أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / لعبة الحوّاس قراءة في رواية “كأنه الموت” للروائي “نايل العدوان”   بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد  
لعبة الحوّاس  قراءة في رواية “كأنه الموت” للروائي “نايل العدوان”     بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد   

لعبة الحوّاس قراءة في رواية “كأنه الموت” للروائي “نايل العدوان”   بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد  

لصحيفة آفاق حرة

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

لعبة الحوّاس

قراءة في رواية “كأنه الموت” للروائي “نايل العدوان”

 

 

بقلم الروائي- محمد فتحي المقداد

 

المقدمة:

الزمن الروائي الذي استغرق رواية “كأنّه الموت” هو خمسة عشرة دقيقة، وهو لحظة الاحتضار، والخمسة عشرة دقيقة توزّعت على خمسة عشر فصلًا، ابتدأت بالفصل الأول بعنوان “الدقيقة الخامسة عشرة” لتنتهي الرواية بفصلها الأخير “الدقيقة صفر“.

وكأنّنا أمام المعادلة الصفريّة للحياة على امتداداتها مهما طالت أو قصُرَت سنواتها؛ وعند “الدّقيقة صفر” تنتفي قيمة ما بينهما؛ فتتساوى “الدقيقة الخامسة عشرة” مع “الدقيقة صفر” في كامل قِيَمِها حِسابيًّا، وكأنّ شيئًا لم يكُن، كمن دخل من باب، وخرج من الآخر المُقابل له.

و(المجموع الصُّفريُّ: مجموعٌ ثابتٌ، حيث أنَّ مجموع الفوائد والخسائر لجميع اللّاعبين، هي نفس القيمة من المال، وفي النظريّة الاقتصاديّة، يوصف المجموع الصُّفريِّ: بأنّه الحالة التي يكون فيها ربح أو خسارة مشارك ما، مُساويًا بالضبط إلى مجموع الخسائر أو المكاسب للمشاركين الآخرين) مصدر  ويكبيديا.

قبل اجتياز الفصل الأوّل “الدقيقة الخامسة عشرة” تصوّرتُ حالة البطل في غرفة العناية الحثيثة. المُسجّى في حالة موتٍ سريريٍّ، لكنّه حواسّه تشتغل بشكل فعّال، وكأنّ بريق الآية الكريمة: [إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء:36، يُنير أوّل فصل، ليتواصل بنشر نوره حتّى آخر صفحة في الرّواية.

كان من اللّافت دور الحوّاس فعّالًا بقوّة في مُجريات الحدث الروائيّ، بتقنيّة ماهرة أجاد قيادتها الروائي “نايل العدوان“، وكأنّها تتمَاهَى بِقَصَر المساحة الزمنيّة للرواية مع رواية “إحدى عشرة دقيقة” للروائي البُرتغالي “باولو كويللو“، وهي من الروايات القصيرة، ولتزيد رواية “كأنّه الموت” بفارقٍ زمنيٍّ مدّته أربع دقائق؛ لتصبح مساحة الحدث الروائيِّ عند “نايل العدوان“، ضِعْف مساحة الأولى، بالطبع لا ننسى ملاحظةً: أنّ مَوْضُوعيْ الرِّوايتيْن مُختلفان تمامًا، لكنّهما اشتركتا بمسمّى الدّقائق المعدودة.

فضاءات الرواية القائمة على فكرة الموت، الفكرة المحوريّة التي دارت وحامت حولها جميع الأحداث، تتعادل في موضوعها مع رواية “الموت عمل شاقّ” للروائي السُّوريّ “خالد خليفة“، مثلما هي الحياةُ عملٌ شاقٌّ.

العنوان:

منذ قراءة أول كلمة “كأنّه” في عنوان الرواية، كأنّها عَصَا طبلٍ تقرعه بقوّة لاستنفار الأحاسيس لشيء مُهمٍّ، وتأخذه إلى دائرة الترقُّب الحَذِر، وقبل التقاط أنفاسه للاستعداد لما بعد ذلك، ليصطدم من فوره بكلمة “الموت“، الإشكاليّة العُظمى في حياة البشر.

غلاف رواية “كأنه الموت”

 

كأنّه الموت” يُحيلنا امتداد العنوان في أنساغ الرّواية ومساربها؛ ليضعَنا أمام حالة الغيبوبة، التي أصابت “عادل” بطل الرواية، وعلى ضوء التصوّرات الناتجة؛ فإنّ سرديَّة “كأنّه الموت” بالفعل ما حدث فيها؛ شبيه الموت تمامًا.

أمّا كلمة “كأنّه” هي أيضًا حرف مُشبّهٌ بالفعل من حيث تصنيفها الإعْرابيِّ؛ فلم ترتَقِ لأن تكون فِعلًا حادثًّا، بل اِرْتَضت لنفسها أن تبقى وصيفة وشبيهة الفعل، وتسير في ركابه، وعلى هامشه. قدرُها النحويّ جعلها هكذا باقية إلى أن يرِثَ الله الأرض ومن عليها.

 

أشكالية الموت والحياة:

الموت حقيقة لم يحسن التعبير عنها، خفية إلا على الميت نفسه، تنفتح كوة في السماء، ثقب أبيض يُشعُّ ضوءً باهرًا، يخلق كَوْنًا من الكواكب الملوَّنة، تسبح في أفلاك راقصة، عندها تغدو كلُّ الأشياء فوق الأرض مُتشابهة، تسكن الأنفاس، وينكشف الغطاء عن بصري ليصير حديدًا، تتفجر بعدها الذاكرة كبركان هائج، ثم تكتنز العيون بسحر وتُشرق عدة شموس في آن واحد” كأنه الموت/ص12.

بالفعل الموت حقيقة كما الحياة بأكملها، وهو ولادة تشبه ولادة مولود جديد، يستقبلونه بالبهجة والسرور، وهو يبكي على فراق ما ألف من دفء واحتضان، مشاعرنا عندما تحسّ بالفقد عند مغادرة أحدنا، ويتوافق هذا المعنى مع ما ورد في حزن النبي صلى الله عليه وسلم على موت ابنه إبراهيم: “وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون“.

و”عندما تسكن الأنفاس وينكشف الغطاء عن بصري ليصير حديداكأنه الموت/ص12. تنَاصٌّ مُتطابقٌ تمامًا مع الآية الكريمة: (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) سورة ق/آية22.

والموت هو المُعادل بتوازيه مع الحياة، وبه يكتمل كمال العدل الإلهيِّ، بموت الجميع عندما تحينُ آجالهم؛ فلا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون. فلسفة الموت أنّه لا يتركُ أحدًا، والشّعوب والأمم جميعها تحتفي بالموت بطقوس خاصّة بها، منها المألوف والغريب غير المألوف.

رغم التناقض فيما بين الحياة والموت، لكنّ الموت هو حياة أخرى، وهو ليس نهاية، إنّما هو بداية. كما بداية ميلاد الإنسان في هذه الدّنيا.

 

دور الحواس في الرواية:

 

*حاسّة السّمع:

في حالة الغيبوبة الموصوفة طبيًّا بالموت السّريريِّ؛ بتوقّفٍ كاملٍ لكافّة وظائف الجسم الحيويَّة، مع بقاء الجملة العصبيّة المُنبّهة للحواس شغّالة، ولا تتعطّل معظمها، وتتجمّد إلّا بعد ساعات من توقّف القلب عن العمل، وصمت الأنفاس.

فقد ورد في بداية الرواية: “أصواتٌ عديدةٌ تمخر عباب رأسي، صوت أمّي أقربهم لذاكرتي، صوت يقلب موازين عقلي وهي توقظني صباحًا: عادل! قُمْ لقد تأخَّرتَ عن الصَّلاة، يختلط صوتها بصوت الأذان، يلثَغُ المُؤذِّن بحرف الرَّاء؛ فتصبح غَيْنًا، المُؤذِّن الذي يحبُّ البُكاء عند صلاة الفجر يجتهد بتجويد القرآن، يعلو صوته في أوَّل الأذان، لكنه يخفضه في النهاية” كأنه الموت\ص12. حاسّة السّمع تقتنص من عوالم الذكريات، مُنتخبة منها الأحبّ والأقرب للقلب، صوت الأمّ بنَبراتِه التي لا تُنسى، حتّى في حالة الإشراف على الموت. والصوت لزوم حاسّة السّمع، هي المُختصّة بتفسيره بحركاته وسكناته، وارتفاعه وانخفاضه، وتحليل نبرته الجادّة أم الهازلة، وفهم المآل منه، وتحديد نوعه أهو صوت إنسان أم حيوان أم الطبيعة.

ثمّة أيضًا صوت زمجرةٍ مخيفةٍ لحيوانٍ لا تظهر ملامحه. رعدٌ يهزُّ أوصالي؛ فأستفرغ، لكنّني لا أستيقظُ من رقدتي. هدوءٌ غريب يصيبني بعد ذلك، تقفز الذكريات في رأسي كحشرات صيفيَّةٍ، تتمايز لتكون الأحداث بتراتبيَّةٍ عجيبةٍ، كيف قدر لي أن أفرزها كُلًّا على حِدَة؟“. كأنّه الموت\ص12.  ثمّ تتطوّر حالة السّمع: ثمّ “تغنج الممرضة ثم تحك ردفها بساق الطبيب، الذي تبدو عليه الإثارة واضحةكأنّه الموت\ص15.

*حاسّة الشمّ:

زفير الممرِّضة فوق رأسي يُشعرني بوهن وقلَّة حيلة، تختلطُ رائحةُ عطرها بروائح المحاليل الطبيَّة التي اِتِّصلت بأوردة يدي، كم أوَدُّ أنْ أقولَ لها إنَّه عطرٌ يكتم الأنفاس، ويدعو للتقيُّؤ“. كأنّه الموت\ص13.

في هذا الفقرة من الرواية، تبدو الرّوائح ومُستقبلاتها. تتبدّى حاسّة الشمّ باستقبال الرّسائل من المحيط القريب، فضاء غرفة العناية المُركّزة. ثم بعد ذلك رائحة الأدوات الجراحيّة: “أتلف المرض جزءا كبيرا من تلافيف دماغي، رائحة مشارط الأطباء لا تُفارق أنفيكأنّه الموت\ص18

حاسّة البصر:

*”هل تُدرك الممرضة أنّي أراها جيِّدًا؟“. كأنّه الموت\ص14

*”ينتشر الضوء في الغرفة عند الصباح، يتسايل بإغراء فوق الجدران فيشعرني بالنعاس، لكنني لا أنام، عيوني تحجرت في انقباض واحد، أتسلى بانسكاب الضوء فيها، الضوء هو الشيء الوحيد الذي يبقيني سعيدا هذه الأيام، تتكدس في حدبته عدة ألوان، أختار منها الأجمل، الأخضر دائمًا يطغى على باقي الألوان التي استطيع مزجها ورؤيتها على حقيقتها“. كأنّه الموت\ص14.

*” تقول الممرضة، ثم تُعدل قناع الأوكسجين من فوق أنفي دون أن تنظر إلى عيني المسلطتين نحو الفراغكأنّه الموت\ص15.

*”حكيم، ما حدث بيننا كان خطأ جسيمًا، كيف سمحت بهذا أن يحدث؟. – ما الذي تتفوهين به؟ ألم تستمتعي بذلك؟ إنها لحظات جميلة يجب أن نسرقها، انظري إليه. ويؤشر الطبيب بأصبعه باتجاهي ثم يردف: حال الجميع في نهاية المطاف، الحياة أقصر من أن نلوم أنفسنا على تعقيدها، فلنعش ونسرق كل متعة، فنحن لا نعلم ما هذا هو القادم.  كأنّه الموت\ص17.

تقنية دراكولا والزومبي في الرواية:

هذا التكنيك الذي ذهبت إليه رواية “كأنّه الموت“، كما في كلّ واقع إنسانيّ لتعكس طبيعة العلاقات العاديّة ببساطتها، والمُعقّدة عندما يتغلّب الطمع والجشع والأنانيّة. فقد أحسن الروائي “نائل العدوان” في نسج حياة الأسرة الأولى والأخويْن “أبو عادل” الرّاضي بقسمته ولم ينازع أخيه “رشيد” على تركة وإرثٍ. طمع رشيد جعله يستحوذ على كلّ شيء. لتنعكس العلاقات الإنسانية وتغيير مجراها عن طبيعته، فموت أخيه وزوجته، وتشريد البنت التي تزوّجت في بلد بعيدة. عندما تحول “رشيد” إلى زومبي، ممّا دفع عادل الفنّان إلى حرامي مُحترف والانتماء إلى عصابة، ثمّ تكلّل انحرافه ليكون قاتلًا، ويدخل السّجن بتهمة قتل عمّه، تعطُّش دراكولي للانتقام، فلا ثقافته ولا عمله كعازف موسيقا، استطاعا أن يُخلّصاه من نقمته المكبوتة ودوافعه لقتل عمّه.

بينما الثّقافة تغيير حقيقيّ للحياة، وتجنح بصاحبها إلى التسامي والتسامح، وتتناقضُ كُليًّا مع اقتراف جريمة القتل عن سابق الإصرار والترصُّد، والسّرقة الموصوفة، والتي اِتَّخذَ منها مهنة، بينما بقي يتخفّى خلف ستار عزفه على العود.

وبثّ المشاعر الإيجابيّة فيمن يستمع لعزفه. مفارقة بين فكر لم يستطع تخليص صاحبه من سُلوك شائن، مُفترق عكس الاتّجاهات الفكريّة والثقافيّة.

(نعود لتكنيك الزومبي ودراكولا، هذا التكنيك رغم أنه ارتكز على بداية مبعثها  المجتمع، إلا أنّه استخدم كأداة غيَّرت شكل الرمزيّة فلم تعد الرمزية لفظية بل تحولت إلى صورة حية مجسدة، ومثيرة للمشاعر المتناقضة، وقد تكون منفرة أو مخيفة، وتجسيد الصورة المنفرة للغرائز البشعة، وكشف الزيف والكذب في العلاقات، وتعرية الإنسان من كافة أقنعة الخداع) منقول.

ختامًا:

بشكل حقيقي فإنّ الزّمن الروائيّ الحقيقيّ تجلّى في الدقيقة الخامسة عشرة، وفي الدقيقة الصّفر، وما بينهما من الزمن الدّقائق الذي تشعّبت فيه أحداث الرِّواية، جاءت تتهادى على محمل الذكريات المُنبثقة، بعد مدّ الخيوط بجميع الاتّجاهات؛ لتفكيك العُقدة التي ابتدأت بها الرّواية، وتتوزَّع على كامل مساحة الرِّواية، التي تعود في خاتمتها إلى الدَّقيقة الصُّفْر؛ لتنطبق على الدقيقة الخامسة عشر.. في افتتاحيَّة الرِّواية.

بعد منتصف الرواية تَسارَع الحدث الروائيّ، ليكونَ مُتعجِّلًا، خاصّة وأنّ القاتل “عادل” حُكم بالمؤبّد مدى الحياة، ولم تنل هذه الفترة بمساحتها الكبيرة من عمره، إلّا على بضع صفحات قليلة.

ومن حنكة الكاتب رغم كلّ الوصف للموت وحالاته، إلّا أنّ البطل عادل قام من قبره، وعاد للحياة، على طريقة “الفلاش باك”، وكأنّه أراد أن يقول للقارئ، أنّ البطل لو مات لما كانت الرّواية، وبعودته للحياة استطاع استرجاع ما حصل له بطريقة فريدة.

السرد ممتعُ بجاذبيّته، على محمل ذائقة أدبية تجلّت فيها موهبة الروائيِّ “نائل العدوان”، بتسلسل هادئ، وبوضوح تامّ، وكأنّه أراد أن يشير للفساد الإداريّ بأنّه موت حتميّ للطاقات والمواهب الوطنيّة، وليس كأنّه الموت، كما حاول العنوان الإيهام. بالطبع لم تكن القراءة إلّا لجانب صغير من رواية “كأنّه الموت”. ولو تتبَّعنا خطاباتها، وفضاءاتها، ومآلات تفسير فلسفتها، لمَا اتَّسع لنا المقام في مثل هذه العُجالة المُتعجّلة.

الروائي- د. نائل العدوان

 

عمّان – الأردن

ـــا 8\ 6\ 20121

عن محمد المقداد

كاتب وروائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: