قراءة في ديوان أجراس النرجس للشاعرة السورية نرجس عمران بقلم الشاعر محمد خالد النبالي

بداية غاية الشعر أن يكون شفاف ومعبر وعن الذات الشاعرة للكاتب ودوما يحاول ان يكتب ما يشعر به وكلٌ له طريقته ويحاول الكاتب ان يوصل للقارئ بطريقةٍ هو مقتنع بها سهلة وهذا ما أرادته
نرجس عمران وهو من بدايات كتاباتها ومن خلال النصوص الذي تضمنها ديوانها ” أجراس النرجس
وهذا العنوان الموحي لزهرة النرجس إنما يدل على إحساس الكاتبة المرهف وله دلالات النرجسية أحيانا والتي تسيطر على الانسان ولكن اظنها نرجسةٌ زُرعت في أرض حالمة بالعشق والعبق في زمن الحروب فالحياة تستمر لن تتوقف ومن خلال قراءتي ل أجراس النرجس وجدت امرأة حالمة ومسكونة بالعشق ولم تستسلم للظروف المحيطة ففي بعض النصوص تمازج ما بين حاجتها النفسية والوطن ومع أن العنوان موحي بأنه ديوان غزلي إلا ان فيه بعض النصوص التي تحاكي الوطن والإنسان حتى لو كانت قليلة وكانت نرجس موفقة باختيار العنوان , وقد تفجرت أحاسيس نرجس بكل شفافية وعفوية وبساطة وهي غاية الشعر ألا نرهق القارئ .
كلنا على معرفة ودرايةٍ بأن السرد هو من أشياء القصة والرواية والدراما … إلا أن الشاعرة نرجس في هذا الديوان طوّعت الأسلوب السّردي لتقول مضامين شعرية دون تكلف .
ولذلك بات معروفاً بأن هناك عدة مدارس لأشياء النثر بعضها يعتمد على الانفلات العميق والذي قد يصل إلى حد الغموض , وبعضها الآخر يعتمد على سلاسة النثر الشعري ولا بد من مراعاة توظيف الصورة الشعرية المبسّطة .
علينا أن ندرك بأنه مهما تنوعت المدارس إلا انها مجتمعة تسعى الى اقتناص الشاعرية من خلال التمعن والتبصر وتسخير هذه الطاقة الإبداعية من الذات الشاعرية أجل لخلق نص شاهق ومباغت يحقق الدهشة.
وكل هذه المدارس اجمعت على معايير وهي الاختصار – الايجاز – والتكثيف – والوحدة العضوية إلا ان قصيدة النثر في كثير من المراحل تجاوزت التجنيس الاكاديمي وراحت تقول دفقها الشعوري الشعري متيحة المجال للمتلقي وما ينتجه من نص موازي حين يتناولها الأجناس ، ومع دخول الحداثة الكثير لا يفرق بين الشعر والنثر والخاطرة .
وكما أسلفنا وظّفت الكاتبة نرجس السرد في بعض النصوص بالصور واختيار النفس الشعري القصير الذي يقول دفقة الغرض الشعري دون اسهاب وتطويل . والشاعرة انطلقت من ذاتها وتشرك المتلقي معها في أشياء السياقات الشعرية .
ومن خلال الديوان وجدت أنه لا يخلو من بعض الصور الشعرية الخفيفة والرمز وهذا لا يقلل من جمال الكثير من النصوص رغم المباشرة واختيار المفردات البسيطة في الكثير من النصوص , وغالبية القصائد غزلية تخاطب الذات والحلم فهذه حاجة النفس وعقل الانسان للعاطفة ,
وبدأت الديوان بقصيدة “إلى ولدي وهنا تخاطب الوطن والإنسان بشكل عام في سوريا : بمثابة وصية , وهذا العنوان خطابي محلق وما جاءت قصيدتها إلا لحدث معين وفي زمن الحرب , فقالت :

لن أموت
سوف احيا يا ولدي
سيزهر الربيع جدداً في جسدي
ثقافة القبور لن تكون لكم
وان شاء قاتلي
إن كسرت بنادق الغدر عظام الأمل في لحني
محال أن تقطع أوتار المطر في خلدي
لا لن تموت

وتكمل صرختها بالموت والأمل وهذا طبع الإنسان التفاؤل والأمل


وتختم قصيدتها فاتحة الديوان
بقايا الرجس من نفسي النقي
لا لن أموت
ففعل الموت يستوجب عزرائيل
وعزرائيل رحيم ببلدي يا ولدي
وهنا نستدل بان الشاعرة كتبت ديوانها في بداية الاحداث في سوريا وكانت تظن أو تتمنى بان يكون عزرائيل رحيما وتبين لها لاحقاً من سنوات الحرب بأن عزرائيل لم يكن رحيما مع أبناء الشعب السوري .
ومن ثم تحولت لقيثارة عاشقة وقليل من النصوص التي تخاطب الوطن , وهكذا بقية أشياء الديوان تجدها عبارة عن شعلة من المشاعر الأنيقة وفيها ترافقك فيها الأشواق والحنين والأفكار السامية التي عبرت عنها بكلماتها السلسة وما هي إلا مشاعر المرأة والتي هي مصدر الانسان في المجتمع ومدى حاجته لغذاء الروح , ونرجس تعتز بأنوثتها وفكرها لذلك رسمت للمتلقي بريشة الفنانة التشكيلية لوحات وصور رومانسية غاية في الدقة والمباشرة والعفوية , والحقيقة انني كما اسلفت بان الانسان بحاجة للعواطف في مراحل الحياة مجتمعة وربما بعض العبارات التي استخدمت هي الدلالة مثل :
هي القيثارة التي تتقن الأنوثة عزفاً على سلالم الأرجاء
شظايا الفرح تخترق جسد …. اللحظات الحالكة
عرج في دياري يا حادي الآهات
شفاه توباتي ترنم في سهد الليالي
عالقة غبار خيلك .. أيها الخيال …. في أذيال عباءة ذاكرتي
يقطع حبل أرجوحتها في بحر الضياع
ولا تعرف للعوم أصولاً
يد ممدودة بالطهر .. تريد أن تصافح يد الحياة
لا يتخطى أول فصل فهرسي
عقيم رحم ابجديتي
فارغة اقداح شعري
تنجب بالقيصرية بالكاد ..؟
حشو قصيدتي
مشلولة أطرف لازمتني
لا تطأ عتبات العرض
مهيضة الجناح خاطرتي
وبوح ” أجراس النرجس ” هو بوح وجداني شعري وجاء البوح شفافا سهلاً وبالكلمة البسيطة البعيدة عن التعقيد كما تعيش هي حياتها ببساطة وهذا اعطى بعدا جماليا ولو دققنا النظر فسوف نلمس صدق الشاعرة وتكتب النفس والخاص بها مع ان الخاص يصبح عاما بعد نشره فقد يلامس الكثير , وتمضي ” الكاتبة نرجس “حتى تصل ذروتها ومعها براءة الطفولة التي ما زالت تحلم بأرجوحتها وتركض في الحدائق وتعبث بالزهور , وهنا عبثت هي بمشاعر المتلقي بكثير من المفردات وقد جذبت المتلقي لهذا الأسلوب مع التوظيف اللغوي أحيانا في صورة شعرية ونجد الرمزية العقلانية , علينا ان ندرك ليس مهما التجنيس الأدبي عند المتلقي فهمه من الشعر ان يصل للعقل والقلب بسهولة فليس مهما ان يكون عمودي او تفعيلة او نثر ، أي كان المهم ان يخلق لديه شعور مختلف ودون ان يسبب له ارهاق وهذا ما كان في ديوان : ” أجراس النرجس ”
وغاية الشعر الجمال وهذا لا يصدر إلا من صاحب احساس وهذا ما ارادته نرجس من خلال وجدانياتها مع وجود بعض النثرية التي تضمنها الديوان .
حيث تبوح بأفكارها ومشاعرها التي تختزنها في ذاكرتها وحياتها اليومية فنلاحظ بأنها تكتب حالة تأتي لها أو شعور ينتابها في بعض النصوص حالة انسانية او عاطفية أو حدث معين تراه هي ,
وقد ابتعدت عن الانجرار في تركيبتها الشعرية عن قواعد النحو والصرف ولكنها اعتمدت على صوتها وسهولة اللفظ مع ايقاع داخلي و تناغمية داخلية في بعض النصوص , وهذه موهبة تستحق الوقوف , فنرصد الكثير من الجماليات الشعرية بعيدا عن الانسياق وراء الجملة الصعبة لتكون سهلة على اللسان وقد تركت لها هوية أو بصمة خاصة وهذا ما وجدته من خلال كتاباتها الأخيرة البساطة ودون تكلف.
وتحلق بنا نرجس نحو فضائها الفسيح حتى نتذوق كلماتها ونلمس انسانيتها في ذات الوقت واعتقد انها بهذا الأسلوب الشعري تريد ان تتخلص من الشعر التقليدي وهذا يمنح الشاعرة حرية ومساحة أوسع لتجربتها في الكتابة إذا هي وجدانياتها الخاصة .
ونجد علاقة حميمة بينها وبين الكتابة والشعر وكل ذلك يتجلى مع انفعالها ما بين الحدث والحالة مع الشعر . فكانت بقمة التجلي تختال كصبية فاتنة تجري في الحدائق العامة وتهمس بعذوبتها لنا بديوان ( أجراس النرجس ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: