أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / دوائر الحكمة/ دوائر القلق: من مظاهر التضمين في “حديث الحكمة” و”حديث الغيبة تطلب فلا تدرك”   لمحمود المسعدي

دوائر الحكمة/ دوائر القلق: من مظاهر التضمين في “حديث الحكمة” و”حديث الغيبة تطلب فلا تدرك”   لمحمود المسعدي

التضمين أشدّ أنواع  التناصّ خفاءً ولذلك فهو يقتضي أن يستشعر القارئُ الفطِنُ صلة ما بين النصّ الماثل ونصّ غائب يكون ضروريا إدراكُه لتحقق فِعْل القراءة. وقد يكون المُتناصّ أي النصّ الوافدُ من المدوّنة الأدبيّة للثقافة المرجعيّة للقارئ، وربما كان من مدوّنة أدبية أخرى، وقد يكون من الآداب المتداوَلة، وقد يكون نصّا غير متداوَل، خفيّا أو بعيدا في الزمن. وهكذا فإنّ مسألة الخفاء والتجلّي ليست عائدة إلى شكل حضور المُتناصّ  في المُناصّ فحسبُ، ولكنْ  عائدة بشكل مُواز إلى نوعيّة القارئ المُهيّإ للوقوف على علاقة تعالـُقٍ تضمينيّة.

وقد يضيق المجالُ هنا عن استعراض جميع المظاهر التناصّية في “حدّث أبو هريرة قال” لكثرتها  وتفاوُتها الشّديد جلاءً وخفاءً، لذلك سوف نترك جانبًا تعالقَ النّصّ بعديد المسالك الصّوفيّة وطرائق المَعرِفة الإشراقيّة والنصوص الدينية والوقائع التاريخيّة…إلى بحث لاحق مُحتمل، كما أنّ غيْرَنا ربّما سلك هذا المسلك[1]، ونهتمّ بما أفضتْ إليه تجاريبُ أبي هريرة من انتهاء إلى استفحال العقل  ثم الشكّ به والارتماء في براثن القلق، ممّا كان له دوافع نفسيّة سحيقة  مُفرزة لشخصيّة إشكاليّة حائرة  تنغلق أمامها المخارجُ وتضيق الآفاقُ. لم يتصدّ المسعدي لأداء هذه المعاني البعيدة  بوسيلة الإنشاء المُفرَد المبتكر غير المسبوق، المعزول عمّا شابهه، وعمّا كان عند الأوّلين والمعاصرين من نصوص وَرَدُوا  على مَتنها هذا الموردَ، ولكنه سعى إلى أنْ يتوسّل في ما توسّل به بنصوص مشهود لها بالتميّز، نماذجَ  استقرّت في الثقافات المُختلفة على أنّها خِيرة ما بلغه العقل البشريّ من التعبير عن مُعضلات أزليّة دائمة بدوام الإنسان.

وللإبانة عن هذا التجريب العقليّ والوقوع في الحيْرة وضياع السّمت ضُمّنَ كتابُ المنقذ من الضّلال للغزالي، أمّا التجريب الوجوديّ المتمثل في التّيه في الآفاق فقد أدّاه تضمين قصّة النبيّ موسى بن عمران[2] مع الخضر وأدّاه أيضا قصّة أبي رغال، وفيه تضمينان : أحدُهما تجربة “هملت” بطل الشّاعر الانكليزي شكسبير[3]  والآخر مسرحيّة الكاتب الفرنسي ألبير كامو ” كاليقولا” [4] التي عالجت رؤيته لتجربة الإمبراطور الروماني: “كايوس قيصر جرمانيكوس” الملقب بكاليقولا.

كما يمكننا طرح افتراض آخر لا يخرج عن مقتضيات المسلك الصّوفي في طلب المعرفة، فأبو هريرة إذ ضاقت به السّبل وعمِيَ الأسطرلاب  ” ألحّت عليه الأوساع إلحاحا واقتضاه الصّفاء”  فانطلق. فرحلتُه هي إذن سياحة الصّوفيّ، وسالك طريق الحكمة في بداية تجربته، جوّاب أمكنة ضرّاب في الأرض، كذلك كان محيي الدّين بن عربي ” كانت له سياحات كثيرة في الأندلس والمغرب والأناضول  والعراق والشام والحجاز، وحاولوا اغتياله في مصر[5]

وربما أمكن التأليف بين الموقفين بالقول بأن طلب الحكمة قد لا يتعارض وممارسة الوجود على نحو ما، ولعلّ بلوغ الحكمة يكون باستفراغ ما بالإمكان من أشكال التّجريب واختيار الطرائق والمساهمة في خيْر الأعمال وشرّها.

وُضع نصّ “حديث الحكمة” على طريقة الدّوائر المتداخلة. فالدّائرة الكبيرة هي قصّة أبي هريرة وفقدانه السّمتَ وضلاله في المكان ضلاله في المعنى. وليس أفضلَ من مُؤدّ لهذه الدلالة من نصٍّ نموذج لا يُطرَق خبرُ مُرتابٍ بوسائل الإدراك ، ولا تُروَى قصّة مُتدرّج من الشكّ إلا اليقين إلا ذُكِر، وهو المُنقذ من الضلال لأبي حامد الغزالي[6]..

بيد أنّ هذا التضمين كان على وجه الاتفاق حينا وعلى وجه الاختلاف حينا آخر. فمن مظاهر الاتفاق مكابدة الشك والاضطراب في السّبل، فأبو هريرة اضطرب ” في الطرق تطرحه هذه إلى تلك[7]  وأبو حامد قاسى من ” تباين المسالك والطرق”[8] وإن كان الغزالي سائرا قدُما من موقع إلى آخر: من الفلسفة إلى علم الكلام فإلى طرق أهل التعليم [9] ومن الإدراك الحسّيّ إلى المعقولات فإلى الشكّ بها [10]… أمامه غاية يسعى إليها هي تحديد مفهوم العلم اليقينيّ الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقى معه رَيبٌ، فإنّ أبا هريرة “لم تكن له غاية تطلب ولا أملٌ يُحيي“. وقد انتهت رحلة الغزالي إلى “الصّحّة والاعتدال ورجعت الضّروريّات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين”[11] أما أبو هريرة فقد رجعتْ نفسُه  ولكنْ إلى كُفر بكلّ شيء وإيمان بعبثيّة كلّ شيء.

لقد اتّخذ المسعدي مسألة الشكّ بالمُسَلمات طاقة دافعة إلى مزيد التكثيف الدّراميّ حيث جعل من المعرفة قضيّة مُحايثة للوجود الفعليّ للكائن وليست خطابا تأمليّا فحسبُ، بل داخلة في تقلبات الكائن في المَوْجد زمانا ومكانا وعلاقات بالفضاء، فضلا عن كونها نشاطا عقليّا محضا. فكان أنْ جاوز الغزاليّ في هذا الباب لأنه لم يَرِدْ في المنقذ من الضّلال ما يُفيد تأزّمَ حياة الغزاليّ الواقعيّة غير انقطاعه عن التدريس والخروج من بغداد، ولم نجد في المصادر ربْطا بين أزمته النّفسيّة العقليّة المعرفيّة وبين العلة التي أصابته[12]، ولم يستعمل لفظ ” مرض[13] إلا بشكل مجازيّ.

والمسعدي، بدفعه أبا هريرة إلى العَماء وانتفاء كلّ سبيل من سُبل التوجّه، إنما يُجاوز الغزاليّ في كوْن أبي هريرة قد ذهب به الشكّ إلى تخوم لم تبلغها تجربة الغزاليّ وهي تجربة العبث وتجربة الجنون، إذ أنه لم يتجاوز الشكّ إلى الرّيب ، بل  كان – وهو شاكّ- يسير في طريق مُعلـّمة، ذات مراحل ومحطّات، ولهذا فإنّ نهاية أبي هريرة  (في حديث البعث الآخر)  تتجاوز مجرّد النّور المقذوف في الصّدر، إذ أنّ هذا النّور لا يعدو أنْ يكون بداية طريق السّالك[14]. أمّا أبو هريرة فقد بلغ بعدُ نهايتها[15]

وتفضي الدّائرة الأولى من دوائر حديث الحكمة إلى ربيبتها الثانية: سياحة أبي هريرة فالتقائِه بأبي رغال، هذا الجُزء من القصّة مِحوَره الدلالي: الرحلة في طلب المعرفة اللدنّية والعثورُ عليها صُدفة فالعجزُ عن مجاراة الحكيم المُعلـّم. هذه التيمة النموذجُ وجد لها المسعدي في القرآن مَجَازا أو نصّا نموذجا هي قصّة موسى مع الخضر[16] مثلما كانت رحلة الشكّ نموذجُها عند العرب كتابَ الغزاليّ. وقد وردت قصّة موسى مع الخضر في القرآن مُجتزأة حُذف منها مَنشأ السؤال، ولا وجود لها مُطلقا في كتاب العهد القديم وعلى وجه الدّقة في سِفر الخروج، ممّا يقوّي الشكّ في كوْن صاحب الخضر هو نبيّ بني إسرائيل. وردت القصّة مُجتزأة قد حُذفت منها أحوال قد تكون أصابت نفس الطّالب جرّاء التباس السُّبل، لكنْ كمّلتها الأخبارُ و التفاسير المستنِدة إليها، فجعلت لرحلة موسى في طلب المعرفة مَنشَأ دينيّا وأخلاقيّا وربما نفسيّا نرجسيّا[17] وهو ما يُفرغ القصّة من طاقة دراميّة كبيرة. لكنّ الدراما ستنشأ لاحقا من أنّ الله لم يُعيّن لموسى أيّ البحار مقصود[18]… ففكرة التيه[19] وغياب البوصلة في رحلة الطّلب مشتركة بين موسى وأبي هريرة ، فهي باب من أبواب التقاطع بين النّصّين.

وقد انطلق أبو هريرة في الرحلة في حالة جهل، وانطلق موسى من معرفة كالجهل وعطشٍ للمعرفة[20]. الأوّلُ لم يحدّد موضوعَ ما يطلب من المعرفة لأنه لم يكن مُحيطا بقضيّته ولا مسيطرا على حالته، ولذلك فمطلبُه مُجاوز لتصَوُّره، وهو إذ يصادف الحكمة يسأل أسئلة شاحبة : ” ومن هذا ؟” “ولِمَ فعلتَ هذا بهم؟[21]  وهي أسئلة من قبيل شخص غير الذي انطلق وبه حيرةُ مَن أضاع السّمت وضلّ ضلالا بعيدا، فهو بريء من الذهول، ذو ذاكرة مستنفَرة (ليس سيبويه في من يُعرَف من الناس والعلماء)[22] ومميّز للمنطقيّ من الأفعال من مجنونها، لذلك فهو يهتمّ بالعلل والأسباب: ” لمَ فعلت هذا بهم؟ “

ومن هذين السّؤالين نقف على أبرز المظاهر من التعالق بين النصّ الدّينيّ وأقوى أشكال التطابق بينهما : فعِلمُ موسى المقنّعُ بالظاهر من الأمور المسلطُ على الأفعال مِعيارَ المنطق والانتفاع القريب:  ” لو شئت لاتّخذت عليه أجرا[23]  أو المعيارَ الأخلاقيّ:  ” قال أخرقتَها لتُغرقَ أهلها لقد جئتَ شيئا إمْرًا[24] هو ذاتُه عِلمُ أبي هريرة إذ يحتارُويسألُ، فكلاهما عاجز عن التأويل  إيْ عاجز عن تجاوز الظاهر من الأفعال والعلاقات إلى باطنها، لأنّ الذهن منهما ظلّ حبيس التفكير الماديّ المستند إلى نظام المنطق العام، الباحثِ عن العلة والمعلول ، المميّز بين الصّواب والخطإ والخير والشرّ، ومن هنا يتجلّى قولُ أبي رغال: “أتحبّ القصص؟… وتفهمها؟ [25] وقولُ الخضر لموسى ” إنك لن تستطيع معي صبرا/ وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خُبْرًا ” [26] فعجْزُ الطالبيْن أمامَ المُعلميْن إنما كان عجزا عن إدراك الحكمة التأويليّة [27] التي ليس المنطقُ وسيلتَها، المتجاوزة لحدود الأخلاق ومفهوم الخيْر السّائد وأنواع القياسات الأخرى. وفي النّصّيْن تنتهي الرّحلة نهاية واحدة : فالخضر يقول لموسى: “هذا فراق بيني وبينك” وينبّئه بتأويل ما لم يستطع عليه صبرا ويُخبّره بأنّ عجزه عن اتّباعه إنّما كان لقصور آلته عن التأويل وعدم قدرته على الفكاك من حدود المنطق المادّيّ، وكذلك كان الفراق بين أبي رغال وأبي هريرة  حيث انصرف “مُظلِم العقل والقلب” [28] وقد كلّ منه الفهمُ المنطقيّ وانحبست النفسُ عن سُبل الإدراك الأخرى.

بيد أن لقصّة أبي هريرة نهاية أخرى لا وجود لمثلها في قصّة موسى، إذ هذا هو منتهى التضمين وغايتُه وهو التصرف في المُتناصّ لمقتضيات المعنى الذي يُرام إنشاؤه، من ذلك التعديل والتحويل والتجاوز والتكميل والتصرّف.

وخلاصة الحديث أن المسعدي سلك بأبي هريرة إلى المعرفة والحكمة مسلكا وُجوديّا متمثلا في الحيرة ودوام السّؤال واستواء الأضداد والاستغراق في العبث ثم في الرّحلة إلى غير ما وجهة، حتى صادف أفُقا يتوهّم أ نّ منه يأتي الجوابُ، فأخذ الحِسّ بالتعليم والترويض (تعلّم السّباحة ) ثم أخذ العقلَ بمحاولة فهم السّياسة والأخلاق والفلسفة عن طريق المُحاورة، محاورة أبي رغال ومصاحبته (منهج الرّواقيّين)… لكن التّجريب الوُجوديّ لم  يُؤدّ إلى المَرام [29]  فخرج منها مُظلِما وهو ما جسّمه الحديث الموالي (حديث الجمود) وقد وجد المسعدي في التراث نصّا نموذجًا يؤدّي مغامرة السّائحين يطلبون الحكمة ، فكان أنْ أدّى هذا المعنى الكونيّ بما يجسّمه أصالة من الحضارة الشرقيّة.

***

و نحتفظ كذلك  من تجربة أبي رغال بمظهريْن : الجَوْر في الرّعية والوقوع فريسة للقلق والتردّد. فأمّا المظهر الأوّل فضُمِّن في أثنائه نصّ “كاليقولا” [30] للكاتب الفرنسيّ ألبير كامو وأمّا الثاني فنلمس فيه مسرحية “هملت ” للشاعر الإنكليزي ” شكسبير“.

لقد كان الإمبراطور الروماني كاليقولا هو الحامل الذي وَضع عليه المسعدي تجربة أبي رغال في سياسة قومه بواسطة التضمين لبعض المظاهر من سيرته، وذلك على أساس أنّ الإمبراطور  الرّومانيّ اتُّخِذ مثالا للحاكم الجائر الذي أتى ما أتى من الفظائع مدفوعا بقلق وجوديّ وعجْز عن إدراك ما تطلبه النفسُ من إطلاق يقصُر عنه الواقع وتقصُر عنه المنزلة الإنسانيّة التي هو  بها مُلزَم محدود. فأبو رغال – مثل كاليقولا – لم يقدِر على أنْ يضع ذاته في موضعها من نظام الكوْن ولم يدْرِ أ حكيمٌ هو أم نبيّ أم ربّ[31].

وقد تجاوز التضمينُ البُنية الدّلالية العامّة، أيْ تيمة الجَوْر النّاتج عن القلق الوُجوديّ وتخطّى السّمة التي وَسَم بها التاريخُ شخصيّة الإمبراطور الرّومانيّ إلى البُنية القصصيّة، حيث نجد عناصر مشترَكة من هذه البُنية بيْن نصّ المسعدي ونصّ كامو، ممّا يجعلنا نرجّح أنّ النصّ المتعالق ليس النصّ التاريخي في عموميته، بل مسرحية كامو بالتّحديد في ما توسّلت به من الأدوات المؤدّية إلى استبطان أعماق الشخصيّة للحاكم الرّومانيّ.

مظاهرُ التضمين ومستنداتُها النّصّيّـة

  • الرّغبة في تجاوز الذّات والمُمكن:
  • حديث الحكمة: اللهم أوح إليّ من روحك/ وبقيتُ في انتظار الوحي ولم ينزل (ص174)
  • كاليقولا (كامو) : المستحيل، طلبته في أقاصي العالم وفي تخوم ذاتي( ص 154)[32]
  • الجوْر في الرّعية (مظاهر الجَوْر)
  • حديث الحكمة: القتل المجانيّ: وسقيتُهم علقما وخنقتُ عليهم (ص 174)
  • كاليقولا: ما لك تبدو على غيْر ما يُرام؟ ألأنّي قتلتُ ولدَك؟ (ص61)
  • استباحة زوجات الآخرين:
  • وافترشت نساءهم (ص174)
  • كاليقولا: ولكنْ قبل ذلك ينبغي أن نرضيَ رغباتٍ قاهرةً أودعتها الطبيعة فينا (ص64)

(يقول ذلك وهو يسحب زوجة مسيوس إلى غرفة مجاورة)

  • مؤاخذة الرّعية بالجُبن والعجز:
  • حديث الحكمة: إن قوْمًا يكونُ فيهم مثلي من الأشرار ولا يقتلونه …ليسُوا بأهل لشفقة ولا رحمة (ص 175)
  • كاليقولا: عندما دخلتُ كنتم تتآمرون…لا بأس، أنتم عاجزون عن فعلٍ شجاع (ص64)
  • الرغبة في التّعالي على المنزلة الإنسانيّة:
  • حديث الحكمة: (الرّغبة في النبوّة) اللهم أوْح إليّ من روحك (ص174)
  • كاليقولا: (التحسّر من محدودية القدرة) وماذا تفيد الصّرامة؟ وما جدوى هذه السّلطة الخارقة ما دمتُ عاجزا عن تغيير نظام الكون كأنْ أجعلَ الشمس مغربَها الشرقُ؟ (ص 41)
  • مكافحة الوَحدة بواسطة القتل وإراقة الدماء:
  • حديث الحكمة: إذا نفدتْ روحي عمدتُ إلى أحدهم فقتلتُه وتلطختُ بدمه، فأنا في خلق جديد(ص 179)
  • كاليقولا: عجبا ! أشعرُ بالوَحدة حيث لا أقتُل، كما لو أنّ الأحياء لا يكْفون لإعمار الكون ودفع الضّجر ( ص 147)[33]

***

لكنّ الشخصيّة المتقاوية النّاشدة ما فوق منزلتها، الدّافعة الضجرَ بسفك الدّماء، قد أخفتْ لدى كلّ من كاليقولا وأبي رغال نفسًا هشّة متداعية البناء. فكاليقولا يهيم أيّاما على وجهه غراما ورغبة  بدروسيلا Drussilla  أخته الشابّة المتوفاة، وتتناقل الحاشية – وإنْ في لامبالاة- أمر معاشرته لها (ص19) ويُغرم أبو رغال بأمّه ويريدُها… لكنّ مؤلفنا يريد لأبي رغال ما يُناسبه من عيون التراث العالميّ: متناصّا آخر غير كاليقولا هو شخصيّة “هملت ” وهو يمثل الحلقة الموالية من حلقات القلق.

 تتحرك القصّتان على أرضيّة أوديبية  سِمَتُها عدم القدرة على تصعيد المكبوتات الطفولية من النشاط الليبيدينالي، ممّا أنتج الشغفَ بالأمّ واستفحالَ النشاط الأوديبيّ وسيطرتَه على السّلوك ونمّى الميولَ الإجرامية، فأفرز ذلك فكرا مذبذبا مريضا.

لقد عجز هملت عن الانتقام من عمّه رغم ما أكّده له طيفُ أبيه من أن هذا العمّ هو صاحب الجريمة المزدوَجة: قتله وافتكاكُ ملكه وزوجته ” جرترود Gertrude”. لم ينتقم استجابة لدافع دفين هو الرّغبة في تنحيّة الأب الحقيقيّ(قتل والده) وإن كان يرغب أيضا في قتل “المُحتلّ الجديد”، بيد أنّه  لم يتردّد في قتل مسترق السّمع من وراء السّتارة وفي إرسال موظفي البلاط إلى الكمين الذي وُضع له هو…وكذلك أبو رغال : قتلَ وهو طيّبُ النفس مدفوعا بدافع أوديبيّ تمثل في استحواذ الرّغائب الآثمة على شخصيته نتيجة خيانة الأب وغيابه وتقصيره عن ملء المنتظر منه (غياب الوحي المرشِد إلى ما ينبغي فعله)، ثم تخُون الأمّ كذلك كما خانت هملت والدتُه. يقتل أبو رغال أمّه   (ولكنها ماتت في نفسي)  كما قتل هملت “جرترود” بالشراب المسموم . ويعرفُ الشّخصان ذات المصير: هملت يظل” أسيرَ العقل الشّاحب” المتنامي تناميا مرضيّا، وأبو رغال يخوض أسئلة فلسفيّة متداخلة هي أيضا نتيجة عقل مُستفحل زاحف على مَلَكات الشخصيّة.

وخلاصة القول إنّ المسعدي  وجد في نموذج “هملت” الصّورة المضطربة نفسياّ وعقلياّ، فأدّى بها طلب أبي رغال للخلاص من الحياة المُتاحة له، بحثا عن كينونةٍ غيرها. وقد كان حديث الحكمة مرحلة أخيرة من مراحل التجارب لدى أبي هريرة حيث كان التكثيفُ على أشدّه حين جعل كلّ هذه التجارب تفضي في نهايتها  إلى ظلام العقل والقلب فإلى الجمود، قبل أنْ يجد مَسلكَ الحقيقة الإشراقيّة في حديث “البعث الآخر”.

ومثلما كانت الدّلالة على درجة عالية من التّوتّر كانت الوسيلة المتّخذة مَطية لهذه الدّلالة، فكان أنْ استدعى لذلك نصوصا تراثية بلغت في الثقافة المرجعيّة منزلة النموذج وصار لها من الرِّفعة ما يخوّل لها الانبعاث في نصوص جديدة، وصار لها من السّلطة ما يجعلها مُتوسَّلا بها في أداء أبلغ الدّلالات وأبعدها وأعمقها وأقربها إلى الأصل الأونطولوجيّ الإنسانيّ.

إن استدعاء النّماذج الأدبيّة والفلسفيّة والأسطوريّة… سِمة من سِمات الكتابة لدى المسعدي. وهذا الأمر هو الذي يبوّئُ  إنتاجه المنزلة الرفيعة من الأدب، مِمّا يستدعي قارئا خاصّا قادرا على رصد التقاطعات والرّجوع بالنّصوص إلى أصولها ومنابعها…وهو العمل الذي لا يتحقق فعل القراءة بدونه.

***

ومن نماذج التّضمين الدّاخلة في دوائر القلق،  القائمة على التحويل الكامل لحقل الدلالة من قطب إلى قطب (من الوعظ الدّيني إلى الفلسفة) تضمينُ أسطورة إساف ونائلة[34] في”حديث الغيبة[35] تُطلب فلا تُدرَك” . لقد كان محورَ الدّلالة في هذه الأسطورة الحُبّ المادّيّ الحسّيّ يُمارَس في مكان غير مكرّس للحسّ بل للرّوح، فيبرُز في الآن فكرة الصّراع بين المقدّس والمدنّس. وقد طوّر المؤلف هذه الدّلالة لإكسابها أبعادا تقارب  مسألة الإدراك كيف يقع للإنسان ممّا هو بعض صدى لفلسفة سبينوزا حول الجسد… حيث أنّ الجسد،  بما هو رغبة، سابق بالضرورة للوعي، وما الوعي إلا إدراك للرّغبة ونوازع الجسد وميولاته، وما النفس إلا فكرة الجسد عمّا يحيط به من الأوضاع المعيشة المختبَرة ليصبح الجسد تبعا لذلك موضوعا للتفكير. هذا المنهاج في التفكير هو الذي جعل الغيْبة غاية يستحيل إدراكها عند كل من أبي هريرة وظلمة، لأن الغيبة هي نفيٌ للوعي وبالتالي نفيٌ للجسد… وعبثا حاول أبو هريرة أن ينفيَ جسده بالتمزيق ليتجاوزه إلى نوع آخر من الوعي هو الحدس المجرّد والفناء في الدّين بعيدا عن مقتضيات الجسد.

 حلّ أبو هريرة في الدّيْر يطلب التزهّد والخروجَ من الدّنيا ومن الذنوب ويطلب هُجران الرّجس والتطهّر من درن الحسّ (هكذا فهمت ظلمة الرّاهبة صاحبة المفتاح) ولكنّه كان يهرب من ظله أيْ من حقيقته ومن قلقه ومن كينونةٍ لا يُريدها. وقد تكفلت ظلمة بتعليمه الصلاة وتلقينه الدّعاء ليخرج من قلقه ويطمئن للسّماء…لكن أسئلته كانت غالبة وكانت تدفعه إلى الكفر وتدفعه إلى التساؤل عن أيّ الفريقيْن أصدق وجودا: الله أم الشيطان…بيد أنّ ظلمة كانت تتيقظ حواسّها لرائحة الحياة في ثياب أبي هريرة،  فيقول لها ” ألا تذكّركِ  إبلَ الحيّ تكون ضَبَاعًا” ؟[36] ولم يزل بها حتى لبسته فخلَفََ اللهَ في قلبها، فأقاما معًا في الشّيطان، والدّيْر يحسبُهما يتعبّدان ويبتهلان.

وإذن فإنّ  نصّ المسعدي يتجاوز بالتضمين قضيّة المقدّس والمدنّس والصّراعَ الأبديّ القائمَ بينهما  ليعبّر به عن نظرة فلسفيّة للجسد ولِدَوْره في مَفهَمَة الإنسانِ، مُساهمةً في الجدل القائم بين الفهم الدّيكارتي(الكوجيتو) ” أنا أفكر فأنا موجود” وبيْن  الموقف الإيتيكي من الجسد لدى سبينوزا، القائل بأنّ الوعي ليس إلا فكرة الجسد، ممّا يجعل التامّل لاحقا للجسد والجسدَ هو قوام الوجود(كما سبق بيانه في فقرة سابقة)، فيصبح هناك نوع من الكوجيتو المقلوب ” أنا موجود فأنا أفكر” وبين النظرة المثالية ذات الجذور الأفلاطونية  القائلة بأن الجسد بؤرة الرّذيلة ، حضورُه حَرَجٌ وجب إخفاؤه ما أمكن وتحتّم التحكّم به وإخماد رغباته وكبح نوازعه.

 تُوضَعُ هذه المفاهيم المتعارضة في مسرح واحد هو مسرح المقدّس لإذكاء المنافسة بينها على امتلاك الكائن … فيُطرح حينئذ السؤال الدّرامي المُثير: هل يستطيع المقدّس المتعالي بكلّ وسائله المُهيّأة سلفا (الدّير والعزلة والخطاب المُؤثر والنّصوص الطّقوسيّة والصّلوات… ) أنْ تقصِيَ هذا الجانبَ من كينونة الإنسان؟

إنّ المنتظر من الدّين باعتباره جمْعا بين مظهر عقديّ وآخر طقوسيّ أن يجعل المتديّن يتجاوز مجرّدَ الممارسة لشعيرة مخصوصة إلى أنْ يُذكيَ في نفسه التعلقَ بالمتعالي أيْ بجوهر العقيدة، ويتبنّى مفاهيمها ومقولاتِها، ويستشعر في ذاته هذا المتعاليَ كحقيقة غير قابلة للتساؤل حولها، ممّا يُقصّر المسافة بينهما، باعتبار الأول متناهيا والثاني لا متناهيا…الأوّل يعتريه النقصان(الماثل في اتصال الكينونة بالجسد) والثاني في منتهى الكمال لا يعتريه النقصان.

لكنّ أبا هريرة لم يقتنع منذ مراحل متقدّمة من تجاربه بهذه العلاقة بالمطلق، ذلك أنّه أصيب فكرُه بالسّؤال حول المُمارسات الطقوسيّة وعلاقتها باللامتناهي[37] والحقيقة التي يمكن أن يُخفيها . إنّ شعوره بهذا النقص المعرفيّ دفع به إلى التململ والقلق، لأن فكرة الكمال التي يحملها عن المتعالي ظلت صورتها منقوصة،  بل الأنكى أنّه ورد في حياته من الحوادث ما جعل هذه الصّورة تنقلب إلى ضدّها، فأضاع بذلك فكرة الكمال التي هي ضروريّة لتوازنه واطمئنانه، فهذه أخته البكماء الصمّاء العليلة  التي يُحبّها “حب الشياطين للشر”  قد قبضت، ويحسب ذلك من الشيطان الذي هو نقيض المتعالي الكامل، فيقال له ” هو من الله” [38]  ومُذاك لم تعُدْ فكرة الكمال المُلحَقة بهذا المتعالي مسلّمة يمكن أن يقام عليها الوجود، فقدْ فقـَدَ هذا الوُجود مرجعيّته.

إن المسعدي وهو يجعل أبا هريرة يعيش السّؤال الميتافيزيقيّ كمُمارسة أونطولوجية يخرج به عن إطار” الميتافيزيقا التقليديّة”  التي لا تتعاطى مع المفهوم كصيرورة بل كمعرفة ناجزة، ولا تستطيع الصّبر على تكوينيّة المفهوم ونشوئيته “[39] أيْ تشكـّله من خلال التجريب، ويدفع به إلى تكوين هذا المفهوم، لا على أساس تلقيه كمعرفة قبليّة مباشرة في إطار عقديّ يتحوّل بعد ذلك إلى ممارسة طقوسيّة.

إن مبدأ الكمال يقتضي نظريّا مبدأ النّقص، وبما أنّ المتعاليَ في كماله مكتف بذاته مستقلّ بها، فإنّ الناقص هو المطالب بالسّعي نحوه والاقتراب منه…  وبذلك اعتبر مبدأ الكمال حافزا وجوديّا ووجدانيّا – والنقص أيضا- استغلتهما العلوم الإنسانية كالأنطروبولوجيا والسيكولوجيا في مَفهمة الوجود الإنسانيّ عن طريق الاعتراف بالنقص مكوّنا أونطولوجيا يتخطاه الكائن باستمرار، لكنه يظلّ مع ذلك قائما، محتفظا احتفاظا كاملا بطاقته الدّفعية نحو التدرّج في مراقي الكمال.[40]

إن العوامل الشادّة إلى مبدإ النقص بدت لأبي هريرة متمثلة في أبرز ما يجسّم وجوده الفعليّ :جسده. فهو مصدر احتياجات ورغائب ظلّ في تجاريبه السابقة يختبر سُبُل إرضائها وإسكاتها وإماتتها . ورأى أنّ ما يمارسه من الطقوس المجسِّمة لمعرفة ما قبلية بالمتعالي لا ترضي فيه ظمأ السّؤال ولا تقضي على المتناقضات.  لذلك رأى أنّ هناك ممارسة دينيّة أخرى ربما كانت أنجع من الحجّ والطواف والصّلاة وأجدى، وهي حياة الانقطاع بالدَّير. ودخل الدَّير مُحمّلا بسؤال الحقيقة، وهو ذو شقين : الأوّل متعلق بالمتعالي ذاته : أهو أم نقيضه؟ لقد وجد أبو هريرة في تجاربه السّابقة ما يؤكد الشيطان فيه، وهو بسؤاله ، لا يثير قضيّة المتعالي ولكنْ قضية وجوده، لأنه إذا أثار قضيّة الوجود وضع بالاستتباع قضيّة المحمول عليه في معرض السؤال، ذلك أنه في الميتافيزيقا الدّيكارتية “لا يمكن التفكير بالكمال دون أن يكون حاويا للوجود”[41] أما الشقّ الثاني فهو متولّد عن الأوّل حيث أنّ الإجابة عن الشق الأوّل ستكون حتما في شكل مراجحة ، ومعنى ذلك أنّ المُراجَح بينهما يشتركان في المحمول بشكل متفاوت . فإنْ كان الرّاجح هو الشيطان أصبح المرجوح به (أي المتعالي) من تصوّرات الإنسان وابتداعاته. لكنّ فكرة وجوده لا تنتفي، وما ينتفي هو المحمول عليه من الكمال، وهذا يمثل بالنسبة إلى المؤمن غاية الخسران، لأنه يفقد بذلك رُكنا من أركان وجوده…وهكذا يدخل أبو هريرة المكان المقدس مُحمّلا بالدّنس ، ليس في جسده كما كان الشأن بالنّسبة إلى إساف ولكن في ما هو أعمق وأبعد. وهذا وجه من وجوه الذهاب بالأسطورة المُضمّنة إلى تخوم لم توجَد فيها في الأصل وبابٌ من أبواب تحميلها من المفاهيم العميقة ما يُحييها ويجدّدها.

ويتجلّى البُعد التراجيديّ في  كوْن الإنسان(أبي هريرة)  هو المسرح الذي يدور فيه الصّراع بين المقدّس والمدنّس في أبرز مظهر من مظاهر وجوده وهو جسده، كما يحمل في المظهر الثاني الذي لا يقلّ أهميّة عن الأوّل ما به يُطلب الخلاص من إرهاصات الأوّل. وللتأكيد على ذاتيّة هذا الصّراع، وعلى كونه صراعا داخليا محضا وتراجيديا صرفا يرفض أبو هريرة السّوط الذي تمدّه به ظلمة قصد جلد جسمه به ويقول: “بيدي لا بهذا” . ففي جسده من الأعضاء ما يستجيب للقوة الثانية منه، فيمزّق جسده بأمر منه.

إنّ الدّير الذي لجأ إليه أبو هريرة مكان رمزيّ، تماما مثل الكعبة حيث ذهب إساف ونائلة، حمل عليه كلّ المعاني المتصلة بالقداسة من ارتفاع ووعورة وانقطاع عن الأرض الذلول الممهّدة لنشاط الدّنيا. فعزلـُه عن المنبسط إنما هو عزل له عن الدّنس ومسارح حدوثه ، وهذا من المخالفات التي خالف بها المتناصّ إذ أنّ مكة كانت في وادي لا معلقة على جبل. وفي الدّيْر يخضع أبو هريرة للنّزال الدّمويّ بين الضّدّين، وتتحقق مفارقة أخرى لنصّ الأسطورة (المتناصّ) حيث أن الرواة[42] لم يُوردوا صورة عن الصّراع بين المقدّس والمدنّس في شخصَيْ إساف ونائلة كالحديث عن مقاومة الرغبة في شكل ملحميّ كما حدث لظلمة وأبي هريرة… ولكنهم سارعوا إلى نتيجة الصّراع على أساس أنّه كان فوْريّا وحاسما، وهو ما يخدم الغرض البرغماتي أيّ الوعظ والتأكيدَ على التلازم بين المقدّس والعفة والطهارة من ناحية، وعلى عُنف المقدس وصرامته في دفع الدّنس عن حوْزته، الأمر الذي لا يُعيره المسعدي أيّ اهتمام، فيجعل رأسَ الدير يكتفي بتحذير ظلمة من أن يُهبطها أبو هريرة إلى الأرض( حادثة هبوط آدم وحوّاء من الجنة إلى الأرض بالأكل من التفاحة، والتفاحة مجاز عن الرّغبة) ويلحّ على النقيض من ذلك على دمويّة الصراع لإبراز البُعد الوجوديّ والإلحاح على مأساويته.

الخاتمة

إن مظاهر التضمين التي اكتفينا بها ممّا في “حدث أبو هريرة قال” ليس في الأغلب ظاهرة مَوْضِعيَّة يُتوسَّل بها إلى الترصيع الأسلوبيّ وتجويد الخطاب أو أداء الفكرة الجزئية أو الإلماع إلى شخصيّة مرجعيّة [43]، بل إنّ سبيل المؤلف إلى التضمين في النماذج التي درسناها هي الاستقطاب الدّلاليّ (وهو مفهوم مؤقت  ننوي العودة إليه لدراسته وتمحيصه أو تعديله أو استبداله بغيره) ثم إيجاد المُناظر المناسب له من التراث العربيّ أو العالميّ.

والاستقطاب الدّلاليّ عنيْنا به حصرَ الدّلالة في أقصى درجات الاختزال والتكثيف بشكل يجعل المتناصّ المُراد تضمينه يتجلّى في هيأة من التقشف اللغوي والتركيز الدّلالي، فيحصل من هذه العمليّة تيمة مركزيّة قابلة بعد ذلك للانتشار في المُناصّ، وربّما كانت الأصلَ في نشوئه. ونمثل على ذلك بتيمة الرّحيل في طلب المعرفة اللدنية أو الرّحلة من الشك إلى اليقين أو جَوْر المَلِك في الرّعيّة بدافع القلق.

إنّ هذه العمليّة (الاستقطاب) مكّنت المؤلف من استكشاف ناجع للتراث، ليُخرج من ركام النّصوص والتّجارب الإنسانيّة السّابقة والوثائق المختلفة نصوصا نماذجَ وموديلات  مُتسمة بالنمطيّة مكتسِبة للصّفة التأسيسيّة وللقدرة التعبيرية على ما يرام أداؤه من الدلالات المعقدة. ولعلّ هذه العمليّة التي نصطلح عليها بالاستقطاب الدّلاليّ هي ذاتها التي جعلت الفلاسفة و الكتاب الغربيّين يعودون إلى التراث اليونانيّ ليستخرجوا منه مبادئ كليّة كعقدة أوديب من مسرحية سوفوكليس وفكرة العبث من أسطورة سيزيف….

إنّ مبدأ الاستقطاب هو الذي يُحدّد شكل المتناصّ وحجمه في إطار التضمين، فكلما ارتفع المستوى واقترب من القطب كانت بنية المتناصّ أشملَ وأكملَ. أمّا إذا انحدَرْتَ إلى الدّوائر الدّنيا فإنّ بُنية المتناصّ تكون جزئيّة  محدودة وأقربَ إلى الحَرْفية، فأنت تجدُ في حديث العدد أنّ قصّة موسى في قيادة اليهود قد ضُمّنت بالكامل تقريبا، حتى أنك لتلمَسُ إشاراتٍ إلى وقائع تاريخية مُحدّدة مذكورة في العهد القديم (سفر الخروج) وفي تفاسير القرآن مثل تيه بني إسرائيل في الصّحراء ورفضهم الطعام المتوفر وتوقهم إلى طعام غيره.[44] فالدّلالة المستقطبة هي تمرّدُ الجماعة وركونُها إلى التواكل واتصافها بالخسّة والوضاعة. ونمطيّة هذه التيمة اقتضت أنْ تضمّن قصّة بني إسرائيل في أقرب صورة منها من الواقع التّاريخيّ كما ذكِرت في التوراة والقرآن. أمّا إذا انحدرتَ من القطب إلى المدار فـأنت واجد الحادثة الجزئيّة تعبّر عنها البنية النّصّية الجزئيّة القريبة من الحَرْفيّة، كحادثة القتيل وذبح البقرة.

بقلم الأديب والمترجم والباحث: عبد المجيد يوسف/ تونس
من كتابه: تلوينات على جناح طائر ( دراسات تناصيّة )

s

 

[1]  انظر على سبيل المثال :

الأستاذ توفيق بكار: أوجاع الإفاقة على التاريخ العاصف: ضمن طبعة دار الجنوب لحدث أبو هريرة قال ص 15 وما بعدها.

[2]  نقول هذا بتحفظ، صارفين النظر عما يحوم حول شخصية موسى المذكورة في سورة الكهف وفتاه وشخصية الخضر من شكوك. فإن صحّ أن موسى هذا هو نبيّ اليهود فإن فتاه هو يوشع بن نون، ابن أخت موسى وتابعه وخليفته، ولكن قصّة موسى مع الخضر لم ترد في أي سفر من أسفار العهد القديم. وهذا محيّر، وهو ما حدا ب “نوفا البكالي” أن ينكر- حين سمع الآيات – أن يكون موسى هو النبيّ، وتكذيب الصّحابي ابن عباس له لا يُضعف من وجاهة زعمه. أمّا الخضر فقد نشأت حوله أساطير أوردها الإخباريون (مثل وهب بن منبّه ) وهناك تفاصيل أخرى يضيق المجال عن سردها، ويراجع في شانها:

– د. محمد عجينة: موسوعة الأساطير العربية ج 2 ص ص 128- 140

– أبو جعفر محمد بن جرير الطبري : تاريخ الرسل والملوك المعروف بتاريخ الطبري. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعارف. القاهرة ط4 1979.ج1 ص ص 358- 361

– محمد الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير ج 16. تونس 1984 ص ص 358- 361

– الإمام فخر الدين الرازي: التفسير الكبير ج 21، دار الكتب العلمية، طهران ط 2 د.ت ص ص 142- 143

[3] هملت:  أمير دنماركي ذكره المؤرخ الدنماركي ساكسو قراماتيكوس (1150/ 1206) لأول مرة  فأصبح شخصية أسطورية  وقد يكون هملت عاش في القرن الثاني للميلاد، قتل عمّه والده الملك هورفنديل   Horvendil ثم استولى على ملكه وامرأته، أمّا هملت فقد تظاهر بالجنون لينجو من القتل، وكانت قصته موضوعا لمسرحية شكسبير الصادرة سنة 1600 (اقتباسا عن روبير الصغير للأعلام) واستغلها فرويد ليقيم موازنة بين مأساة هملت ومأساة أوديب.

[4] حكم روما من سنة 37 إلى سنة 41 ميلاديا واغتيل وهو في التاسعة والعشرين من عمره.

[5] عبد المنعم حنفي: الموسوعة الفلسفية. دار المعارف بسوسة تونس 1992 ص 287

[6]  أبو حامد محمد بن محمد الغزالي: المنقذ من الضلال والموصل إلى ذي العزة والجلال تحقيق جميل صليبا وكامل عياد. دار الأندلس للطباعة والنشر والتوزيع ط11 بيروت 1983

[7] حدث أبو هريرة طبعة دار الجنوب  تونس ص 171

[8] المنقذ ص 77

[9]  هم الباطنية (الإسماعيلية) كانوا يعتقدون في ضرورة معلم معصوم يعلم الدعاة ويطلقهم في البلاد، فإن اختلفوا أو أشكل عليهم أمر راجعوه.

[10] لمزيد من التفصيل انظر المنقذ: فصل: مداخل السفسطة وجحد العلوم. ص 83

[11]  المنقذ ص 86

[12]  كان ذلك سنة 1095

[13]  المنقذ… فصل: أصناف الطالبين. ص 89.

[14]  ذلك من قول الغزالي:” فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف…” المنقذ ص 87

[15]  في حديث البعث الآخر ما يفيد أن أبا هريرة جعله المؤلف يبلغ مرحلة الكشف الإلهيّ، ومن ذلك قوله: ” هذا ما كنت اطلب” فضلا عما في الأرجوزة من تأكيد على هذا المعنى. حدث أبو هريرة ص 193 وما بعدها.

[16]  تحوم حول قصّة الخضر شكوك عديدة فقد اختلف في اسمه وقيل إن اسمه الحقيقي بليا بن ملكان وأن الخضر لقب له… كما أن كلمة “الخضر” لم ترد في القرآن. واختلف في حقيقة شخصيته فقيل إنه نبي وقيل إنه عالم مطلع على بعض الأسرار الباطنية، وزُعم أنه النبيّ إيليا أو إلياس كما يسميه المسلمون واختلف في زمان وجوده، فإذا كان هو إلياس فإن إلياس وُجد في القرن الرابع قبل الميلاد أمّا موسى (نبيّ اليهود) فعاش في القرن الخامس عشر قبل الميلاد.  وبعض مفسّري التلمود المتأخرين (ق 11 م)  يوردون قصّة وقعت بين يوشع بن لاوي وهو أحد مفسري التلمود من القرن  الرابع وإلياس فيها ذات الوقائع التي وردت في القرآن عن موسى والخضر، مما يرجّح نشوءَ قصّة نموذج تدرّجت من عصر إلى عصر تحاول أن تختزل  فكرة ثابتة هي مكابدة الإنسان الواقعي المحكوم بالمنطق وبالأخلاق في طلب المعرفة ما فوق المنطقية وعجزه عن القبول السهل بمقتضيات المعرفة الإشرافية والأسرار الباطنية  المناقضة لما دأب عليه من واقعية براغماتية.

[17]  من ذلك ما ذكر الطبري من أن موسى قام في بني إسرائيل خطيبا، فقيل أيّ الناس أعلم؟ قال: أنا. فعتب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه وقال: لي عبد عند مجمع البحرين …” تاريخ الطبري ج1 ص 367 وأور الطاهر بن عاشور ذات الخبر في التحرير والتنوير عن صحيح البخاري. التحرير ج 16 ص 361

[18]  نشير إلى أنّ لفظ البحر قد قصد بها النهر أيضا. وفي اللسان: البحر هو الماء الكثير ملحا كان أم عذبا وهو ما يوسّع الحقل الذي طلب فيه موسى ضالته ويصعّد من البعد الدرامي لرحلة الطلب

[19]  إذا كان بحث موسى كان بسيناء وكان مجمع البحرين هو التقاء النيل بالبحر وكذلك صخرة أبي رغال فإن كل هذه العناصر لها ما يطابقها آو يشابهها في رحلة بني إسرائيل من مصر وتيههم في سيناء…انظر الكتاب المقدس ، العهد القديم سفر الخروج،  الإصحاح 16

[20]  “قال لهُ موسى هل اتــَّـبِعُكَ على أن تعلمني مِما عــُلـِّمتَ رُشدا ” (الكهف 66)

[21]  ضمن المسعدي قصّة ما أنزل أبو رغال من البطش بمن نصّبوه حاكما عليهم قصّة موسى بعد عودته من تلقي الوصايا فوجد أن شعب إسرائيل استبطأ عودته فاتخذ العجل إلها وأغرق في المجون: “فهتف بهم هذا ما يعلنه الربّ لبني إسرائيل ليتقلد كل واحد سيفه وجولوا في المخيم ذهابا وإيابا من مدخل إلى مدخل واقتلوا كل داعر سواء أكان أخا أم صاحبا أم قريبا فأطاع اللاويون أمرَ موسى فقتل من الشعب في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل” سفر الخروج الإصحاح 32 الآية 27

 ورد في حديث الحكمة: …فكأن سيبويه مدبّر شانهم.قال أبو هريرة: قلت: ومن هذا؟ قال رجل سيخلق ويبتكر النحو. (ص 209)[22]

[23]  الكهف 77

[24]  الكهف 71 والإمْرُ: العظيم المفظع (ابن عاشور)

[25]  حدث أبو هريرة ص 174

[26]  الكهف 68

[27]  في تعريفات الجرجاني: “المنطق علم آليّ عمليّ  في حين أن الحكمة علم نظري غير آليّ ” انظر التعريفات،  فصل منطق. تحقيق محمد علي أبو العباس دار الطلائع  القاهرة 2009 ص 225 ونشير إلى أن ترتيب المادة في هذا المعجم الفلسفي تتسم ببعض الغرابة فقد رتبت الألفاظ حسب الحرف الثاني من الكلمة فأنت تطلب مادة “منطق”مثلا  في حرف النون .

[28]  حدث أبو هريرة ص 180

[29]  تجربة أبي رغال هي أيضا تجربة وجودية تختزل على نحو ما بعض تجارب أبي هريرة السابقة الواردة في حديث العدد وحديث الجماعة والوحشة.

[30]  ظهرت مسرحية كامو لأول مرة سنة 1945 والشائع أن أكثر أحاديث أبي هريرة وضعها المسعدي قبل هذا التاريخ وأن بعض الأحاديث كتبت لاحقا كتبت لاحقا وأن محمود المسعدي كان بباريس للدراسة في المرحلة العليا إبان ظهور رواية كامو (انظر د. محمود طرشونة : التعريف بمحمود المسعدي / الأعمال الكاملة للمسعدي المجلد الأول  نشر وزارة الثقافة  تونس ص 15) لكن المسألة التاريخية لا تهمنا لأننا لسنا بصدد البحث عن المنابع  بقدر ما تهمنا علاقات التحاور بين النصّين.

[31]  التعرف على المنزلة الحقيقية للإنسان في الكون مقولة مركزية  في نسق الفلسفة الرواقية  وهي أيضا من أهمّ الخلفيات الفكرية لآثار المسعدي عامة. ومن هذه الزاوية الفلسفية تعالقت آثار المسعدي بجميع النّصوص التي عالجت هذه المسألة على نحو من الأنحاء.

[32]  نسخة كاليقولا التي نعتمدها هي الصّادرة عن دار قالليمار بباريس سنة 1958

 [33]  الشواهد المأخوذة من “كاليقولا” بترجمة المؤلف.

1إساف ونائلة

للأخبارين قصص في إساف ونائلة، وهما في زعم بعضهم فتى وفتاة من جرهم باليمن قدما حاجين فأصابا خلوة في الكعبة فتواقعا، فمسخا حجرين، ووضعا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما. فلما طال مكثهما، وعبدت الأصنام، عبدا معها. وتذكر رواية أخرى أن أساف صنم وضعه عمرو بن لحي الخزاعي على الصفا، ونائلة على المروة. وكانا لقريش. وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة. أو هما رجلان من جرهم، أساف بن عمرو ونائلة بنت سهل فجرا في الكعبة، وقيل أحدثا فيها، فمسخا حجرين، فعبدتهما قريش. وورد اسم اساف في بيت شعر ينسب إلى بشر بن أبي خازم الأسدي، هو:

عليه الطير ما يدنون منـه *** مقامات العوارك من اساف

واستعمل المسعدي هذه الأسطورة في رواية السد باسم “إسال ونائلة” وفي حدث أبو هريرة بالسم “إساف ونائلة” وهو الاسم المطابق لما ورد في كتب الأساطير. وترددُ الأسطورة في الكتابين مظهرا من مظاهر التناص الذاتي لدى المؤلف. ففي السد وردت الأسطورة في التمثيل على معنى الرحيل والبرم بالإقامة وكره البيوت الثابتة  حيث يترك إسال نائلة بعد أن بلغا معا الغاية من الجمال واكتمال الحسن…أما في “حدث أبو هريرة” فقد ورد ذكر  “إساف ونائلة” في حديث القيامة في ما تتلفظ به ريحانة وجوقة الصبايا من أناشيد تمجد اللذة وتدعو إلى الجنس في حفلة ليلية يهيمن عليها أجواء الحفلات المتهتكة لديونيزوس الإغريقي أو باخوس الروماني. بيد أنه في حديث الغيبة تطلب فلا تدرك لا نلمس من الأسطورة العربية إلا فحواها وهو اللقاء الصادم بين المقدس والمدنس أو غزو المدنس للمقدس.

 

 2الغيبة مصطلح صوفي عرّفه أبو القاسم القشيري في “الرسالة القشيرية بأنه “: غيبة القلب عن علم ما يجري من أحوال الخلق لاشتغال الحس بما ورد عليه، ثم يغيب إحساسه بنفسه وبغيره بواردٍ من تذكّر ثواب أو تفّكر عقاب” (طبعة بيروت بدون تاريخ ص 69) فالغيبة إذن على دراجتان: غياب الحسّ عن الوعي بالآخر ثم غياب عن الحسّ بالذات.[35]

[36]  في اللسان: ضبعت الناقة: اشتهت الفحل

 مثال ذلك طوافه بالكعبة ووقوفه عند الحجر الأسود يستغربه ويستغمضه…انظر: حديث الوضع   طبعة دار الجنوب تونس ص 100[37]

 حديث الحق والباطل ص119[38]

 مطاع الصفدي: الكونيّ، ذلك المجهول. مجلة الفكر العربي المعاصر. ع 106/107 مركز الإنماء القومي. بيروت 1998. ص 6[39]

 انظر تحليل مطاع الصفدي لدور النطروبولوجيا في هذا المجال. المرجع السابق ص 7[40]

  [41]  مطاع الصفدي: الكوني، ذلك المجهول ص 5/ وانظر أيضا

http://www.gerardgranel.com/txt_pdf/3-Cours_Descartes.pdf

[42]  ابن الكلبي (أبو المنذر هشام بن السائب الشهير بابن الكلبي) ( القرن الثالث للهجرة) كتاب الأصنام. تحقيق أحمد زكي. الدار القومية للطباعة والنشر. القاهرة 1965 ص 20

[43]  من ذلك الإشارة إلى شخصية مريم العذراء في حديث أبي هريرة لظلمة: “هل بلغت من الصلاح ما تحملين معه فـتلدين ولا فحل؟” حديث الغيبة ص 179

[44]  يمكن مقارنة ما جاء في عديد المصادر  التفسيرية والإخبارية  بما رواه وهب بن منبه : قال بنو إسرائيل لموسى: أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن والسلوى  فقالوا هذا الطعام فأين الشراب؟ فضرب موسى بعصاه الصخرة فانفجرت اثنتا عشرة عينا فقالوا هذا الشراب فأين الظل؟

يمكن مقارنة كل هذا بقول الجماعة لأبي هريرة: يا أبا هريرة جعنا…

انظر وهب بن منبه كتب التيجان في ملوك حِميَر  نشر مركز الدراسات والأبحاث اليمنية صنعاء بصنعة د. عبد العزيز المقالح 1347 هجريا وتتوفر منه نسخة رقمية بطريقة  ب د ف على:

http://vb.alsheher.com/archive/index.php/t-4195.html وانظر أيضا التفاسير مثل تفسير ابن كثير الدمشقي(توفي 774هـ) دار المعرفة بيروت ج1 ص 100 . وانظر أيضا سورة البقرة الآية 61

عن وهيبة قوية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: