قراءة في (عصافير تموت تحت العجلات) للقاص عيسى بن محمود

عبد المالك بدرة
بقلم : بدره عبد المالك / الجزائر
إن الواقعية هنا قد فعلت فعلها وسيطرت بوضوح على شخصية البطل.وأحرجت القاص وأرسلته إلى قيادة الإحداث بنفسه لاغيا بطله…..ليقوم بدور البطولة كراوي وهي لحظة انتشاء تخلي فيها القاص عن بطله في غير اكتراث…..وهي صورة من صور الاسترجاع التي تعبر عن تشبع القاص بالأصالة واحتضانه للتراث شوقا إلى بعثه من جديد….منجذبا إليه كما الفراشة إلى الضوء…….
( العصافير تموت نحت العجلات ) من النماذج القصصية التي استوقفني حضورها على صفحات مجلة أصوات الشمال بما تزخر به من لوحات فنية غاية جمال.
استوقفنا الكاتب بإطلالة وصفية من خلال وقفة حاول من خلالها إضفاء ضوء خافت على المكان .انطلاقا من وصفه للشخص الزوجة وهي بالمقعد الأيمن للسيارة.في التفافة فنية حوا الزمن كانت تلك الوقفة مشبعة بصور جمالية….امتزجت فيها فنيات الوقف من خلال الوصف.الذي أراده عابرا عبور الزمن نحو زمن القصة محاولا دحرجنه في هدوء قلق
لا يشعر به القارئ إلا من خلال تلك المسحة الفنية وهي تستوقفه عند عبارة(وهو يعز عليه قتل عصفور)….انه القفز على الزمن من خلال آلية الاختصار والطي لإعادة الحدث إلى زمن السرد أو ما يعرف بزمن المتن الحكائي…ليقف عند شخص( الزوجة) وهي تعاني الآم المخاض(“وقد تحولت كسمرة الأرض”)…إلى السيارة وهي تجوب الطريق و((“تلتهم المسافة الحلكة وهي نذوب تحت هدير العجلات.”…إلى جنيات الطريق المنسابة إلى الخلف…..إلى الاسمنت وهو يتلوى…)).وهي وقفات رائعة خصها القاص بألوان من الصور تركت للخيال فسحة لنسيج لاينته من اللوحات..التي تتشكل مع كل لون فتصنع المتعة والإغراق معا…ليتحول النص إلى كائن يتيه في الحركة ويمتد في التغير المثير للمتعة….(المسافة الحالكة…الاسمنت يتلوى….الأشجار والفراغ يطوى…..الآهات تمزق صمت الطبيعة….)..إنه بث لروح جديدة تفيض حركة بتلك الموجودات المحيطة بالمكان المفتوح … دافعة القارئ إلى استنطاق الخيال .والجنوح به إلى تحريك تلك الصورة كما أرادها الكاتب.
وبفنية الاسترجاع يستدير إلى زمن آجر خارج حدود المدّ الزّمني للمتن محاولا تعطيل الزمن…وهو الزمن المحرج الثقيل بآلام والأوجاع وضبابية المصير….(يا بلارج يا طويل القامة) عودة قصريه بالزّمن من فوهة حاضر متدفق بالحيرة والتساؤل… مذبوحا بعتمة الغيب… وفي حضور متواصل بالذاكرة … كأنه لا ينفصل عنها كما الروح للجسد محاولا الهروب بزمنه إلى صور أكثر بهجة…..ولكنه ككلّ الماضي سرعان ما تتكسّر سهامه على صخرة الحاضر الذي يرفض جثومه بكل ذلك الثقل……هاربا إلى عنف الواقع بآلامه من جديد.. فيرسم المعاناة(الطريق وزحمته….وطوله الخرافي….فحضور أو استحضار الزمن والهروب إليه لا يعني شيئا في عزّ الخوف والوجل وحصار لأنين الذي يشق طبلة الأذن
ويتواصل فرار البطل في ارتحال متأملا في معاني الألوان وتأثيراتها وهي لا تنفك رموزا يحاول فك طلاسمها بأحاسيسه لا أكثر…..وربما الصدفة فعلت فعلها كتفاحة نيوتن التي نبهت إلى قانون الجاذبية ….فكان البطل مبدعا في فلسفة الأضواء.(تعلم إن اللون الأحمر مثيرا للأعصاب…حافز……وترى اللون الأخضر يدعوا إلى الهدوء)وهي محاولة لجمع كل تناقض وتقريب المستحيل لتشكيل صورة جديدة للتنافر..بين الحزن والفرح والمرارة والنشوة……بين الحداثة والأصالة عازفا على موسيقاه التراثية كلمات هي اقوي من اللحظة ذاتها(ماتسرحش في بحاير لالا
( مولاة الخلخال بورطلين)
وفي تلاحم فرضه السرد تشابكت صورة البطل مع الراوي ليأخذ مبادرة تحريك الأحداث والمضي بها ….بإسناد الفعل إلى الكاف الخطاب….(ترمقها فتجد لك مهربا في تصورها ترفل بالخلخال وتصنع لخيالك مشهدا آخر)..إن الواقعية هنا قد فعلت فعلها وسيطرت بوضوح على شخصية البطل.وأحرجت القاص وأرسلته إلى قيادة الإحداث بنفسه لاغيا بطله…..ليقوم بدور البطولة كراوي وهي لحظة انتشاء تخلي فيها القاص عن بطله في غير اكتراث…..وهي صورة من صور الاسترجاع التي تعبر عن تشبع القاص بالأصالة واحتضانه للتراث شوقا إلى بعثه من جديد….منجذبا إليه كالفراشة إلى الضوء……. .حيث يعدم بطله ويضحي به في سبيل ذاك الحب.فلا سبيل له غير إن يتلوى فيها ..مصارعا جاذبيتها…وربما عشق الموت فيها(.”..مضى الزمن الجميل حين كان التغزل بصاحبة الخلخال “)…..”خلخالك مال ياطفلة”……ويمضي في هيامه(“ولكن حينها يلدن في بيوتهن…..والقابلات يزغردن باستقبال المولود الجديد”)هو حنين الى الماضي واسترجاع خارج المتن الحكائي….الذي يعود إليه في مشهد لايخفي امتعاضه من الموقف…… مع شيء من التعاطف مع الزوجة…ثم.مستبقا للزمن وهو يلقي نظرة …في حوار جاد مع موظفي المستشفى…وهي مخاوف تسكنه وهواجس ذعر من اللحظة القادمة…لعلها الخبرة والمراس والتجربة من يحرك كل هذا المشهد المؤسف في استباق للزمن…(“سيبقين يتفرجن عليّ…ويمطرانني لوما….ألم تفكري في هذا اليوم….حينما أردت الحمل؟؟….بهذه النقلة عبر الزمن يشاركنا القاص وبطله جزءا من الواقع المر داخل مستشفياتنا بل ويذهب إلى أبعد من الصورة الشكلية للموقف السلبي…الى البعد الأخلاقي حين تتكشف الألفاظ والعبارات عن مستوى منحط للقابلات في غياب تام للأخلاق من خلال لانتهاك الصريح لأخلاقيات مهنة التمريض.
ويعود الكاتب ببطله بعد رحلة الاسترجاع …إلى زمن المتن بوقفة..يعرض فيها مشاهد من الطريق والمحيط بتصوير رائع موظفا كل الأدوات والفنيات الوصفية(“والبناية الرهيبة تضيء كقلعة باهتة الجمال..”) وصولا إلى اللحظة الحاسمة المخيفة والمحرجة بضبابيتها….ولكنّه مُجبر على تخطي هذه اللحظة…من باب اللزوم والحتمية التي لا مكان فيها للاختيار….مشهد يبعث على الغثيان..لممرضات في غاية القسوة والبلادة(“كأنّها الحالة الوحيدة التي تصلهم….”) عبارة تلخص السلوك الفضّ وتختزل ما وراءه .وفي إير الحاجة إلى تأويل لنقد اجتماعي صريح …لسلوك الموظفين في قطاع الصحة (القابلات وطب التوليد)…والانفصام بين المهنة والأخلاق والإنسانية…استهتارا بالأرواح وتغييبا للقيم واستغلالا للجيوب”(فمثلك قد مر من هنا الكثير”) وكأن التشريح صار قدرا على كل حبلى جاءها المخاض…..ويبلغ الصراع أوجه بن إقبال على العملية وتبيعانها .. والإحجام وما قد يترتب عليه من نتائج…وقيود الحاجة التي تعطل القرار …وتدفق الآلام التي تقطع الجسم وتحده بشفار…. يعود البطل إدراجه بمسحة الحزن واضطراب الخوف….خوف يضاعفه العوز وقلّة ذات اليد ..يغالبه فقره ويتحداه ليس لقهره وكسر أنفه ولكنه لرفع معنويات الزوج في عذاباتها (” أريدك إن تتأكدي إن ليس مبلغ العملية ما يجعلني أتحفظ..”) ولكنّها تعين الزمن عليه بقسوتها حين تردد (“لا… لا أريد إجراء العملية….”) إنها توسّع جراحه ونضاعف الآمة….وتدفع به إلى قمة الصراع…بين الفقر والغني….بين الإقدام والانتظار…إنه يفتش عن إخماد هذا الحريق الناشب في فكره ،الضارب مع الآم الوضع في جسد زوجته…..في تسارع رهيب بزمن السرد عبر آلية القص والحذف والاختصار.. الزمن يتمدد رغما عنه ويضايق بطله”(تخرجان والليل قد عسسعس أكثر…إلى عيادة ثانية…..العجلات تطوي المسافة عودة……”) وفي ظل هذا التواتر الزمني يكون للمشهد حضوره …في تأمل صامت وبحث عن تفسير”(لم العصافير التي تموت في الجو تموت تحت العجلات….؟؟”)والعصافير في بعدها الرمزي لا تنأى عن كونها تمثّل البراءة في ضعفها ورقتها والقيم في تحليقها …والليل في انعدام الرؤية …..وهما الحيرة والاضطراب اللذان يقودان إلى الحتف …تحت العجلات ( النتاج التكنولوجي) الذي يقوده الإنسان لقتل الضعيف البريء الرقيق .بدل تسخيره لإحيائه…. وهي إشارة إلى الطب والطفل الذي قد يموت في ارتباطه بالولادة الاستشفائية المعطلة في غياب الأخلاق والوازع الإنساني….(“لولا أنك رفضت الإمضاء بالتصريح لهم……وتخرجان ثانية مطرودين من جشع دراكولا بمآزر بيضاء….”).فالبطل لا يخفي عدم قناعته بمثل هذا التوليد و(دراكولا) إشارة إلى الطبيب الجزار.
ويتواصل النسيج السردي بين وقفة ومشهد باعثان زمن القارئ إلى التأمل “(لما أن بدت أعشاش بلارج على الأعمدة القديمة……..قد تكون التي أتت بعد عق دمن الزمن عير مؤمنة.؟؟..”) محاولا ربط القديم والعتيق وهو هنا العادات والقيم بالأمن….واختيار التوليد التقليدي..هو الأكثر سلامة ….وربما هو في كل الاختيارات يبقى البطل متشبثا بالماضي وقيمه حتى في عز أزماته……
وتفتح الفطرة ذراعيها لتحضن ابتسامته الضاحكة في صمت المنتصر على أنغام الصرخة الأولى للطفل من المقعد الخلفي معلنا نهاية العذاب وتبخر الحيرة …وتقاسم الماضي للحاضر نفس المصير…وربما كان لهذا العصفور حضا وقد دفعته الأقدار من تحت العجلات لينجوا بميلاد طبيعي بعيد عن فلسفة العلم وتأويلاته وسخرية الممرضات…والاستغلال المفرط للمستشفيات الخاصة….
لقد كانت قصة ( العصافير تموت تحت العجلات)للقاص عيسى بن محمود…ناضجة فنيا .فقد كان لحضور الخصائص الفنية بعدها الجمالي الذي انعكس ألقها من خلال المسار السردي السلس(وحدة المكان.والزمان.البطل .الشخصيات.العقدة والحل.)
عزف الكاتب على أوتار الزمن أكثر من مقطع ونقل إلينا عبر فنية الاستباق والاسترجاع…لحنا سرديا متميزا…كان للتلاعب بالزمن حضوره في تقريب المشد وتوضيح أبعاده ورموزه.
أما من الناحية التعبيرية فقد وقع القاص ضحية عشقه الصورة التي افتكها افتكاكا وفرضت عليه فرضا بفعل الإغراء…حين شبه سيقان الزوج بالمرمر…ضياء وبريق وتأنقا …….ثم يعرض الزوجة في الوقفة الوصفية بما يناقض الصورة الأولى….وجهها بكل ملامحه(” تأوهت من الآم المخاض وملامحها كسمرة الأرض”).
أما من الناحية التركيبة فالجمل في غاية التشكل الصانع للبيان والوضوح باستثناء عبارة(“أريد أن تتأكدي انه ليس مبلغ العملية ما يجعلني أتحفظ”).فجملة”انه ليس مبلغ العملية…….”توكيد لضمير من المفروض أن يكون له عائد(مبلغ العملية)….ولكن في العبارة توكيد للضمير والعائد بعد نفيه بلبس…..مما جعل العبارة تغرق في تركيبها العامي…..توكيد ونفي….والضمير جاء قبل عائده مما ادخل العبارة في ثقل ووهن لغوي واضح..
استعمال كلمة( الرواح) وعكسه الغدو وهو المضي والذهاب وقصد المكان وقد وظفها القاص في تركيب جعلها نافرة من جملتها .فالفكر نسرح فيه مجازا.ولكننا لا نروح إليه بل نروح به إلى الصورة….. (“.فتروح تفكر في أضواء المرور”) …إن العبارة بهذا التركيب تجعل التفكير حيزا مكانيا يقتضي الانتقال إليه.
لقد وضع عيسى بن محمود الأصبع على الجرح وعبر بكل واقعية عن صراع رهيب بين الحاضر النافر والماضي بكل جاذبيته…وبسط مشكلة يومية…ونقدها بأسلوب راقي …عبر محطات قصته( العصافير تموت تحت العجلات).وبقلم مبدع…..صنع الفارق.
—————————عبد المالك بدره *الجزائر*
ردّ القاص عيسى بن محمود:
الأستاذ الفاضل عبد المالك بدره
لولا أن النص محل الدراسة يخصني لكنت أبديت مراسيم الشكر التي تليق بقلمكم ، و لكن قد تكون مجروحة مادام الامر كما أسلفت ،
ان غياب النقد للنصوص الراهنة في الجزائر قد أجحف في حق عديد الأقلام الجادة من بينها نصوصا في غاية الابداع تكون قد مرت هنا وهناك على سبيل المثال ،
أتيت على النص ببصيرة نافذة الى اعماق التراكيب و المعاني و الصور فكنت الناقد و المبدع في آن .
و قد جعلتني أعود الى الوهن الذي أشرت إليه ليس ككاتب النص و لكن كقاريء فوجدتني خلت المشهد الذي أوحى به المرمر ليس حتما بمعنى الصفاء و النقاء بل لوحة سريالية يكون فيها المرمر و قد تشوه بسيليكات المعادن و النبات المتعرج يلتصق به في وصف الدوالي تعتلي السيقان لايناقض سمرة الوجه من ألام المخاض و الوجه مرآة عاكسة لمعاناة باقي الجسم حتى و ان ابيضت السيقان وهنا فإن الوجه يكون حالكا بالموازاة معها.
أما “أريد أن تتأكدي انه ليس مبلغ العملية ما يجعلني أتحفظ”
فعلى شاكلة :أن ليس للانسان الا ما سعى – يحذف الضمير و يكون المحكي اليومي قد ولجها كما أشرت في مقالك .
في حين أن الانتقال ذهنيا للتماهي مع الصورة يقبل الرواح فيه و به و اليه فما عادت الزمكنة الكلاسيكية تحد من الدلالات ، و لكنه التجريد و السريالية ما يجعله يعطي المألوف تشظي و توزع جديد.
ختاما و النقد يبعث الحياة في النص محل الدراسة ، أجزل لك الثناء و الشكر و المحبة وجام الإحترام و التقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه: