ظل الحكاية : في «شيء من ظلها» لحسن إغلان

كتب :الكاتب : عبد الإلاه الرابح

الرائع دوما في التجربة الكتابية الإبداعية، غير التقريرية٬ هو تلك المسافة التي تحصل بين التجربة الكتابية والتجربة المعيشية والتي غالبا ما يصونها الكاتب الحق ويحافظ عليها، إذ أن أعسرالكتابات وأكثرها تشويشا وعرضة للمطاعن هي تلك التي٬ بدعوى الواقعية،لا تعمل إلا على نسخ الواقع ونقله بتقريرية مباشرة تعتقد الإحاطة بالمعيشي، وتزعم تركيب مجمل تفاصيله. من هنا يكون مجال المسافة بين التجربتين٬ الكتابية والمعيشية٬ مترع المتخيل الذي يسمح بالتنقل الحر من واقعة الى أخرى٬ من حالة إلى حالة من فضاء إلى آخر٬ ومن زمن الى زمن٬ في تركيب يتساوق والرؤية الذاتية للمبدع التي تستنطق فيها الكتابة حال الجماعة٬ فيلتبس الذاتي بالموضوعي ويصبح الكاتب وسيط العوالم الخرساء.
إنها المسافة الرائعة التي أرخت بظلالها على «محكيات شيء من ظلها»: في الصفحة 25 من المحكيات يقول السارد بجملة فريدة وأمينة:» من أي زاوية أبدأ؟ « هو سؤال الحيرة في واقع متشابك وهي الجملة التي اختزلت – في تقديري – التجربة العامة لنص محكيات حتى إن هي ترجمت إلى لغتنا العامية المعيشية أعطت بتلقائية كلّ شحنتها المتعبة والمرهقة وكل نبرتها المحمّلة بثقل الأوزار والإحساس بالتواجد في داخل الحياة / المتاهة٬ بحميمية مصحوبة بتنهيدة مقتلعة من الأعماق. فحين الإنصات بعمق لهذه الجملة المنفلتة، يحصل استنتاج أمرين:
ـ الأول يرسم أفق انتظار: التجربة مريرة ومتعبة وشائكة والسارد في المحكيات سينظر إلى الخلف بغضب وهو يسترجع واقعا أينما ولّيت فيه وجهك فثمة الألم٬ يسترجعه فتنبسط المسافة بين لحظات متعددة: لحظة المعيش٬ لحظة الكتابة لحظة القراءة ولحظات التأويل المتعددة.
ـ الثاني يرسم كيفية كتابة الماضي بعيني الحاضر فتحضر المسافة الطبيعية بين الأمس واليوم.
هي المسافة التي تجلّت أكثر ما تجلّت في هيمنة ضمير المتكلم٬ فكانت لها تجليات على طول النص نجملها في مظهرين:
ـ المزج بين السارد والشخصية الرئيسية. ف» أنا « المتكلم هي التي تحكمت في لعبة الحكي٬ وإليها وحدها يعود تحديد مسارها حيث لا تلعب الشخصيات الأخرى إلا دور صياغة السؤال الملائم لجواب ذاك الذي عاش محنة المعيشي٬ حصيلة تجربة مريرة تتحيّن فرصة البوح. إنه ما جعل من نص «المحكيات» نصا تخيليا ذاتيا.
ـ المزج بين « أنا « المحكيات» ولعبة الأنا الشعرية ( le je / jeu poétique ) مما فتح المحكيات على الاستيهامات والهذيانات والأحلام والهواجس والكوابيس والمونولوغ، والتي بلغت ذروتها في لغة شاعرية لعبت فيها « الأنثى «٬ بكل حمولتها العاطفية دور شرعنتها داخل محكيات تتحدث عن القمع والعسكر والرصاص وقوات التدخل السريع وجلسات الاستنطاق والتعذيب٬ والذعر والخوف والترهيب والمحاكمات الصورية حيث العقاب يبحث عن جريمته .
عبر هذين المظهرين ينمو ظل الحكاية في المحكيات ٬ وتتماهى « أنا « المتكلم بالأنثى/العزاء والملاذ لينقسم النص عموديا الى معسكرين:
ـ معسكر العنف المدجج بكل أشكال وألوان التعذيب المطرز بفنون سادية مرضية يتقنها ضباط شداد غلاظ.
ـ معسكر الحب المدجج بلغة الجسد الناعم والشعارات الجميلة في جمع بديع بين الرغبة والحرية امتدادا للحلم بالثورة حيث الغضب والفورة الطلابية٬ وأناشيد الرفاق وأغاني مرسيل خليفة والشيخ إمام ….بدافع الرغبة في القتل الرمزي للأب.
بين المعسكرين يحصل الاهتزاز٬ فتزداد المسافة ويكبر حجم الظل وتبتعد الحكاية، تتضبب الأشياء فتبدو الحكاية ووقائعا المسرودة ليست إلا « شيئا من ظلها « حيث تنتحر الأحلام كما انتحر» إبراهيم « الخارج لتوه من المعتقل.
هو نفس الاهتزاز الذي يكسّر اللغة٬ فتكثر نقط الحذف والبياضات، وتتسع الشذرات بأسلوب مرقق الى حد الشاعرية الرمزية المحمّلة بأبعاد صوفية يحدث رجّة لدى القارئ وهو يحاول عبثا القبض على الحكاية الأصل٬ فيضطر كل مرّة الى تركيب الحكاية من جديد٬ ولن يفلح لأنها ليست حكاية٬ فالمحكيات هي ظل الحكاية ٬ حكاية تكسّرت على صخرة الواقع٬ أشبه بالحكاية٬ تهشّمت على أسطورة النضال وأكذوبة الثورة ( ص 49 ) ٬ ولم يبق منها إلا شظايا حكاية .
محكيات منفلتة، زئبقية، خارج التصنيف الأجناسي كما هي خارجة عن التصنيف هوية ساردها ٬ ذاك المتمرد على سلطة الأب بحثا عن هوية بقيم مخالفة ٬ بطل آخى بين الجنس والخمر والشعر و»شيء من ظل « الحلم٬ فبدا بطلا تراجيديا يطلب من فلسفة «كيرجارد» إمكانا لينجو من الكارثة٬ من الجنون التي بدأت تظهر إرهاصاته(ص 59)حين يقول:» خرجت من نشيدها وأنا أهتدي لهذه الحماقة التي حطّتني في المجهول»، ليتوحّد بصورة الأم المقهورة تاريخيا.
لذا كان لمبدأ المسافة السردي دوره في تحديد الرؤية للحكاية شكلا ومضمونا، وهي نفس المسافة التي ينهي بها السارد في «شيء من ظلها « محكياته حين يقول في الصفحة 108:» لا أعرف أي اتجاه يقودني ظلك « ٬ وبذا أيضا حكى حسن إغلان ٬ نيابة عنّا ٬ محكيات جيل كان يحلم بالرجال فإذا به أمام الأشباح على حد تعبير عبد الله العروي في أوراقه٬ ولذا إنما حكى المبدع شبح الحكاية.

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: