قراءة في (( الحلم المخدوع ))

من إصدارات مؤسسة بنت الحجاز الثقافية للشاعرة دلال كمال راضي


إن الشاعر – أيها القارئ – يكمن إبداعه في الخلق والتطريب ، وبما يحمل من هموم ينسجها نسجا بأحرف شادية تستميل الروح إذعانا أو نفورا عبر كل العصور التاريخية ، ولقد شهدت فترة الربيع العربي ظهور جيل تصدر المشهد الأدبي والسياسي ، فربطوا هذا الشعر بالكفاح من أجل نيل الحرية وتحقيق العدالة الاجتماعية لهذا الوطن الذي يستحق أن يعيش تحت ظلال شجرة العدالة ، وديوان الحلم المخدوع في بساطته وعمقه ومفرداته لدليلٌ حي في وجدان الحقيقة على تغلغل شعر العامية المصرية في وجدان هذه الأمة .
ولو نظرنا إلى الشعرالشعبي لتبين لنا أنه “مجموعة من كلمات مرتبطة ببيئة الشاعرالعامة يستخدم فيها الأساطير والمغازي والواقع المعاش بلهجة محلية” يطرح فيها قضايا متنوعة في إطار إقليمي ، ويقصد به تلك التعابيرالمنظومة التي تؤدى بالكلمات أو الإبداعات الشفوية بلغة العامية أو الدارجة ” له صفات خاصة جميل له سحر البيان …. .يقول الشاعرفي قصيدته : (المعونة)
بالمعونة صدعونا
وكهربونا وعقربونا
وسخرونا ومسخرونا
كعبلونا وشقلبونا
وسيحولنا وسيحونا
ورجعونا وأخرسونا
يضم الديوان اثنين وعشرين حلما ، قد يكون منها أحلام غدت حقيقة ، وأخرى في حضن الخداع مازالت …. ونظرة متأنية في الديوان نجد قصائد شعرية متباينة فى القيمة والنوعية ،فإن محبة الشاعر القوية للشعر والإنسان استطاع أن يصنع منها مسبحة بها نسبح الله فى حضرة شعر العامية ، داعيا للحياة الكريمة والإنسان الحر . يقول الشاعر في قصيدته الحلم المخدوع :
زمنك يا أمة شيطان سلاب
خلاني هرم إنحرم من الإحساس
خلاني شعر إتوزن ملهشس أساس
خلاني نيل جفت شموعة
قدموه العرايا للعرايا في كاس
وبدا جليا في (الحلم المخدوع) أن شعر العامية صاحب اتجاهات فلسفية، فقيم الحق والخير تكتنف بعض القصائد لدرجة أنك – عزيزي القارئ- تشعر أن القصيدة جزء من الفكر الشمولي المتجذر خلف “فيما وراء الأسباب” ، وفي هذا الديوان يشكل بمفرداته الروحية والفلسفية إحساس الشاعر والعقل الجمعي ، فهو المعبر لبيئة خضراء إنسانيا .. يقول الشاعرفي نصه : (مش هسمحلك تاني يا أمة)
مش هسمحلك تاني يا أمة
ترضعي فيكي الغريب
أو تسيبي حضنك يدفي
ويكفي مليون حبيب
وتروحي تضللي بفروعك
وأنا المحروق وسط اللهيب
ويشد انتباهك كما جذبني صورة الزعيم (جمال عبد الناصر) على الغلاف وخلفه الوطن العربي مكبلا ،وإذا ما قرنا أجزاء وخطوط الغلاف جميعا وربطناه بعنوان الديوان (الحلم المخدوع) لسطر كل ذك تاريخا بما فيه من إشراقات وظلاميات ، بل خداعات من شعوب لحاكميها ، ومن حاكم لمحكوميه … وتغيب الحقيقة ولا تشرق إلا حزينة في وجه العربي الكالح … كأنك الشاعر أراد ان يسقط كل ذلك على الواقع الذي نحياه حتى يفيق الإنسان العربي من حلمه المخدوع وينظر إلى الأرض والسماء ويغتنمهما حيث سخرت له حال وجود فطرته السليمة .
يمتاز الشاعر بقوة إيحاءات كلمات نصوصه الوطنية ، ولا يستطيع أحد أن يتجاهل سلاستها ودورها في أداء المهام الشعرية خاصة في الموضوعات الاجتماعية والدينية ، خاصة وأنه من محافظة الشرقية وسافر لفترة طويلة لدولة الكويت فقد عبر بصدق عن قضايا البسطاء، ساخرا من كل الأشياء حوله يتمتع بأدب جم وبساطة الإنسان المصري اسمعه في نصه : (على الهامش)
في آخر سطر في الهامش
اسمي كان مكتوب
وأقول هما ليه ناسيني
أتاري الإسم بالمقلوب
وقيمتي إيه في وطن مغلوب
وفيه كل حاجة ماشية بالشقلوب
وقد وثق الديوان الكثير من المواقف التاريخثة والثورات والمسكلات الاجتماعية وغياب الحريات (المعونة – الربيع العربي – الخداع – علاقة الحاكم بالمحكوم – الطفولة العربية المعذبة كما اتضح في أوبريت : (أطفال العالم) يقول الشاعر على لسان أطفال العرب :
فينو صلاح الدين فينكم يامسلمين
الدم روى أراضينا من بغداد لفلسطين
بنادي بإسم النخوة الرحمة بلاش القسوة
كفايا زودنا الفجوة بنادي بقالنا سنين
بإسم حقوق الإنسان حاربونا في كل مكان
بق هي دي الحرية ياولاد عمنا سام

لعلي أقف مأخوذا أمام هذا النوع من الشعر الذي لا يرتضي إلا الحياة في أفئدة وأذهان الجميع قراء ومستمعين له ، وذلك الشاعر الذي يعتصر لأمته ولمجتمعه ولإنسانيته ، لله دركم أيها الشعراء ! كم تحملون الكثير من أوجاكم وأوجاع الأوطان ، وتتغنون بها لعل يأتي يوم نجد دواء لصم عشق الآذان ، فيذعن الإنسان يوما ولا يموت وهومازال على قيد الحياة .

بقلم : الشاعر هشام الرفاعي

—-

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: