قراءة في رواية”لقيطة اسطنبول” بقلم أحمد العربي

لصحيفة آفاق حرة:

 

.قراءة في رواية: لقيطة اسطنبول

.الكاتبة : إليف شافاق

.ترجمة: خالد الجبيلي

.الناشر دار الجمل.

.2012.. ورقيه

 

بقلم/ أحمد العربي

 

بداية: هذه الرواية الثانية التي نقرأها للكاتبة التركية المتميزة إليف شافاق. بعد روايتها قواعد العشق الأربعون

تبدأ الرواية من بطلتها زليخة، الزمن في  ثمانينات القرن الماضي . ذاهبة إلى عيادة طبيب نسائية، لها موعد معه حتى تجهض جنينها. تظهر متمردة بمظهرها ولباسها القصير وحلقة انفها وكعبها العالي. كل ذلك يوحي بأنها فتاة رخيصة. ولكن عندما يعاكسها أحد تواجهه بطريقة قاسية صادمة. زليخه تريد أن تنتهي من حملها الذي شكل لها عبئا نفسيا وحياتيا. لاتصرّح بمن يكون والد الجنين، فهي غير متزوجة، وهي غاضبة. تدخل عيادة الطبيب وتباشر عملية الإجهاض، لكن لا يعملها لها، لان ردة فعل جسمها قبل البنج كانت سيئة. تعود لبيتها تحمل تصورا ان هناك ارادة عليا تريد للجنين أن يعيش. البيت هو لعائلة قازنجي العريقة و المقتصرة على النساء فقط . ففيها الجدة الأولى التي جاوزت الثمانين والام كلثوم والاخوات بانو وفريدة وشكريه وهي زليخة. لهم اخ وحيد اسمه مصطفى غادر لامريكا ليعيش هناك، متجاوزا لعنة موت رجال عائلة قازنجي مبكرا. في امريكا يلتقي مع روز الامريكية المطلقة من رجل أرمني بعد زواج، حيث أنجبت ابنتها آمي. غادرت روز تركيا وهي مثقلة بما يحملوه من جروحهم -كأرمن- عانوا في حياتهم الماضية في تركيا. يتزوج مصطفى من روز

تنتقل الرواية مباشرة عشرين عاما للأمام. العائلة مازالت تعيش حياتها كأن شيئا لم يتغير. فلكل امرأة عالم مختلف نفسيا وحياتيا عن الأخريات . ولكل اسبابه ليعيش ما يعيشه.. زليخة ما زالت المتمردة واصبح عندها ابنة شابة (لقيطه) دون اب، واباها لم يعرف وسميت آسيا. لكل امرأة قصتها الفريدة. هذه المتدينة التي سترت جسمها ورأسها وحافظت على عبادتها. وتلك زليخه الغير مؤمنة والغاضبة من كل شيء، التي تعيش احساس المظلوم في وجود قاس. وتلك التي فاتها قطار العمر ممتلئة بهواجس تغيير لون الشعر والمظهر والحالة النفسية. وتلك التي تركت زوجها بعد أن مات طفليها التوأمين. والجدة هيفاء التي بدأت تدخل في الزهايمر (الخرف) وتغيب ذاكرتها تباعا، والام كلثوم التي تعيش على حلم ان يعود لها ابنها مصطفى المغادر الى امريكا. والذي لا يصل منه الّا بعد بطاقات لصور له ولعائلته في أمريكا. كل فرد في العائلة له عالمه الكامل. فما زالت زليخه المرأة المتمردة الغاضبة بملابسها السافرة وحلقة انفها وسرها الغير معلن. من يكون اب ابنتها آسيا.؟. تعمل في محل للوشم، الذي أصبح ظاهرة رائجة في اسطنبول. ابنتها آسيا وجدت نفسها دون اب وامام عدد كبير من الأمهات دللّنها كثيرا. و حاصرنّها بالاهتمام و الأوامر والطلبات. عندما كبرت أدركت محنتها بأنها لقيطه، حاولت تجاوز ذلك بخلق علاقات تنتصر من خلالها لذاتها المجروحة. لها  أصحابها في حانة باسم كونديرا الروائي، مجموعة من النساء والرجال كلهم لهم أزمتهم الذاتية في عالم لم يكن كما يحلو لهم. كانوا يجترّون حكاياتهم و مأزقهم وافقهم المسدود. كل يرى العالم من زاويته ويعيش الدنيا وكأنه مركزها. آسيا مجروحة تحاول التجاوز تتلمس طريق حب حقيقي يخرجها من محنتها. تتعاطف مع الفنان المتزوج والذي يكبرها بما يزيد عن عمرها. وهذه أيضا محنة. تعطي نفسها لمن ترغب، تفكر ان تعاقب كل الرجال  لأنها لا تعرف من ابوها. الخالات كل بعالمه، أكبرهن تتعامل مع الجن وتحاول من خلالهم معرفة الغامض من المعلومات في حياة عائلة قازنجي الممتدة

الرواية لا تقف عند آلية واحدة للدخول في شخصياتها، او العصر او الافكار والرؤى ايضا. تطرح كل ذلك بخليط رائع وطريقة متكاملة، تنتهي بصورة مبلورة في نهاية الرواية. مصطفى المهاجر لأمريكا وزوجته الأمريكية وابنتها آمي التي كبرت وصارت ضحية انفصال الأم عن الأب، كونه ارمنيا وكون امها تزوجت من تركي . هذا التركي القاطع لجذوره مع أهله وتركيا. والعائلة الأرمنية المتعيشة على شعورها بأنها نتاج تهجير قسري كان في بداية القرن الماضي . مات من مات وقتل من قتل وضاع من ضاع. وبقي الجيل الجديد يحمل في ذاته أزمته الوجدانية، مظلوم ومطرود من بلاده منذ أواخر الدولة العثمانية. تكبر آمي وتبحث عن ذاتها وتقرر أن تعود إلى اسطنبول لتكتشف جذورها الارمنية. ليس لها إلا بيت اهل زوج امها، عائلة قازنجي. تأتي لتحرّك مياه ساكنة و حياة روتينية.  ستكتشف أن هناك أرمن في تركيا يعيشوا ولاءهم لدولتهم وليس لهم ذات الأزمة التي تعيشها. وتكتشف أن هناك انفصال نفسي بين الأتراك والمرحلة العثمانية. وأن من يتعاطف معها سيقول لها انها مرحلة كان الكل فيها ضحايا حرب من ترك وأرمن وغيرهم. ستجد في آسيا صديقة لها، سرعان ما يتفاهما فلكل منهما أزمته. تتعرّفا على أجوائهما المشتركة، تحاولان سوية فك الالغاز. ففي رحلتها للبحث عن جذورها ستكتشف أن جدتها كانت زوجة لجدّ آسيا. وان هذه العائلة هم اهلها وان اهل أباها هم امتدادها الأرمني. وستكتشف ان التعايش بين الاتراك والارمن وغيرهم عمرة قرون. وان حصول أي جرح في زمن ما لا يؤثر على استمرار التعايش الآن بعد مضي قرن من احداث أيام سفر برلك في القرن الماضي. ستلتحق العائلة؛ الأم روز وزوجها مصطفى بإبنتهم باسطنبول وليعود مصطفى ليرى وجهه الحقيقي، الذي حاول عبر عشرين عاما أن يهرب منه وينساه. إنه الأخ المدلل في العائلة، اخته الصغرى زليخه، والدته التي تميزه كأخر رجل في العائلة. وعمره الذي وصل للعشرين. ومراهقته التي لم تنتهي، واخته السافرة و المتحدية. خلاف وتحدي بينه وبينها ينتهي باغتصابها وهروبه. ها هي أخته أمام عينيه. وليعرف في لحظة ما أن آسيا ابنته. واخته الكبيرة تعرف ذلك عبر (الجني). وتقرر تسميمه عبر اكلة عاشوراء يحبها. حتى تنهي حكاية يجب ان تنتهي فصولها، ويحصل ذلك. يموت الاخ مصطفى في سن الأربعين، وتعرف آسيا أن خالها هو ابوها.  وليزداد شرخها

وتستمر الحياة. هنا تنتهي الرواية ولكن لم تنتهي قراءتها.  فالرواية اعمق من ان تتعقب قصة اغتصاب وهو تفصيل صغير .ومفهوم في عائلة لها أمراضها النفسية وعقدها. وايضا رواية تتعامل بالعمق مع الازمة الوجودية لكل انسان، عبر فرديته و عوالمه الخاصة وإحساسه بعدمية الوجود، واختلاف عقليات ونفسيات البشر، وتناقض نفسياتهم ومصالحهم وصعوبة تعايشهم. والنهاية المأساوية لكل البشر بالموت. هناك طوق نجاة عبر الحب ولا يحصّله وينجح به كل البشر. الرواية تمر ايضا على محنة الأرمن ومحاولة ان تنصف كل الأطراف. انها تفتح الدمل وتطرد القيح منه وتنور الحاله. وتقول رأيها بأن ما حصل جزء من وقته وزمانه وعصره. وان الكل كانوا ضحايا. وان الكل مطلوب منهم التجاوز. ومطلوب منهم أن يصنعوا حياة اجمل وافضل هنا والآن. وان شحنة الماضي إن لم تكن للتفكير بالحياة المعاشة والمستقبل الأفضل. ستشكل عبئا وضررا فرديا وجماعيا قد يؤدي لضياع فردي أو أزمات جماعية او صراعات، والرواية شبكة من الأحداث والرؤى الفلسفية واللّاهوتية والوجودية والمعرفية ايضاحقا إنها رواية رائعة

….

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: