أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / صيغ الخطاب الأدبي – بقلم الروائي محمد فتحي المقداد
صيغ الخطاب الأدبي – بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

صيغ الخطاب الأدبي – بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

لصحيفة آفاق حرة:

_______________

 

 

صيَغُ الخطابِ الأدبيِّ

في كتابات الأديب  توفيق جاد

 

 

بقلم الروائي – محمد فتحي المقداد

 

لكلّ كاتبٍ اِنْتهاجُ أسلوبٍ كتابيٍّ مُناسب خاصٍّ به؛ ناضحٍ بدواخله المليئة بكنوزٍ تراكميَّةٍ زاخرة بمعارفه وخبراته المُكتسبة على مدار سنواتٍ طويلة، وتلعب الذّاكرة دورها الإيجابيِّ في استحضار  ما يريده الكاتب في الوقت الذي يريد؛ لصناعة نسَقٍ يتّسم بسماتٍ تحمل في طيّاتها روحه.

ومن خلال مُتابعتي لكتابات الأديب “توفيق جاد” في القصّة والرواية والخواطر. فقد بُنيَت على سرديَّةٍ قائمةٍ على التفكير الهادئ، والهادف إلى تأسيس خطاب عامٍّ وخاصٍّ على محمل من أنساق اللّغة، بمعالم سهلة واضحة، ومميِّزاتٍ فنيَّة بأبعاد جماليَّة.

حاولتُ تتبّع نماذجَ لخطاب النَصِّ الأدبيّ عند “توفيق جاد“؛ لتبيان ذلك وإيضاحِه بشكلٍ جليٍّ. ولا أظن أنّ الوقت يُتيح لي أخذ نماذج مُختلفة من كتاباته القصصيَّة والروائيَّة والخواطر؛ لتسليط الضوء عليها. وتجلِيَتِها. بل أكتفي بأخذ النماذج من أعماله الروائيّة الثلاث: “الغداء الأخير“. و”بنش مارك“. و”فلبْس“.

 

 

 *أولًا: سنحطّ الرِّحال في رحاب رواية (الغداء الأخير)

 

1– خطاب الخوف والرعب من الحرب وويلاتها، جاء ذلك في أوّل فقرة من رواية الغداء الأخير.

يقول:”أصابني الذهول من ذلك المنظر المرعب، وأنا أقف على تلك الصخور في حارتي الجبلية.. اشتعال النيران والتهامها للحديد والصخور، زاد من لهيب حزيران الحارق.. نار تشتعل وقلب ينفطر.. منظر لم أعهده من قبل، بدأت الحرب تستعر في قلوبنا قبل استعارها في ميدان المعركة، لتطفئ كل شمعة أمل كنا نعيش عليها أو نحلم بها“. ص7.

وتبدو مفردات الخطاب (الذهول، المرعب، اشتعال النيران، حزيران الحارق، بدأت الحرب تستعر، ميدان المعركة، تطفئ كل شمعة أمل). صريحة القول في رسالتها للمتلقي.

 

2– الخطاب العاطفي: “يوم.. وبينما صالح يتناول طعام إفطاره، رفع بصره قليلاً رأى على الطاولة المقابلة له، فتاة تسترق النظر إليه على استحياء، لفت نظره جمال ورقة هذه الفتاة بابتسامتها الخجولة المرتسمة على محياها.. أطرق حياء.. لكنه ما لبث أن عاود النظر إليها.. لم يستطع تجاهل هذا الوجه الملائكي وتلك الابتسامة الرقيقة.. شدّته إليها.. أرسل لها ابتسامة لطيفة.. بادلته الابتسامة.. وغضت من بصرها.. تابعت تناول طعام إفطارها ببطء شديد ورقة ظاهرة، وكأنها ترسم لوحة فنية لفتاة فاتنة، ليتمتع ويسعد بمراقبتها“. ص24 الغداء الأخير.

وبملاحظة بسيطة لدلالات العاطفة في هذه الفقرة:”فتاة تسترق النظر، ابتسامتها الخجولة، عاود النظر إليها، الوجه الملائكي، فتاة فاتنة”. وجاء الخطاب العاطفي بعد فترة من الهدوء والاستقرار بعد الحرب.

 

3خطاب الحنين إلى الديار، على إثر  التهجير القسريّ على محمل الذكريات:”سرح والدها بفكره، عائداً إلى سنوات خلت.. عاد بذاكرته إلى فلسطين.. طوى فكره سنوات من عمره بثوان معدودة . استذكر يوم كان يعمل مقاولاً، وكيف أن حياته كانت سعيدة هانئة.. لم يكن يضنّ على أسرته الصغيرة بشيء.. جاء الاحتلال، تدهورت حالته المادية، فقد انقطع عن العمل، هو من الناس الذين هجروا إلى عمان” ص٦١/الغداء الأخير.

ملامح هذا الخطاب (فلسطين، كان يعمل مقاولا، جاء الاحتلال، تدهورت حالته المادية، انقطع العمل، هجروا إلى عمان). مفردات تعني بإيحاءاتها الكثير والكثير بالنسبة للقضية الفلسطينية، ومخرجات الاحتلال باغتصاب الأراضي وتدمير البيوت والتهجير القسري.

 

4– خطاب قضايا الشباب والانحراف: “أما عواد فقد تعرف إلى بعض الشباب الذين لا عمل لديهم إلا تجارة المخدرات والسرقة والإجرام.. يجلب الكثير من المال مدعياً بأنه يعمل مع رجل ثري، هذا الرجل الثري يشفق عليه ويمده بالمال الوفير – كما كان يدعي“. ص١٢٦/الغداء الأخير.

بتتبع مفردات هذا الخطاب: “شباب لا عمل لديهم، تجارة المخدرات، السرقة، الإجرام، يدعي”. بوضوح تام فقد أشّرت الكلمات على طبيعة الخطاب.

 

5– الخطاب الإنساني:

بعد صدور حكم المحكمة، والذي أثبت نسب فالح الصغير، واعتراف جده به وبنسبه.. اتصلت ياسمين بعبدالله، وأعلمته بما جرى؛ فما كان منه إلا أن طلب منها عنوان عمها لزيارته والمباركة.. اتصلت بصديقتها سجى.. أخبرتها بقرار المحكمة.. أخبرتها بأن الدنيا لا تسعها من شدة فرحها.. بدأت تبث شجونها. – فقالت: اليوم.. أشعر بأنني وولدي بعثنا من جديد.. أصبحنا أحراراً.. أرى نفسي كطائر الحب الذي تلون بزاهي الألوان.. فتح له باب القفص الذي شجن فيه“. ص164/الغداء الأخير.

هنا نتوقف أمام قضية كبيرة طريقتها الرواية، منها زواج المحارم. والزواج العُرفي أي بدون تثبيت واقعة الزواج في المحكمة، بعد موت زوجها تبين أنّ الزوجة حامل؛ لتتحمل أعباء التُّهم والطعن بشرفها، وفي هذا الخطاب تكتمل فرحتها مع ابنها بإثبات نسبه إلى أبيه المُتوفّى قبل أن يراه. والمفردات الدالة على الخطاب الإنساني: “صدور حكم المحكمة، أثبت نسب فالح، بعثنا من جديد، أصبحنا أحرارًا”.

 

٠٠*٠٠

 

 

 

 

 

 

ثانيًا: سنكون في رحاب رواية (بنش مارك):

 

1– خطاب خصوصية الأم:

أمسكت بيد أمي.. اتجهنا إلى غرفتي.. بدأت أُهوّن عليها، علّها تهدأ بالًا.. آلمني وضعها.. احترت ماذا سأفعل.. قبلت منها الرأس واليدين.. ضمتني إلى صدرها الحنون.. كدت أغفو على صدرها لولا أن فكرة داهمت عقلي.. رفعت رأسي وابتسامة تطمئن أمي أرسمها على شفتي“. ص5/بنش مارك

مفردات هذا الخطاب المشيرة لمنحى الخطاب:”يد أمي، قبلت منها الرأي واليدين، صمتني إلى صدرها الحنون، أغفو على صدرها”.

 

2- الخطاب التراثي، واستحضار الناقة وعنترة:

أتخيلني أمسك بخطام ناقة حمراء كالتي أمهرها عنترة بن شداد لابنة عمه عبلة.. مزينة ومجللة بكل جميل وزاهٍ.. شددت بالخطام إلى الأسفل.. ناخت الناقة معلنة امتثالها لتنفيذ أوامري.. اعتليت أعلى سنامها كفارس مقدام.. سحبت الخطام إلى الأعلى هذه المرة.. نهضت واقفة وكأنها جبل شاهق.. يطاول السحب علواً وارتفاعاً“. ص23/بنش مارك.

دلالات الخطاب بالمفردات: “خطام ناقة، عنترة، عبلة، ناخت، سنام، فارس”.

 

3– خطاب تاريخ العلوم، وتسليط الضوء على علم المساحة:

المساحة علم بدأت أستمتع وأنا أتعرف عليه وعلى تاريخه.. وكما قرأت بأن أقدم من كتب عنه هو المؤرخ الإغريقي اليوناني (هيروديت) الذي عاش في القرن الخامس قبل الميلاد.. رحالة أجار الكتابة والوصف الدقيق للأماكن التي زارها..” ص48/بنش مارك.

وفي في هذه الفقرة وما بعدها أورد “توفيق جاد” نبذة تاريخية سلطت الضوء عن علم المساحة، وهو تخصصه الذي عمل به في حياته العملية والوظيفية إلى مرحلة التقاعد.

 

4- خطاب الأماكن في عمّان:

جلسنا نتناول حلوياتنا.. نرقب الساحة الهاشمية من الجهة الجنوبية للجبل.. كما أننا استمتعنا برؤية الناس والسيارات، جبل التاج، جبل الجوفة، مكتبة أمانة العاصمة.. تراكم البيوت الذي بدا عشوائياً رغم أنه منظم ومرتب.. لوحة أبدعها خالقها“. ص128/بنش مارك.

الرواية حافلة بوصفيّة دقيقة كدليل يشرح لزائر المدينة أو السائح. وفي هذه الفقرة تدليل على الموضوع:”الساحة الهاشمية، جبل التاج، جبل الجوفة، مكتبة أمانة عمّان”.

 

5– خطاب الصحة والمرض والموت:

ألم شديد ومفاجئ أصاب أمي في بطنها بعد أن أدت صلاة المغرب.. نقلناها بسرعة إلى أحد المستشفيات.. بعد إجراء بعض الفحوصات، أقر الطبيب إجراء عملية عاجلة لها.. ما تُسمى (الزايدة) أصابها التهاب شديد.. وقّع والدي على الموافقة لإجراء العملية.. وقفنا ننتظر انتهاء العملية، والقلق يساورنا جميعاً.. نلهج إلى الله بأن تخرج والدتي بسلام وأمان.. ساعة من الزمن مضت وكأنها شهور.. ننظر إلى باب غرفة العمليات.. نندفع نحو أي خارج منه.. نسأله عن أمي.. لا نستقبل أي إجابة.. بعد أن كدنا أن ننهار“. ص177/بنش مارك.

“ألم شديد، البطن، المستشفيات، الفحوصات، الطبيب، عملية جراحية، الزائدة”.

 

ختامًا:

من خلال النماذج المختارة لمناقشة موضوع “صيغ الخطاب الأدبي” عند “توفيق جاد” . يتبيّن للقارئ غِنى المادّة الروائيّة بتعدّد مُستويات الخطاب، المُفضية إلى فضاءات معرفيّة كثيرة لدى الكاتب، وثقافة متشعبة أراد توثيقها وترتيبها في سرديّته الروائية، التي تستوعب مثل هذه التوجّهات وغيرها، لتكوين قاعدة معرفيّة تُغذي ذهنية القارئ، ويستفيد منها طلاب الدراسات الأنثربولوجية. وتعتبر شاهدًا أمينًا على مرحلة زمنية أصبحت من الماضي.

كما أن صيغ الخطاب جاءت في مساقات اجتماعيّة إصلاحيّة، مؤشّرة لمواطن الخلل، تتراوح بين عوالم الواقع والخيال، مليئة بالآمال والأحلام برؤية العين الناقدة للماضي والحاضر، ناظرة إلى مستقبل مشرق.

كما أنّ صيغ الخطاب كانت وجهًا لوجه بشكل مباشر فيما أرادت من رسائلها. ورواية “فلبس” بموضوعها الفريد عن مهنة الحلاقين ووصفها لدقائق المهنة، لم تبتعد كثيرًا بصيغ خطاباتها المتعددة الأشكال والألوان عند “توفيق جاد”، وتكون إضافة أخرى في رصيده الأدبي.

 

عمان- الأردن

5/ 6/ 202‪1

عن محمد المقداد

كاتب وروائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: