أخبار عاجلة
الرئيسية / رواق النقد / على خطى المجنون/ شهادة إبداعية بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

على خطى المجنون/ شهادة إبداعية بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

شهادة إبداعية

بقلم: الشاعر والناقد عبدالرحيم جداية

“قدمت هذه الشهادة في حفل توقيع كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة للأديب محمد صوالحة على مسرح عمون يوم السبت 30/1/2018م”

 

إضاءة:

يقول برنارد شو:”الرجل المنطقي يتكيف مع العالم، والرجل غير المنطقي يجعل العالم يتكيف معه”.

هل أكتفي بك لحنا للنشيد، هل أكتفي بالقمح رملا للطريق، هل أرسم الجنون دائرة مغلقة، أم أفتح الدوائر على مدن نادمها الجنون، لا فأس في يدي، فكيف أحفر بئرا للخيول، هل تستقي من يديك فرحا وجنون، تعالَ نقطف من كلّ مدينة نجمة، فماذا ستقطف للبلقاء..؟، ومن أي ماء غير النيل ستشرب في القاهرة..؟، وهل لك جلد المكوث في الشارقة..؟، وأنت الآواب دوما، تنفث سيجارتك، وتحتسي قهوتك وحيدا تحت ظل بناية مجنونة في عالم زاحمه الجنون.

لك من المذكرات ما لي، لست واهما فقد كُتبت قصة إبراهيم ذلك المجنون الذي التهمته النار، ولم تكن بردا وسلاما عليه، فلم يجدوا عند رأسه إلا وريقات كتب عليها مذكرات مجنون، لست أقص عليكم إلا ما كتبه جميل الزعبي رحمه الله، فبعضهم قال بأنها مذكرات، وبعضهم قال بأنها يوميات مجنون، إن كان عاقلا فلا فرق بين المذكرات واليوميات، وإن كان مجنونا فلم يحسب لها حسابا، حتى نيكولاي جوجل الروائي الروسي الذي كتب مذكرات مجنون لم يقصدك طبعا، وإنما قصد أشقاءك وأصحابك الذين داسوا على هذا العالم، وحلقوا في فضاءاتهم غير آبهين بنظم إجتماعية بالية، فهل العشيقة مجنونة، أم العاشق هو المجنون، فإن لم يعيشوا الجنون مثلوا أدوارها في مسلسل مذكرات عشيقة سابقة، ربما الذي مارس الجنون المؤلف نور الشيشكلي، وربما كان الدور الأكبر للمخرج هشام الشربتجي في إعلان راية الجنون بخطٍ جميل.

وقد تظن أنّنا وحدنا من نمارس الجنون، لكن الياباني جونيشرو تانيزاكي، كتب روايته لمن مارس الجنون في سن متقدمة في روايته “يوميات عجوز مجنون”، أما في روسيا فثقد كتب نيكولاي جوجل كلاسيكيات الجنون الروسي في مجموعته “مذكرات مجنون”، وأيضا فإن الإيطالي ج د موبيسان الذي نظّر للقصة الحديثة فقد كتب أيضا “يوميات مجنون”.

كتب بول أردن كتابا قال فيه:”كيفما فكرت فكر بالعكس”، فهل عرفنا الأمام حتى نعرف الخلف، وأين منّا الجهات، على يميني ربما يكون الشرق فهل أفكر بالعكس وأقول ربما يكون الغرب على يميني.. قد أقولها ولكن أين الشمال وأين الجنوب، وحتى لو حددنا الجهات الأربع فهل أنظر إلى الشمس في السماء وأقول أنها الأرض، هكذا يفكر البعض بالعكس فأين العقل من الجنون إذا فكرنا بالعكس، فإذا كان المجنون يفكر بالعكس فكيف يفكر العاقل، ربما لم أفهم بول أردن جيدا عندما فكر بالعكس، ربما أراد لنفسه أن يفكر بجنون أو كأنه يقول لنا فكروا بجنون، بول أردن أين هو العكس حتى أفكر به؟.

فهل الجنون عاطفة، أم أنّ الجنون شوق لا يلبى، شوق قيس لليلى العامرية، وشوق جميل لبثينة، وشوق ليلى الأخيلية لتوبة إبن حمير، وهو نفس الشوق الذي مارسه محمد صوالحه، في كتابه “مذكرات مجنون في مدن مجنونة”، فهو العاشق الذي يجيد الإعتراف بعشقه كلما ذكرني بمؤنس الرزاز واعترافاته، وهو الذي يبثنا هواجسه تجاه المرأة، وشيطان صغير يراوده، فيكبح جماحه، وكثيرا ما يلحق بتلك الخطى الشيطانية، التي يفوح منها رائحة الأحاسيس والمشاعر، وكأنه جمل صحراوي هام على وجهه، كذلك هام محمد صوالحة، في تبوك يبحث عن ليلى العامرية، يبحث عن أثر خطاها، يبحث عما تبقى من عطرها، يسائل الصحراء والنجوم والنخيل، هل عبرت من هنا، فهو التائه الهائم على وجهه، الذي يقاسمنا ما يشعر به بعفوية، فهل نصفه بالجنون، أم نصف تكتمنا وأسرارنا البذيئة التي نخفيها بالجنون.

في كل مدينة حكاية، ولكل حكاية أنثى لا يرى فيها جسدا، أو شوقا جنسيا، بل يرى فيها روحا كريستالية، ونورا عابقا، ولذة بالقرب منها، أو التقرب إليها، أو مشاركتها بعض أنشطة يمارس فيها صحوه وجنونه، فهل ما خطه محمد صوالحة  في كتابه “مذكرات مجنون في مدن مجنونة”، هل هي إعترافات أم تخيلات، أم هو الوهم.

لقد دفعني للسؤال كثيرا، هل زار محمد صوالحة تلك المدن أم أن خياله من شطح شطحة المتصوفة، ونزه الأنثى تنزيه المتصوفة، وغاب غياب الصوفي إلا عمن يحب، صوفيته من نوع خاص فقد قال الروائي المصري يوسف زيدان: “التصوف بعدد الأنفاس”، فكم نفس تملك في مدنك المجنونة، فأنت من عشق صوتها وعطرها، عشق فنجان القهوة كلما صنعته له عبير، أو غيرها من النساء، هو لم يعشق الصغيرات فقط، ربما أحب لأن قلبه يتسع لحب أم سليمان وبناتها الجنيات الصغيرات، ورندا تلك التي تعلم منها وعلى يديها كيف يكون الحب أخويا صادقا، وتلك الصغيرة تقول له يا أبيه، تعلم من هذه الكلمة أن الأنثى سراج، وأنها مصابيح وأقمار، ترسل بنورها فيتوهج قلبه على معانٍ لم يدركها قلبه المجنون من قبل.

هذا ما نثره محمد صوالحة في مدن مجنونة، فما الذي زرعته فيه تلك المدن، في تلك المدن لم يعرف نفسه، لكنه تعرف إلى ذاته، وحقيقته كلما أخذه الشوق لعمان والسلط ودير علا، وكأنه يقول ما قاله الشاعر:

“بلادي وإن جارت علي عزيزة…..وأهلي وإن ظنوا علي كرام”

وكما قال أحمد شوقي:

“وطني شغلت بالخلد عنه                 نازعتني إليه بالخلد نفسي”

ليتنا نكتب مذكراتنا، ونبوح كما باح محمد صوالحة في كتابه، لربما تخلصنا من كثير من خيالاتنا، وأوهامنا، وظنون السوء وعدنا إلى ديارنا، بيد ناصعة من غير سوء، وقلب طاهر لا يعرف إلا الحب.

 فإن كانت مذكراته مجنونة، فكلنا مجانين لم نكتب مذكراتنا بعد.

 

 

 

عن محمد صوالحة

من مواليد ديرعلا ( الصوالحة) صدر له : كتاب مذكرات مجنون في مدن مجنونة عام 2018 كتاب كلمات مبتورة عام 2019 مؤسس ورئيس تحرير موقع آفاق حرة الثقافي .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: