبحثُ دائمًا عن ذي قيمة، والضائع سنتفاجأ به إذا علمنا أنّه: التاريخ.

   وبهذا ننحو صوْب الجغرافيا والتاريخ. الجانب الذي أخذ حيّزًا واسعًا من رواية “شاخيتو” القصيرة التي تُصنّف على أنّها “نوفتيلا“. وبمهارة استطاع الروائي “ممدوح أبارو” مزاوجة الواقع مع إسقاطات تاريخيّة، لاستخلاص العِبَر والعِظَات، وقراءة الحاضر على وَهْج الماضي، ليكون جسر عُبورٍ آمِنٍ نحو المستقبل.

 

فكرة الصراع في الرواية:

 

أ‌-      الصراع  على الورق:

هو صراع أفكار في ذهن الكاتب، ولا تكتمل باللّغة الناعمة البيضاء التي ترفع رايتها مُؤذنةً بدَفَقات الحُبِّ والحنان، بل لغة خَشِنة مُنتقاةٍ بعناية؛ نخلُص من ذلك إلى فكرة صراع اللُّغة، وبتتبّع بعضًا من المفردات تدليلًا على ذلك وهي كثيرة:

أسد الجنوب/ ذو اليد الطولى/ الأنفاس القائظة/ يضمرون الخيانة/ ملِك الغضب“.

 

   ب-صراع الحضارات:

   ونستطيع التعبير عنه بأنّه صراع الإرادات بين الغالب والمغلوب، يتّضح هذا بمقولة “ابن خلدون” في مقدّمته: “المغلوبُ مُولَعٌ أبداً بتقليد الغالب في شِعَاره وزِيِّهِ ونِحْلَتِه وسائر أحواله وعوائده“.

   عالم الاجتماع العربيّ “ابن خلدون” نظر إلى العلاقة الارتباطيّة من منظور المغلوب/المهزوم، أو الطرف الأضعف في علاقة القُوَّة، ومن هنا تحدَّث في المجال الثقافيِّ – الاجتماعيِّ عن ظاهرة التقليد.

   ولو نظر “ابن خلدون” إلى الأمر من نظر الغالب/المنتصر الطرف الأقوى في علاقة القوَّة؛ لتحدَّث عما نُسمِّيه اليوم بالهيمنة الاستعماريَّة بكافّة مظاهرها الثقافيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة.

   وهو ما تجلّى حديثًا بمفهوم صراع الحضارات، كما أسّس له “صاموئيل هنتنغتون” و”فرانسيس فوكوياما” ، وهما من أشهر المُفكِّرين الاستراتيجيِّين في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، وفي كتابهما ”صدام الحضارات وإعادة بناء النظام العالمي”، و ”نهاية التاريخ وخاتم البشر”.

   ينطلقان لإعادة تشكيل العالم وفق نظرية الغالب والمغلوب، وأنّ العنصر الأبيض هو الأجدر بالحياة والرَّفاه، بلا اهتمام بتعاسة البشريّة.  هذه الرؤية الاستعماريّة هي معاناتنا منذ بداية القرن الماضي وانسحبت هذه الحال؛ لوجهها البشع والقبيح والتكشير عن أنيابها.

 

وهذا ما لحظته في الفصل الثاني، فيما بين:

   *”منير الموسى” شاب ثلاثينيّ، وهو نحّات ورسّام موهوب، تخلّى عن موهبته تلك لصالح جمع التحف لأثرياء مدينة زيورخ السويسرية.

   *”ستيفاني” أرملة في منتصف عقدها السادس، غير أنّها تبدو في أواخر العشرينيّات. تكبُر “منير موسى” بحوالي عشرين عاماً، أو تزيد عاماً. ورثت عن زوجها المُتوفّي ثروة طائلة.

   أنجبت منه ابنهما “فريدريك” الذي تركها وهو في عمر السادسة عشر ليهاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ويلتحق بوكالة الفضاء “ناسا” ومن حينها لم يسمعا عنه شيئاً.

    ورد في الرواية: “كعادتها استلقت “ستيفاني” على فراشها في تكاسُل وهي تجرًّ طرف ثوبها الشفَّاف بيد، وتضرب المُنبه الموضوع على سطح الخزانة “الكومدينو” الملحق بالسرير النحاسي ذي الشراشف البيضاء، مُهيِّئة نفسها بذلك لاستقبال زوجها العزيز «منير موسى» كي يجلب مائدة الإفطار التي يبرع في إعدادها، ويُصرُّ على تقديمها بنفسه لها على فراش النوم، وهو يهمس بحنو: “تفضلي يا ملكتي إفطارك اللذيذ”. ص١٨.

   ستيفاني: “برغم ذوقها المُتدنّي في ما يختصُّ بالفنِّ عموماً وبالتشكيل على فقد أضحيا زوجين بين غمضة وصفاها. فهي وجدت فيه واجهة تكمل بها ملفها الاجتماعي بين صديقات النادي، وهو وحد ضالته في بطاقتها الائتمانية التي لا يردها منفذ صرف“. ص ٢٠.

   في سيرة هذين الزوجين تظهر فكرة الغالب والمغلوب بجلاء: “فهي قد وجدت فيه واجهة تكمل بها ملفها الاجتماعي بين صديقات النادي، وهو وَجَد ضالَّته في بطاقتها الائتمانيّة التي لا يردها منفذ صرف” ص ٢٠.

 

ج- الصراعات الاجتماعيّة:

   تتعدّد دروب الصراعات الاجتماعية بتعدّد المكان والزمان على الدوام. صراع الأقوياء من الإقطاعيين وملّاكي الأراضي، وينسحب ذلك على العقل البشري الرّافض والمُستكين للواقع، ومحاولة التجديف عكس التيّار والطرف الأضعف ستنكسر مجاديفه ويتهاوى أمام سطوة الهيئة المُسيْطرة بالقوّة.

 

1-     صراع العقل والخرافة:

*”ظهرت أمامهم بوابة ضخمة على هيئة رأس كبش له قرنان حادان دون أنياب، وانبعثت من تلك البوابة طاقة هائلة، أحسوا معها بشيء غريب يجذب أرواحهم خارج أجسادهم، أو يسحبهم من أجسادهم كمن يخلع ملابس ضيقة – بصعوبة. صاروا يحلّقون خارج أجسادهم بأجسام نورانية شفافة كأنها البلور، وزال عنهم الرهق، والهلع، وعمتهم سكينة غريبة، عادوا خفافاً كمن أنزل حملاً كان يثقله. عن جسده المكتظ بصعوبة، صاروا يحلّقون خارج أجسادهم بأجسام نورانية شفافة كأنها البلور، وزال عنهم الرهق، والهلع، وعمتهم سكينة غريبة، عادوا خفافاً كمن أنزل حملاً كان يثقله. صالح “عباس الهباش” وهو يلتف حوله في دهشة: «لا أحس بأطرافي، هل متنا؟ هل هكذا يكون الموت أستاذ صفوت؟“. ص17.

*”صوت رخيم من داخل البوابة : “مرحباً بكم في أرض بوهين، آخر معاقل الآلهة الكوشيين”؛ ليردف بصوت أعلى بصورة درامية: «الملكة الأم في انتظاركم، أيها المختارون“.

   هذه الأمّ الملكة هي “شاخيتو” المقصودة، والتي اتّخذت الرواية من اسمها عنوانًا لها، الهاجس التاريخيّ هو المؤثّر في جميع أحداث الرواية.

 

2-    تمثيل الصراع المصغر بين السلطة والشّعب في القرية:

  شخصيّة “صابر عبد الحليم” المختار أو العمدة زعيم القرية، وهو أحد كبار ملّاكي الأراضي، ويستمدّ قوّته من سُلطته كمختار مسؤول أمام المركز الإداريّ والسّلطات، وزاد من طغيانه ليكون دكتاتورًا صغيرًا، كوّن حوله مجموعة من المنتفعين، وهم عماد سلطته، ويده الضّاربة في القرية يأتمرون بأوامره.

*”استند العمدة «صابر عبد الحليم» على عكازه بعد أن تنحنح، وحمد الله وأثنى عليه، مخاطباً أهالي القرية: « أهلي الكرام، بعد التحية والسلام، أظنكم سمعتم ما قاله – «عباس الهباش». أي نعم هو رجل عربيد، لكنه ليس كاذباً، فقد عرفناه عفيف اليد واللسان، وعاش بيننا ما يزيد عن العقدين من الزمان، وإني لأراه صادقاً فما ترون؟».

«القول ما تقول يا عمدة» .

هتف أحدهم، ليقابله آخر : «اصمت يا ذيل العمدة.. فأنت وسيدك، من أوصلنا لما نحن فيه» .

لیجیبه آخر: «بل أنتم يا أتباع المدنية والفلسفة من ستحرقون أرضنا بهرطقاتكم، عليكم لعنة الله والناس أجمعين».

ساد هرج ومرج، لم يوقفه سوى صوت قادم من أقصى القرية أن هلموا فقد فاض النهر في غير موسمه. ص27.

*هذا العمدة يستخدم سلطته في سرقة تركة أخيه، وحرمان ورثة أخيه من ميراثهم: “مما حدا بالعمدة إلى تزوير الأوراق وجلب شهود الزور لإثبات أنه قد ابتاع الأرض من أخيه «عبد الحكيم عبد الحليم» ودفع ثمنها قبل سنين من وفاة الأخير“. ص31.

 

3- صراع الحسّ الوطني بين الواجب والنّهب:

طرحت الرواية قضية مهمّة جدًا على صعيد أوطاننا المنهوبة، خاصّة نهب الكنوز الأثرية من الباحثين عن الثراء بطرق غير مشروع، من خلال مافيات وتُجّار الآثار التاريخيّة, وهو ما يظهر من شخصية “صابر عبد الحليم” المختار المتخفي تحت ستار سلطته، وهو ما انكشف من خلال حديثه مع السّاحرة أو مُحضّرة الأرواح “حسنى الهمجاوية”  في صراعها وخلافاتها مع العمدة. فقد ورد في (ص44\45) بحوار مباشر بينهما:

 دلف العمدة «صابر عبد الحليم» وصاحبيه إلى داخل الدار، أن أخذوا واجب ضيافتهم من التمر والماء، بدأ العمدة في الحديث: وبعد «أعلم یا «حسنی» ما بيننا من خلاف على مر السنوات الفائتة، لكنني جئت هذه المرة بعرض مختلف. تعلمين أنني صاحب حظوة عند أهل المنطقة كلها، لا السواقي وحدها، وأن لي تجارة مع أناس نافذین هنا وفي مصر، وأنني…».

قاطعته «حسنى الهمجاوية» بخبث:

«أعلم تجارتك في الآثار مع المصريين والخواجات يا عمدة فدعنا نتحدث بورق مكشوف».

فغر الجميع أفواههم دهشة، فموضوع الآثار لا يعلمه غير ثلاثتهم، العمدة «صابر عبد الحليم» وشريكيه؛ «حامد أدروب» والد «أماني»، و«محجوب الكيال» صاحب طواحين الدقيق وأكبر تاجر محاصيل بالمنطقة. وقبل أن يفيقوا من دهشتهم تلك عالجتهم «حسنى الهمجاوية» بصاعقة أخرى:

«لا تستغربوا، فحتى صفقة تمثال الخصوبة الذي تزمعون نقله، بالقرب من معبد «أمنحتب أمنيوفيس»، بعد أن كسرتم عضوه الحيوي جالب الحياة، ومصدر السحر الأعظم للإنجاب، أنا أعرف عنه. فليس ثمة ما يخفى علي في المنطقة، والسبب الرئيس في فشل خطتكم تلك، أنكم كسرتم رمزيّته، فلو أنكم جلبتم له، جيشاً عرمرماً بعد ذلك، لما حركتموه من مكانه».

انتفخت أوداج العمدة «صابر عبد الحليم» من الغضب وهو يصرخ في اهتياج:  «ونحن أيضاً نعلم أسرارك، خصوصاً ما يتعلق بهذا التمثال، نعلم أنك تخدعين النساء العقيمات اللائي لا يحبلن، تأخذيهن ليجلسن على عضو التمثال، موهمة إياهن بأن ذلك يجعلهن حبالى ويجلب لهن الذرية، هذا كفر بواح وهره طقة لا يقبلها ديننا الحنيف . ولو أنني أملك دليلاً واحداً ضدك لما ترددت بزجك في السجن».

 

الخاتمة:

عند مطالعتي لرواية “شاخيتو”، أثناء التحضير له لهذه الإضاءة، مثُل في ذهني وجه الشّبه الكبير مع رواية (الباترا – مار خدر\ للروائي السّوداني جمال الدين علي الحاج). بالطبع مع الاختلاف في أسلوب الكاتبين من حيث الأداء الذي يتميّز كلّ منهم بأسلوبه الخاصّ به.

الروايتان مُتخمتان بالتاريخ، وحضارة “كوش” و”مروي“، كما أن للأساطير والاعتقادات النوبيّة القديمة؛ أخذت حيّزًا واسعًا منهما، السّمات المِشتركة فضاء القرية في ريف السّودان، البحث عن الآثار وسرقتها، وشخصيّة العمدة وسلطته القائمة على اغتصاب الحقوق والأعراض والأموال.

كما أنّ الإسقاطات التاريخيّة على الواقع المُثقَل بالاستبداد والدكتاتوريَّات والظلم، هو خطٌّ مشتركٌ جديرٌ بالاهتمام، والتوقّف عنده.

 

عمّان – الأردنّ

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: