قراءة في رواية “بأي ذنب رحلت” بقلم أحمد العربي

لصحيفة آفاق حرة

 

قراءة في رواية: بأي ذنب رحلت.

الكاتب: محمد المعزوز.

الناشر: المركز الثقافي للكتاب.

ط١، الكترونية، ٢٠١٨م.

 

بقلم: أحمد العربي

 

محمد المعزوز؛ روائي مغربي، هذه الرواية الاولى التي أقرأها له.

بأي ذنب رحلت رواية مختلفة، كتبت على لسان راوي من خارج الحدث والشخصيات، بما هي انسانية واجتماعية وسياسية متنوعة. ولهذا السبب كانت ذات صوت واحد هو صوت الراوي، متحدثا عن الشخصيات والأحداث. الرواية تتحدث عن الفضاء المغربي في عهده المعاصر، عندما استطاعت السلطة والمعارضة التوافق على المشاركة السياسية في الحكم. رغم أن الراوي يظهر ان السلطة استطاعت تطويع المعارضة واستخدامها في استمرارها بالحكم، دون متغيرات حقيقية على حياة الناس والمظالم العامة، يكاد يومئ الى خيانة المعارضة للشعب الذي تكلمت باسمه، ولم تعد تعمل لمصلحته، موقفه سلبي ايضا من الشعب المغربي، بصفته خانعا للسلطة الظالمة، ويرضى عيشة اقرب لعيشة العبيد، شخصيات الرواية كلها مأزومة، خيّرة لكنها تفشل في حياتها العملية، تنطلق اغلب الشخصيات من خلفية فلسفية وفكرية قائمة على أن العطب في الوجود الانساني نفسه، ينتصر فيه الشر دوما، والنهاية الوجودية الى الموت والعدم، يتبحر الراوي في السلوك الصوفي، وجده معاشا عند بعض شخصيات روايته، بعض شخصيات روايته متشائمة، يائسة لا ترى نورا في الأفق المستقبلي، بعضها حاول ان يصنع معنى لوجوده، لكنه انكفأ لاحقا، إما منتحرا او معتزلا، يجتر حياة لا معنى لها، الشخصية الوحيدة الايجابية تجاه الحياة -للأسف- هي شخصية السياسي الانتهازي الذي يعرف كيف يتاجر في قضايا الناس المظلومين، ويخونهم، يرتبط بأمن النظام سرا، يعمل على الوشاية برفاقه، يستغل وجع الناس ومظلوميتهم، في رحلات استجداء عالمية لمساعدة المجتمع المدني لتحسين حياة الفقراء، ومن ثم ينهب المنح، يلعب في السياسة، يبيع مواقفه، يشتري الأصوات الانتخابية بالمال، ليكون دائما محلقا في القمة السياسية والمجتمعية. يُظهر الروائي ان القدر في الحياة فشل الخير وانتصار الشر، وجوديا في النفس الانسانية وفي الحياة.

الآن وسط هذه الخلفية نستطيع التحدث عن الأشخاص ومسارهم الحياتي عبر ثلاثة أجيال وزمن يزيد عن نصف قرن.

البداية من عبد الله وحبيبته راشيل، يتعرفان على بعضهما، في فرنسا ويحبان بعضهما، عبد الله يكتب وينشر منتصرا لقضايا الإنسان وحقوقه وحريته وحرية الشعوب ايضا من جميع أنواع الاحتلالات، راشيل فنانة تشكيلية مسكونة بهاجس الخير والشر الوجودي في حياة الإنسان تجد أن هذا التناقض ينتصر دوما للشر، وان اغلب المعاش في حياة الناس هو قيد على الحرية بصفتها أقدس ما يعيشه الإنسان، تعبر عن ما يجول في فكرها ووجدانها عبر لوحات فنية، انتصر حبها لعبد الله وتزوجا، أنجبت طفلة. لكن حالها لم يستقر نفسيا وفكريا، زادت معاناتها النفسية ووصلت الى نتيجة فكرية ونفسية ووجدانية، عبثية حياتها وعبثية الوجود، يئست من حياتها، حرقت بعض لوحاتها، كان أول عمل قامت به هو أن هجرت زوجها، تاركة له رسالة تعتذر منه أنها غادرته مع طفلته. أصيب عبد الله بصميم نفسه، بحث عنها وعن طفلته في باريس وفي “وجدة” بلدته المغربية، كان يصل الى آثارها ولا يصل إليها، سمع أنها سألت عنه في بلدته، واختفت، أُحبط ويئس عبد الله لغياب زوجته وابنته، وقرر مغادرة عمله وكتابته وباريس، وعاد الى وجدة يعمل في مخبز كان يعمل به والده سابقا، واضعا لوحة يتيمة في واجهة المخبز، كانت تركتها زوجته قبل هجرانها له، متوقفا في الزمن عند هذه اللحظة التي غادرته بها زوجته وابنته. على مستوى آخر انتقلت راشيل في باريس ثم في المغرب، حاملة ابنتها من مكان لآخر، مسكونة بهاجس العبث واللامعنى لحياتها، الى ان وصلت الى لحظة قررت فيها أن تنتحر لترتاح من حياة لم تعد تطيقها، كانت خائفة على ابنتها، لكنها تركتها وانتحرت. وجدت إحدى  النساء راشيل ميتة بعد أن قطعت شرايينها، وبجانبها طفلتها تبكي وتناديها، أخذت الطفلة وتبنتها، كانت لها نعم الام والمربية، اسمتها راحيل، ربّتها وعلمتها، اكتشفت ان لديها ميولا موسيقية و صوتا عذبا ساعدتها في تطوير موهبتها، كانت قد ورثت من أمها لوحة فنية وجدت مع رسالة للطفلة تعتذر فيها من ابنتها، انها جاءت بها للحياة وأنها تركتها هكذا طفلة. مرضت المربية وقبل وفاتها تحدثت للطفلة عن قصتها، ورسالة امها ولوحتها التي تركتها لها، والحقتها في ميتم، في الميتم تم تنمية موهبة راحيل الموسيقية عازفة بيانو وكذلك صوتها وغنائها، وأصبح لها حضورها الكبير. استمرت بحياتها هكذا الى ان تعرفت على خالد الذي احبها واحبته  وتطورت العلاقة بينهما إلى الزواج، عاشا حياة سعيدة، كان خالد منهمك بقضايا العالم العربي وخاصة فلسطين والاعتداء على لبنان في ثمانينات القرن الماضي. انهمك في العمل الإغاثي داعما للناس والشعب اللبناني والفلسطيني، وبدأ حملات تبرع متواصلة باع سيارته، وبيتا كان قد اشتراه سابقا، وطلب من راحيل زوجته أن يبيع لوحتها الفنية بالمزاد العلني لذات الهدف، رفضت بشدة واعتبرت أن لوحتها هذه هي آخر ما تبقى لها من جذورها واصلها الذي تجهل عنه كل شيء. خيرها خالد بين بيع اللوحة وبين ان يتطلقا، واختارت الطلاق، جُرحت راحيل بأن حب خالد لها لم يكن بعمق حبها له وأنه باعها بلوحة مهما كانت مهمة، غادرته غير نادمة. عاش خالد على هامش الحياة كان سياسيا منغلقا، شكل طلاقه من راحيل جرحا في حياته لم يعرف كيف يشفى منها، عاش أيضا حالة اجترار لآلامه. كان عند خالد صديق منذ أيام الدراسة والنشاط السياسي اسمه رؤوف، كانا معارضين، خالد انكفأ عن النشاط السياسي، أما رؤوف فقد استمر، مستثمرا حالة التصالح بين المعارضة والسلطة المغربية التي بدأت منذ عقود وأخذ يظهر ويلمع نجمه كمعارض وناشط يتحدث باسم الناس ومصالحهم. لكن الحقيقة أن رؤوف كان معارضا مزيفا يعمل مع الاجهزة الامنية، مخترقا صفوف المعارضة، مؤديا بالكثير للمعتقلات والسجون، لم يكن يعلم بحاله إلا القلة، ومن القلّة كانت جيهان صديقته التي انبهرت به بالبداية ثم أحبته، ولكنها اكتشفت حقيقته حين عرفت أنه يرتبط بالأمن، وينشط ليحصل على تبرعات باسم الفقراء في المغرب واوروبا ويأخذها لذاته، كانت متورطة بحبه، لكنها اكتشفت انه لا يحبها، وانها مجرد اداة استخدمها في تحقيق مآربه الشخصية، وقررت ملاحقته وفضحه في كل مكان، خاصة أنه كان ينشط في حملة دعائية لانتخابات نيابية قادمة، واجهته بحقيقته امام الناس. كان خالد حاضرا في الحفل وسمع ما قالته جيهان، والتقى بها، وأخبرته ما تعرف عن رؤوف وانها تعرف خالد منذ زمن بعيد، انتمت جيهان لخالد نفسيا، احبته، كانت بديلا نفسيا عن راحيل التي خسرها وغادرت حياته، وكان خالد نموذجا لحبيب مازال يحتفظ ببعض نظافة ونقاء الثوري القديم، لكنه منكفئ على نفسه، استمرت على تواصل معه محاولة أن تجعل من حياته حياة افضل. على مستوى آخر، لفت نظر راحيل لوحة فنية في مخبز اشترت منه بعض الخبز، لاحظت الشبه بين اللوحة هذه ولوحة والدتها، حاولت أن تتحاور مع صاحب المخبز العجوز عبد الله، الذي هو والدها، حصل بينهما تناغم نفسي لم يستطيعا تفسيره. وكانت جهود جيهان في البحث والتقصي عن راحيل وكذلك شاب آخر فنان اسمه وليد، تم ربط خيوط الحكاية، بين الأب عبد الله، والام المنتحرة راشيل، والابنة الفنانة راحيل، وزوجها عبد الله، كانت راحيل بعد طلاقها من خالد قد اعتزلت العزف والغناء لفترة طويلة، ولكن بعد لقائها بوليد، وعلمت بشغفه الفني، وانه خسر يده وقطعت بعد سحقها من تعدي بعض المنافسين له، وعدم يأسه من الفن والإبداع. قررت راحيل ان تعود الى العمل الفني عزفا وغناء. تمت طباعة دعوات لحفلة كبيرة تعلن بها عودتها لتمارس نشاطها الفني، في ذات الوقت الذي كانت هناك حملة انتخابات يتنافس فيها مع رؤوف، كانت خيوط الترابط العائلي تتضح، عبد الله عرف ان راحيل ابنته التي أضاعها منذ عقود، خالد يعود ليرى حبيبته وقد عادت لمجدها وفنها، جيهان ووليد ودورهما في إحياء هذه العلاقة واعادة ربط العائلة ببعضها. تحصل الحفلة، تبدع راحيل، تتلاقى عيون راحيل وخالد، يدرك عبد الله الآب ما بين ابنته وخالد، يعيش احساسا بسعادة تأخرت عشرات السنين حتى جاءته. انتهت الحفلة والعزف، لكن راحيل بقيت مسمّرة على البيانو، لقد غادرت الحياة. هناك فرحة ناقصة دوما.

هنا تنتهي الرواية، وفي تحليلها نقول: نحن أمام رواية مشغولة بنفس واحد هو نفس الراوي، ونظرته الفلسفية للحياة والوجود، متشبع بأفكار الوجودية، يرى الجانب السلبي بالحياة ويعتبره الطاغي، الحياة عنده في البدء والختام عبث وعدم، وممارسة الناس لحياتهم مسكون بالنقص، الخير ضعيف ومنهزم، والشر هو المنتصر. النظرة الفلسفية للحياة والبشر سلبية، في الرواية اصطناع لاحداث مصيرية غير مقنعة، راشيل الهاربة من بيتها مع ابنتها ومن ثم انتحارها، حدث يحصل لكنه نادر، الأب عبد الله المعتزل للحياة لعشرات السنين، بعد هجران زوجته له، يحصل لكنه نادر، الطفلة التي كبرت وأصبحت نجمة وتزوجت من مناضل، لم تعرف كيف تتصرف مع حبيبها، يحصل لكنه نادر، الآخرين مجرد أدوات لتجميل صورة الحدث الروائي، جيهان ووليد. النهاية ووفاة راحيل على المسرح عند نهاية العزف، يحصل لكنه نادر. هناك قرار من الكاتب أن ينسج رواية تنتصر لما يراه “الحياة”، بغض النظر عن كونه يلوي الأحداث لتصل لما يريد منها ان تصل لها بغض النظر عن منطقيتها. وخاصة الخاتمة الكارثية لوفاة البطلة التي انتصرت لفكرة رسالة الخير بالحياة، وقررت ان تعود الى الفن والابداع منتصرة لرسالتها. لكن وفاتها أكدت فكرة الكاتب، ان الخير محكوم بالفشل لأن الحياة محكومة بالموت، وهي أسوأ مافي الحياة.  نعم يحق للروائي ما يريد كمسار لروايته، لكن نحن كقراء ونقاد يحق لنا أن نقول رأينا بأن هذا صحيح او خطأ  كتقويم، ونقول عن النص انه مصطنع في الحياة كما هذا النص الروائي، أو صميمي في الحياة كما نصوص كثيرة أخرى. ونزيد القول إن الوجود الإنساني كمعطى وحيد كما يعاش في العالم، حاول الكثير من الأنبياء والمصلحين والفلاسفة والعلماء أن يبحثون عن المعنى له وجودا ومصيرا، كلهم اجتهدوا، امتلأت الدنيا رؤى، لكن آخر ما تبقى حقيقي في الدنيا هو البشر وحياتهم التي يجب أن يعيشوها، بغض النظر عن فلسفتها، يعيشونها حرية وكرامة انسانية وعدالة ومشاركة سياسية، كل ذلك في مواجهة مظلومية واستبداد وقهر وفقر وتخلف وجهل واستعباد.

هنا معركة الإنسان في الوجود، هذه التي يجب أن يخوضها، وينتصر فيها.

 

 

 

عن محمد فتحي المقداد

كاتب وروائي. الروايات المطبوعة -(دوامة الأوغاد) و(الطريق إلى الزعتري) و(فوق الأرض).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: